هل نجح ترمب في تغيير موقف أمريكا اللاتينية من العرب؟

Front row front left, Prime Minister of Trinidad and Tobago Kamla Persad-Bissessar, President of Paraguay Santiago PeÒa, President of the Dominican Republic Luis Abinader, President of El Salvador Nayib Bukele, President Donald Trump, President of Guyana President Mohamed Irfaan Ali, President of Costa Rica Rodrigo Chaves Robles, President of Ecuador Daniel Noboa, back row from left, President of Bolivia Rodrigo Paz Pereira, President of Argentina Javier Milei, President of Panama JosÈ Ra˙l Mulino, President of Honduras Nasry Asfura, not visible, and President-elect of Chile Jose Antonio Kast, partially visible, pose for a group photo at the Shield of the Americas Summit, Saturday, March 7, 2026, at Trump National Doral Miami in Doral, Fla. (AP Photo/Mark Schiefelbein)
درع الأمريكتين إطار سياسي يجمع الدول التي تتطابق توجهاتها مع واشنطن (أسوشيتد برس)

لم تعد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجد حرجا في رهن علاقاتها – إيجابية كانت أم سلبية – ببلدان قارة أمريكا اللاتينية وفق مواقف تلك الدول من الحرب الأخيرة التي تشنها مع إسرائيل ضد إيران.

وقد أكدت دعوة الرئيس ترمب لـ17 زعيما من بلدان أمريكا اللاتينية وبحر الكاريبي، في قمة "درع الأمريكتين" الأخيرة، وإقصاء رؤساء بلدان مهمة مثل المكسيك، والبرازيل، وكولومبيا، وفنزويلا، هذا التصنيف التي شرعت واشنطن في اتخاذه بعد شنها هذه الحرب.

ورغم البعد الجغرافي لهذه البلدان عن ساحة القتال، فإن مواقفها المتباينة من إيران كطرف في الصراع جديرة بالمتابعة.

وفي السياق، نستطيع إجمال مواقف بلدان المنطقة في قائمة تجمع كل الدول المشاركة في القمة، والتي يمكن وصفها بالحكومات المتماهية مع توجهات الإدارة الأمريكية، مع التوقف عند حكومة الأرجنتين كمثال أقصى للدعم غير المشروط للولايات المتحدة وإسرائيل. لكن في المقابل لا ننسى أن نعرج على مواقف فنزويلا، والبرازيل، وكولومبيا، والمكسيك، لخصوصية كل حكومة فيها، وتبيان جوهر توجهاتها.

ففي الحالة الأرجنتينية، أدلى رئيسها خافيير ميلي بتصريحات وصفت بالمستفزة، من مقر جامعة يهودية بنيويورك، منذ أسبوعين، أعلن خلالها أنه "الرئيس الأكثر صهيونية في العالم"، واصفا إيران بأنها "عدونا"، في إشارة إلى اصطفافه التام مع إسرائيل والولايات المتحدة في الحرب الراهنة، وختم خطابه بـ "سننتصر".

ولم يكتفِ ميلي بذلك التصريح، بل واصل هجومه على إيران بنسق أعنف بعد ذلك، وأعرب عن استعداده لتقديم الدعم إن طلبت واشنطن ذلك.

وهو ما دفع الجانب الإيراني إلى الرد عليه، في مقال باللغة الإنجليزية في صحيفة "طهران تايمز". حيث اعتبر المقال أن الأرجنتين صنفت نفسها رسميا كعدو لإيران، بتحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل في العدوان العسكري ضدها، حيث وصفته بـ"خط أحمر لا يغتفر".

إعلان

كما حذر المقال من أن إيران لا يمكنها أن تظل غير مبالية بالمواقف العدائية للحكومة الأرجنتينية الحالية، وأنها ستقوم برد يتناسب مع كلمات الرئيس ميلي، ما أثار غضبا واسعا في أوساط الرأي العام في الأرجنتين، الذي اعتبر تصريحات ميلي غير مسؤولة، ومستفزة لبلد ليس بالهين.

ورغم ذلك، تجدر الإشارة إلى أن صورة إيران غالبا ما تحضر في مخيلة أغلب الأرجنتينيين مرتبطةً ببعض الحوادث الدامية، نظرا لسوابق تاريخية فارقة.

حيث إن القضاء الأرجنتيني كان قد اتهم إيران بمسؤوليتها عن هجوم عام 1994 في العاصمة بوينوس آيرس، الذي استهدف منظمة "آميا" اليهودية وخلف 85 قتيلا، وهو الهجوم الأكثر دموية ضد أهداف يهودية ربما منذ الحرب العالمية الثانية.

وكذلك مسؤوليتها عن الهجوم الذي جاء بعد عامين على سفارة إسرائيل، والذي خلّف 29 قتيلا، في الوقت الذي نفت فيه إيران وقوفها وراء الهجومين.

على الجانب الآخر، وبالنسبة لحكومة فنزويلا، التي تعتبر الحالة الاستثنائية الأكثر حرجا في حكومات المنطقة، وذلك بسبب المستجدات السياسية الجذرية التي شهدتها في الفترة الأخيرة، وأجبرتها مرغمة على إعادة النظر في قائمة الحلفاء.

فقد عكس موقفها من القصف الأمريكي لإيران في اليوم الأول من الحرب الجارية وردة الفعل الإيرانية التي تلته، حجم الورطة التي تحيط بحكومة ديلسي رودريغيز. حيث قامت الخارجية الفنزويلية بنشر بيان على إثر اندلاع الحرب وتبادل القصف من الجانبين الأمريكي والإيراني، لكن سرعان ما تم حذفه من جميع المواقع والحسابات الرسمية، ما أثار جدلا واسعا حول أسباب حذفه.

وقد تضمن البيان المحذوف إدانة جمهورية فنزويلا للعمل العسكري الذي تم اتخاذه ضد إيران، مما أدى إلى تصعيد خطير وغير متوقع للأحداث، بما في ذلك "الأعمال الانتقامية العسكرية الإيرانية غير المشروعة والمدانة ضد أهداف تقع في بلدان مختلفة في المنطقة".

وأشار البيان إلى أن هذا التصعيد جاء في وقت كانت فيه الجهود الدبلوماسية والمفاوضات تجري بشكل جيد.

وقد أجمعت معظم آراء أنصار تيار الزعيم الراحل هوغو شافيز على أن البيان يعكس موقفا مرتعشا، لم يشر بالاسم إلى مسؤولية الولايات المتحدة وإسرائيل عن البدء بالقصف، امتثالا لأوامر البيت الأبيض. في المقابل، رجح آخرون أن حذف البيان، تم بناء على تعليمات أمريكية منعت الحكومة الفنزويلية من التصريح بأي موقف.

أما بالنسبة للبرازيل، فقد بدا رئيسها لولا دا سيلفا غاضبا جدا في مداخلته في اجتماع مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (CELAC) وممثلي 19 دولة أفريقية الذي انعقد في العاصمة الكولومبية، منذ أيام قليلة، والتي انتقد فيها "الأكاذيب" التي تستخدم "لتبرير الدمار والحروب"، في إشارة إلى مسؤولية الرئيس ترمب عن التصعيد الخطير للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتدخله في المشهد الفنزويلي وتلويحه بشن حرب وشيكة على كوبا، وأضاف: "إنهم يريدون استعمارنا مرة أخرى"، دون تحديد هوية الفاعل.

وكان دا سيلفا قد ندد الأسبوع الماضي أيضا خلال فعالية وطنية بساو باولو، بسلوك من يعتبرون أنفسهم "سادة العالم"، الذين يقودون سياسات توسعية تهدد سِلم الدول،  مذكرا بضرورة احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، في إشارة إلى إيران، ووضّح أنه ورغم عدم اتفاقه مع النظام الإيراني، لكنه مجبر على احترام سيادة الدول في إدارة شؤونها.

إعلان

وقال إن البرازيل كانت قد شاركت خلال ولايته الثانية، وحاولت إلى جانب تركيا، التوسط لضمان استخدام طهران السلمي للطاقة النووية، في مفاوضات عام 2010، غير أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي زادا من تضييق الحصار على إيران.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، ذهب إلى أبعد من هذا، حيث نشر تغريدات على هامش الاجتماع المذكور، تساءل من خلالها عن ازدواجية المعايير التي تحكم موقف الغرب، وقال " لا يمكن مطالبة إيران بالتخلي عن مشروعها العسكري النووي، إذا سلمنا بأن لديها مشروعا، دون أن تتخلى إسرائيل عن نفس هذا المشروع!".

وشدد على أنه لا يمكننا اتهام إيران بارتكاب جرائم في حق شعبها المنتفض وفي الوقت نفسه إغفال مسؤولية إسرائيل عن الإبادة الجماعية في غزة.

وفي نفس سياق الحديث عن إيران، حث على العودة إلى القانون الدولي لإنهاء الحرب، معتبرا أن الثورة هناك وهمية حتى هذه اللحظة، نظرا لاتساع القاعدة الشعبية التي تدافع عن النظام الحالي، وفق رأيه، معتبرا أن ذلك ضروري في المرحلة الراهنة؛ لمنع انتشار الصراع إلى دول أخرى في المنطقة.

أما بالنسبة لموقف المكسيك، فقد شددت رئيستها كلاوديا شينباوم على أن الدستور المكسيكي يحث على الدفاع عن السلام العالمي، وهو "أمر مطلوب بشدة في هذه اللحظة".

غير أن الوضع الجديد الذي تواجهه المكسيك في الحرب الراهنة، محكوم بواقع جديد، إذا أخذنا بعين الاعتبار مشاركة الفريق الإيراني في الدورة القادمة لكأس العالم لكرة القدم التي ستحتضنها الولايات المتحدة والمكسيك، وكندا، وإعراب إيران عن خشيتها على سلامة فريقها خلال مبارياته على الأراضي الأمريكية، في ظل الوضع الراهن.

وفي الوقت الذي أعرب فيه الرئيس ترمب عن أن الفريق الإيراني "مرحب به"، ثم أضاف أنه قد يكون من الأفضل عدم المشاركة "من أجل سلامتهم"، صرحت رئيسة المكسيك، بأن حكومتها تلقت اقتراح إيران باختيار المكسيك كبديل للولايات المتحدة لخوض المباريات المعنية، وقالت إنه قيد الدراسة في محادثات مع الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وفي الخلاصة أنه رغم الضغوط التي يمارسها الرئيس ترمب على بلدان أمريكا اللاتينية، وإرغام حكوماتها على قطع تحالفاتها مع "أعداء القارة"، لا سيما إيران والصين، ما زالت البلدان الأهم من حيث الوزن الاقتصادي والديمغرافي متمسكة بمواقفها التاريخية، دون مبالاة بالثمن الذي يمكن أن تدفعه مقابل ذلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان