الفصول الحزينة ما زالت باقية يا رفيق

من مراسم إحياء الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (الأناضول)

إن ذكرى الاغتيال الدامي للرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، ليست حدثا عابرا يمر بنا كل عام، بل هي وجع متجدد، منبعه فداحة المصاب، الذي ترك- وما زال- أثرا عميقا في تداعياته السياسية، سواء في الداخل اللبناني، أو على الساحة الإقليمية، ولم نزل نعيش بعضا من فصولها الحزينة حتى يوم الناس هذا.

فرفيق الحريري الذي تولى مسؤولية رئاسة الحكومة اللبنانية في العام 1992 ناضل وضحى أثناء حكوماته الخمس من أجل تنفيذ رؤيته ومشروعه الكبير لإنقاذ لبنان على مختلف المستويات الوطنية والسياسية والإعمارية والاقتصادية والإدارية والثقافية.

وعلى الرغم من كل العراقيل والعقبات التي واجهته في مسيرته النهضوية بقيادته لبنان، سواء تلك التي تمثلت في الأعباء الثقيلة التي خلّفتها حرب أهلية مريرة، أو في الاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية المتكررة، أو بتسلط قوى داخلية وإقليمية على الدولة اللبنانية، وهيمنة متزايدة من قبل قوى الأمر الواقع، فإن الرئيس الحريري استطاع برؤيويته وبديناميته وإصراره ومثابرته أن يحدث قفزة نوعية في لبنان على أكثر من صعيد وطني وسياسي وعمراني، كي يستعيد لبنان حريته وسيادته واستقلاله.

كما استطاع رفيق الحريري أن يعيد بناء الكثير مما تهدم، وأن ينطلق نحو إعادة بناء الكثير من البنى التحتية والفوقية والخدماتية الأساسية، لتحقيق النهوض الوطني والنمو الاقتصادي.

كما لا يخفى حرصه على تعزيز التزام لبنان بالشراكة العربية والمصالح المشتركة، وذلك بالتعاون مع الأشقاء العرب، ولا سيما المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، ومع دول الخليج العربي.

بيد أن الهيمنة المتعاظمة التي مارسها النظام الأسدي السوري، وكذلك النظام الإيراني، وأذرعه الإقليمية، على الدولة اللبنانية، إلى جانب الظروف الإقليمية والدولية غير المواتية، فإنها ما لبثت أن تداعت وتألبت على مشروعه الوطني، وأدت إلى ارتكاب جريمة اغتياله؛ بهدف تخريب وتعطيل مشروعه الإنمائي النهضوي الوطني، ونجحت في إزاحته جسديا من المشهد السياسي المحلي والإقليمي، وإن لم تنجح في إزاحته من قلوب وضمائر محبيه ومقدريه أينما كانوا، حيث يزداد حضوره في غيابه.

إعلان

جريمة الاغتيال النكراء استولدت إرادة قوية لدى الشعب اللبناني من أجل التصدي لتلك القوى الظلامية، وهي الإرادة التي عملت بعد استشهاد الحريري على استنهاض قواها من أجل إعادة توحيد لبنان، والسعي إلى إقرار المحكمة الدولية؛ لمنع الإفلات من العدالة، واستعادة نهوض لبنان العمراني والاقتصادي والمعرفي.

لكن تلك القوى الظلامية- أكان ذلك بسبب مطامعها السلطوية، أم بسبب تبعيتها الإقليمية- لم تتوقف عن محاولاتها تعطيل الانطلاقة الجديدة للمشروع النهضوي اللبناني والعربي للحريري. حيث استمرت وكأنها كانت تتساوق مع مخططات إسرائيل العدوانية التي انتهزت أول فرصة لاجتياح لبنان من جديد في العام 2006.

ومع أن لبنان نجح حينذاك في منع إسرائيل من الانتصار، ونجح في محاولة استعادة النهوض الاقتصادي والعمراني والثقافي، لكنه لم ينجح في أن يصار إلى الالتزام بتطبيق القرار الدولي رقم (1701) على جانبي الحدود.

تلك القوى الظلامية لم توقف محاولاتها القبض على الدولة اللبنانية، حيث استمرت في العمل على إدخال لبنان في أتون لا ينتهي من العراقيل والصدمات.

ذلك مما حال دون استعادة دولة الحق والقانون والنظام في لبنان، أو استكمال برنامج لبنان الإصلاحي، ما أدى عمليا إلى تعطل السلطة والقرار، وهو ما حال دون تحقيق انتقال سلس للسلطات الدستورية لثلاث مرات على التوالي، أو أن يتمكن لبنان من الخروج من المآزق السياسية والاقتصادية والمالية، الداخلية والإقليمية الكبرى، التي كانت تتجمع من حوله.

كما منع لبنان الاستفادة من دروس التحولات الكبرى التي كانت تجري في المنطقة العربية والعالم، وهو مما دفع البلد ليكون في وضع هش وغير قادر على مقاومة الصدمات السياسية والاقتصادية والمالية العنيفة والمتلاحقة، وبالتالي عدم القدرة على التصدي لمخططات إسرائيل العدوانية.

هذا فضلا عن أنه حدّ من قدرة لبنان على استخلاص الدروس الكبرى من الأزمات العنيفة التي أصابت لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، والتي كان آخرها توريط لبنان في عملية "طوفان الأقصى"، حيث عملت إسرائيل على انتهاز ذلك التورط من أجل تحقيق أهدافها في رسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط؛ وفقا لرؤيتها ومصالحها ورغباتها.

وهو ما تحاول إسرائيل القيام به عن طريق إحكام سيطرتها وقبضتها على دول المنطقة، وهي لا تريدها إلا دولا طائفية ومذهبية مقسمة ومفتتة.

وهو ما تريد أن تفعله وتنفذه في سوريا، وما تقوم به أيضا من أجل تصفية القضية الفلسطينية برمتها، وفيما تقوم به وما يجري في لبنان، والسودان، والصومال، واليمن وليبيا، وكذلك في العراق.

وذلك في سياق التحولات الكبرى التي باتت تعصف بالمنطقة العربية والشرق الأوسط برمته، وكذلك المتغيرات الكبرى التي باتت تتحكم بالعالم أجمع مما يزيد من حدة الاستقطاب العالمي، ويؤدي إلى تصدع قواعد القانون الدولي، ويفاقم حالة اللايقين الدولية، وعدم الاستقرار العالمي.

هذا فضلا عن نشوء قوى وتحالفات جديدة تعتمد مفهوم القوة والتهويل بها، لا بل واستعمالها عندما ترى ذلك يخدم مصالحها.

وبناء على ذلك- وفي تقديري- فإنه يترتب على الصعيدين اللبناني والعربي، بذل كل جهد ممكن من أجل استخلاص مجموعة من الخلاصات والدروس، بما يساعد على الخروج من حال الضياع والانهيار التي تتهدد لبنان، وتتهدد الكثير من دولنا ومجتمعاتنا العربية.

إعلان

على الصعيد اللبناني

وفي هذه الظروف البالغة الصعوبة على الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، أميل إلى الاعتقاد- وبقوة- أن الركيزة الحقيقية لأي تقدم أو نهوض في لبنان لا يمكن أن تكون إلا بالاستناد إلى مجموعة من المسلمات والمنطلقات، وأولها مسلمة واحدة وأساسية، وهي حسم مسألة وحدانية وحصرية سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وإداراتها ومرافقها ومؤسساتها العامة.

وبالتمسك بإنفاذ الدستور اللبناني، وباستكمال تطبيق اتفاق الطائف، والعمل على اعتماد الإصلاح منهجا لإصلاح الاقتصاد الوطني وماليته العامة.

والحرص على ترشيق وتفعيل الإدارة والمؤسسات والأجهزة العامة للدولة اللبنانية، واعتماد سياسة خارجية تقوم على الالتزام بالمصلحة العربية المشتركة استنادا إلى التحييد الإيجابي الذي طالما تمسك به لبنان قبل خضوعه لسيطرة النظام الأسدي والتغول الإيراني.

علاوة على بناء علاقات قويمة مع الشقيقة سوريا تقوم على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، والتعاون بين البلدين، بما يحقق النهوض المشترك للبلدين.

قبل أن أختم سطوري عن لبنان، لا بد لي من أن أنوه بجمهور رفيق الحريري الذي وقف في الذكرى الحادية والعشرين من يوم استشهاده السبت الماضي مع الرئيس سعد الحريري، وهو ما أكد من جديد أنه لا يزال يحظى بمحبة الناس، وبالتفافهم من حوله، وأن هذه الجماهير لا تزال متمسكة بخط الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إذ لا خلاص للبنان إلا بالعودة إلى تلك الركائز الأساسية التي وضعها واستشهد من أجلها.

على الصعيد العربي:

  • أولا، واجب حماية الدولة الوطنية السيدة المستقلة في منطقتنا العربية من نزعة التصغير التفتيتي. هذا مع الحرص على الحرية والتنوع في إطار الوحدة الوطنية، ما يعني نزول جميع المكونات عند شروط الدولة، بدلا من محاولة إنزال الدولة عند شروط هذا الفريق أو ذاك.
  • ثانيا، إعلاء حق الدولة وواجبها في حصرية السلاح بيدها، وإلغاء كل سلاح آخر مهما كان عنوانه أو كانت دعواه. ذلك أن أي سلاح موازٍ لسلاح الدولة الشرعية، يشكل بالواقع والضرورة سلطة موازية، غالبا ما يستقوي به حاملوه على الدولة، ويدفع سائر المكونات إلى الاستقواء بخارجٍ ما، كما بينت كل التجارب السابقة.
  • ثالثا، تعزيز الرهان على خيار الاعتدال العربي، والتأكيد على مبادرة السلام العربية، وعلى ضرورة إصلاح البيت الفلسطيني، والتأكيد على أن الصراع العربي- الإسرائيلي والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وبعد كل الإخفاقات السابقة، لا بد أن يعود ليأخذ بعين الاعتبار الوسائل غير العنفية التي يمكن أن تحقق للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، ولا سيما في ضوء المتغيرات الدولية. ومن ذلك، اعتراف العدد الأكبر من دول العالم، بأن تكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة.
  • رابعا، من أجل إقدار المنطقة العربية على مواجهة طبيعة القوى والتحولات والتحالفات الدولية الجديدة وتداعياتها على المنطقة العربية ودولها وشعوبها، فإن الحاجة تتعاظم لإيجاد عمل عربي تضامني، وهو ما يقتضي احتضان الأصول العربية الصلبة القائمة وتزكيتها.

وأعني بذلك تحديدا ما يمكن أن تقوم به المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية من عمل عربي كبير، وتحصين هذا الخيار بعمل تضامني جامع ومشترك في إطار جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، وتكاملي أيضا في إطار منظمة التعاون الإسلامي، بما يحقق السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة العربية، ويسهم في تحقيق الأمن العربي المشترك من مختلف جوانبه.

  • خامسا، أن نأخذ بقوة عبرة من تجاربنا وتجارب الشعوب من حولنا، مفادها أن المواطن الحر وحده هو الضمانة، في دولة مدنية توفر الضمانة للجماعات والحقوق للمواطنين الأفراد.
إعلان

وعليه ينبغي اعتبار حقوق الإنسان قيمة عليا، واعتماد الديمقراطية نظاما سياسيا، والتداول السلمي للسلطة دستورا، والتنمية الشاملة والمتوازنة سبيلا إلى تحقيق العدالة وتعزيز المواطنة، وطريقا إلى الثروة والقوة الفعليتين. وذلك كله باعتبار الإصلاح مقاربة شاملة ومهمة دائمة.

والإصلاح هنا يتضمن: الإصلاح السياسي، والمؤسساتي الإداري، والاقتصادي والمالي، والتعليمي والتربوي، بما في ذلك إصلاح الخطاب الديني والمؤسسات الدينية؛ منعا للتشدد والتطرف والعنف، وتربية على الوسطية والاعتدال، وطلبا للسكينة الأهلية والنفسية في المجتمع.

أعتقد جازما، لو أن رفيق الحريري بيننا اليوم، لكان فكر في اغتنام فرصة سقوط نظام آل الأسد وانزياح الكثير من المعترضات في لبنان، لإعادة إطلاق كل ورش الإصلاح من أجل إعادة بناء الثقة بلبنان ودولته، وإعادة الإعمار الوطني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكذلك تعزيز علاقات لبنان مع الأشقاء العرب ومع الأصدقاء في العالم، دون هوادة وتلكؤ.

مع استعادة ذكرى اغتيال أخي وصديقي رفيق الحريري لا يمكنني إلا أن أقول إننا على العهد باقون نحمل راية لبنان الموحد المزدهر.

لبنان الحرية والديمقراطية والعيش المشترك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان