الأمل في المشروع العربي وسط عالم متصارع

التاريخ الإسلامي- تراث -الوراقون والمكتبات- المصدر ميدجيرني- 2
الكاتب: العالم العربي ليس كتلة متجانسة، بل فضاء شديد التنوع دينيا ومذهبيا وإثنيا وثقافيا واقتصاديا (المصدر ميدجيرني)

على امتداد القرن الأخير، لم تكن المنطقة العربية يوما مساحة فراغ في السياسة الدولية، ولا هامشا خاملا في حركة التاريخ. على العكس، كانت واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحاما بالمشاريع الكبرى: مشاريع إمبراطورية قديمة وحديثة، تصورات إقليمية عابرة للحدود، رؤى أيديولوجية متنافسة، وأجندات أمنية واقتصادية ودينية متداخلة.

كانت المنطقة دائما في قلب خطوط الملاحة، وممرات الطاقة، وتقاطعات التجارة، ومراكز التأثير الحضاري. ومع ذلك، وسط هذا الزحام الكثيف للمشاريع، يبرز سؤال مقلق يكاد يكون غائبا عن النقاش العام:

أين هو المشروع العربي؟

المشكلة ليست في أن الآخرين يملكون مشاريع. هذا منطق السياسة والتاريخ، ولا يمكن لعالم تنافسي أن يخلو من طموحات ومبادرات ومصالح متعارضة.

المشكلة الحقيقية أن الفضاء العربي، بكل ثقله الجغرافي والبشري والاقتصادي والثقافي، دخل مرحلة التحولات الكبرى من دون مشروع جامع يعرف مصالحه، ويحدد أولوياته، ويرسم خطوطه الحمراء، ويضبط حدود استخدام أرضه ومجتمعاته في صراعات الآخرين.

وبهذا المعنى، تحولت المنطقة تدريجيا من شريك محتمل في صياغة المستقبل الدولي إلى ساحة تنفيذ لمشاريع غيرها، تدار فوق أرضها وبمواردها وبمجتمعاتها.

حين يغيب المشروع، لا يبقى الفراغ فارغا. التاريخ لا يعرف الفراغ السياسي. المساحات غير المؤطرة ذاتيا تملأ تلقائيا برؤى الآخرين.

وهذا ما حدث بالفعل. تحولت دول عربية إلى مسارح صراع لتصفية حسابات دولية وإقليمية، وأصبحت مجتمعات بكاملها خطوط تماس جيوسياسية مفتوحة، واستخدمت الانقسامات الدينية والطائفية والإثنية بوصفها أدوات إدارة صراع لا مكونات تنوع طبيعي، واستنزفت الموارد في حروب لا تعبر بالضرورة عن أولويات الشعوب ولا عن مصالحها طويلة المدى.

في كثير من الأحيان لم نكن طرفا فاعلا في المعادلة، بل موضوعا لها. ليس لأن المنطقة تفتقر إلى الإمكانات، بل لأن الإطار الذي يحول الإمكانات إلى مشروع سياسي-إستراتيجي كان غائبا أو هشا أو منقسما.

إعلان

غالبا ما يساء فهم أي حديث عن "مشروع عربي" باعتباره دعوة إلى محور جديد، أو اصطفاف صدامي، أو أيديولوجيا مغلقة تعيد إنتاج أوهام التعبئة القديمة.

غير أن المشروع المطلوب اليوم لا ينتمي إلى هذا المنطق أصلا. إنه ليس مشروع مواجهة، بل هو مشروع توازن. مشروع لا يعادي المشاريع الأخرى، لكنه لا يذوب فيها ولا يختزل بوصفه وظيفة ضمن إستراتيجيات الغير. مشروع يتفاعل مع التوازنات القائمة بواقعية، لكنه يصر على أن يكون شريكا مستقلا لا تابعا، وصاحب قرار لا ساحة نفوذ.

جوهر هذا المشروع يبدأ من الاعتراف بالواقع العربي كما هو، لا كما نرغب أن يكون. العالم العربي ليس كتلة متجانسة، بل فضاء شديد التنوع دينيا ومذهبيا وإثنيا وثقافيا واقتصاديا.

كل محاولة لبناء مشروع يتجاهل هذا التعدد أو يسعى إلى صهره قسرا تحت هوية واحدة أو خطاب واحد محكومة بالفشل، وقد أثبتت التجارب القريبة ذلك بوضوح.

