عرض ترامب في فنزويلا لم ينتهِ بعد

استهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الجديد بطريقته المعتادة، إذ أطلق العنان لسلسلة من الضربات الجوية الهائلة على فنزويلا، واعتقل رئيسها نيكولاس مادورو، الذي نُقل إلى مكان مجهول.
لم تكن هذه الضربة مفاجِئة تماما، بالنظر إلى تاريخ ترامب الحافل بتجاهل القانون والمواثيق، بل ووعوده هو نفسه بالكف عن شن الحروب خارج الحدود.
فمنذ شهور، ظل ترامب يتحدث علنا عن احتمال تصعيد التدخل العسكري الأميركي ضد فنزويلا، في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الحربية الأميركية تقصف السفن قرب سواحلها بدعوى "مكافحة تهريب المخدرات"- وهو ما أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص خارج إطار القانون، وسط اتهامات متكررة بارتكاب جرائم حرب.
لكن كل ذلك لا يبدو خارجا عن المألوف في عهد إدارة لا تعبأ كثيرا بمسوغات قانونية لتصرفاتها، ناهيك عن مفاهيم حقوق الإنسان وغيرها من "الترهات" في نظرها.
ترامب كذلك اتهم فنزويلا، بسرقة النفط الأميركي، والأراضي، وحتى "الممتلكات"، في إطار حملة من السرقات المزعومة، فيما كانت البحرية الأميركية تختطف ناقلات نفط تابعة للدولة الفنزويلية.
وتأتي هذه الهجمة الجديدة بعد عقود من العقوبات الأميركية التي أنهكت اقتصاد فنزويلا، وبلغت حدا من القسوة جعلها تُصنف شكلا من أشكال الحرب بحد ذاتها. فقد قدر ألفريد دي زاياس، المقرر الأممي الخاص السابق، أن 100 ألف فنزويلي لقوا حتفهم بحلول عام 2020 نتيجة مباشرة لما تُعرف بـ"التدابير الاقتصادية القسرية".
وقد كتب السيناتور الجمهوري عن ولاية يوتا، مايك لي، على منصة "إكس"، أن وزير الخارجية ماركو روبيو أبلغه بأن مادورو أُوقف تمهيدا لمحاكمته جنائيا في الولايات المتحدة، وأن الغارات الجوية كانت ضرورية "لحماية الجنود الأميركيين الذين نفذوا أمر الاعتقال".
ورغم تحويل إدارة ترامب لمادورو إلى "شيطان دولي" و"تهديد وجودي"، فإن هذه الرواية لا تصمد أمام النظر المتعقل؛ فالولايات المتحدة نفسها ارتكبت- ولا تزال- ما هو أعظم وأشمل من الأفعال الإجرامية المنسوبة إلى مادورو المتلعثم.
ولنأخذ مثلا "الحليف الأوثق" للولايات المتحدة: إسرائيل. فها هو رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي تُتهم حكومته بارتكاب إبادة جماعية مستمرة في قطاع غزة منذ أكثر من عامين، يستقبل بالأحضان في واشنطن من قبل الرؤساء الأميركيين المتعاقبين. ولا أحد هناك يتجرأ على اقتراح محاكمته، أو تسليمه، بل على العكس؛ تمنح المليارات لدعم جيشه في مذابحه الجماعية.
أما فنزويلا- الغنية بالنفط – فقد شكلت شوكة في حلق الإمبراطورية الأميركية منذ عهد هوغو شافيز، الذي جهر بأفكار "خطيرة" مثل: "الرعاية الصحية للجميع"!
وها هي إدارة ترامب اليوم تتهم مادورو بأنه "زعيم في عصابة نركو-إرهابية"- وهو اتهام قد يبدو مضحكا لولا أنه خلّف وراءه دمارا واسعا وخرقا سافرا للقانون الدولي.
بالطبع، ترامب ليس أول رئيس أميركي يتجاوز القانون ويمعن في انتهاكه في الخارج، غير أنه يضفي على كل أفعاله طابعا دراميا يضاعف من جنون المشهد.
نتذكر هنا مانويل نورييغا، قائد بنما الراحل، الذي ظل لسنوات يتلقى تمويلا من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، رغم معرفة الحكومة الأميركية المسبقة بنشاطاته في تهريب المخدرات. وحين لم يعد "حليفا نافعا ضد الشيوعية"، انقلبوا عليه فجأة، وشيطنوه باعتباره تجسيدا للشر.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1989، شن الرئيس جورج بوش الأب هجوما عسكريا أهوج على بنما، أودى بحياة الآلاف من المدنيين في حي إل تشوريو الفقير بالعاصمة بنما سيتي.
وبعد أن احتمى نورييغا مؤقتا في سفارة الفاتيكان، اضطر إلى الاستسلام تحت وطأة الحرب النفسية التي شنتها عليه دبابات أميركية أحاطت بالمبنى، وأمطرت السفارة بأغاني تعذيب من قبيل: "مطلوب حيا أو ميتا" لفرقة بون جوفي، و"بارك الله أميركا" للمغني لي غرينوود.
كل تدخل عسكري أميركي تقريبا قاد إلى الخراب، والمأساة، والانقسام. ولن تكون الغارة الأخيرة على فنزويلا نهاية المطاف، رغم الزعم الذي نقل عن روبيو قوله: "لا حاجة للمزيد من التدخل بعد القبض على مادورو"
وحين نقل نورييغا إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، لم ترَ الحكومة الأميركية في ذلك أي تناقض مع حقيقة أنه كان يوما "صديقا" يعتمدون عليه.
ثم هناك حرب العراق 2003، التي شُنت على خلفية أكاذيب روج لها جورج بوش الابن وإدارته حول امتلاك العراق "أسلحة دمار شامل"، والتي لم يُعثر على أي منها بالطبع، رغم أن ذلك لم يمنع الجيش الأميركي من تسوية مدن عراقية بالأرض وقتل مئات الآلاف من العراقيين.
وفي النهاية، اعتقل الرئيس العراقي صدام حسين، وحوكم، ثم أعدم بسرعة على يد حكومة عراقية مؤقتة أنشأتها الولايات المتحدة نفسها.
في الحقيقة، كل تدخل عسكري أميركي تقريبا قاد إلى الخراب، والمأساة، والانقسام. ولن تكون الغارة الأخيرة على فنزويلا نهاية المطاف، رغم ما يزعمه السيناتور مايك لي، الذي نقل عن روبيو قوله: "لا حاجة للمزيد من التدخل بعد القبض على مادورو".
لكن لا تنخدعوا. هذا "العرض الدموي" لم ينتهِ بعد، ما دامت الولايات المتحدة تتصرف وكأنها فوق القانون، محصنة ضد المحاسبة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