المشروع العربي الجديد لا يمكن أن يقوم إلا على فلسفة إدارة التعدد لا إنكاره، وتنظيم التنوع لا قمعه. فالتعدد، إذا أحسن تنظيمه ضمن عقد اجتماعي ومؤسسي مرن، يتحول من عبء إلى مصدر استقرار وقوة وقدرة على امتصاص الصدمات.

في الوقت ذاته، لا بد من إعادة ترتيب سلم الأولويات. لعقود طويلة، طغت شعارات النفوذ والصراع والاصطفاف الأيديولوجي على حساب سؤال أبسط وأكثر إلحاحا: الاستقرار.

التجربة التاريخية أثبتت أن المجتمعات غير المستقرة لا تبني اقتصادا منتجا، ولا معرفة متراكمة، ولا مؤسسات فاعلة، ولا سيادة حقيقية.

الفوضى لا تنتج استقلالا، بل مزيدا من الارتهان للخارج، سواء عبر الحماية الأمنية أو المساعدات أو إعادة الإعمار المشروط. لذلك فإن حجر الأساس لأي مشروع عربي جاد يجب أن يكون إعادة تعريف الاستقرار بوصفه مصلحة عليا لا تنازلا سياسيا، وشرطا للسيادة لا عائقا أمامها.

المرحلة الراهنة تجعل هذه الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. خرائط النفوذ يعاد رسمها، أولويات القوى الكبرى تتغير، أنماط الصراع تتحول من الحروب العسكرية المباشرة إلى ميادين مركبة: الاقتصاد، التكنولوجيا، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، سلاسل التوريد، والأمن السيبراني.

في هذا العالم، لم تعد القوة تقاس فقط بالجيوش، بل بالقدرة على إدارة المعرفة، وتأمين الموارد، وحماية الاستقرار الداخلي، وبناء شبكات مصالح متبادلة. استمرار العالم العربي بلا مشروع متكامل يعني ببساطة أننا سندمج في مشاريع الآخرين بوصفنا وظائف هامشية: سوقا، ممرا، ساحة ضغط، أو مخزون أزمات.

المشروع العربي المطلوب ليس بيانا سياسيا عابرا ولا شعارا تعبويا، بل رؤية إستراتيجية طويلة المدى. رؤية تجعل إنهاء الحروب المفتوحة أولوية أخلاقية وسياسية، وتمنع تحويل الدول إلى ساحات صراع بالوكالة.

رؤية تعمل على تحييد الجغرافيا العربية قدر الإمكان عن حروب الآخرين عبر سياسات خارجية متوازنة وإدارة العلاقات الدولية بمنطق المصالح المتدرجة لا الاصطفافات الصفرية.

رؤية تربط الأمن بالتنمية، وتتعامل مع الطاقة والممرات البحرية واللوجيستية والأسواق والموارد البشرية بوصفها منظومة تكامل إقليمي لا ملفات منفصلة. وفوق ذلك، رؤية تنتج سردية فكرية جديدة تتجاوز انقسامات القرن العشرين، وتعيد تعريف المصلحة العربية بلغة القرن الحادي والعشرين.

إعلان

لكن مثل هذا المشروع لا يولد بقرار فوقي ولا بمؤتمر قمة ولا بتحالف ظرفي. الخطوة الأولى هي تحول في الوعي السياسي والثقافي. قناعة واسعة لدى النخب وصناع القرار والرأي العام بأن استمرار إدارة المنطقة بمنطق رد الفعل يعني استمرار التبعية البنيوية، وأن امتلاك مشروع عربي ليس ترفا فكريا أو حلما رومانسيا، بل شرطا للبقاء الحضاري في عالم تنافسي شرس. من دون هذا الإدراك، ستبقى المبادرات جزئية، موسمية، ومحبوسة داخل أطر ضيقة.

المنطقة العربية تملك الموقع الجغرافي الفريد، والموارد الطبيعية الضخمة، والكتلة البشرية الشابة، والتاريخ الحضاري العميق. ما ينقصها ليس الإمكان، بل الإطار الذي يحول الإمكان إلى اتجاه، والاتجاه إلى سياسات، والسياسات إلى استقرار طويل الأمد.

المشروع الضائع ليس ترفا نظريا، بل ضرورة إستراتيجية. من دونه سنبقى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، ومعه يمكن أن نصبح فاعلا في صناعة المستقبل. فالأمم لا تقاس بما تمتلكه من ثروات فقط، بل بقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى استقرار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان