كيف يؤثر اختطاف مادورو على ميثاق الأمم المتحدة؟

يعد استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية بشكل أحادي- وتحديدا من خلال نشر وحدة "دلتا فورس" لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله قسرا إلى الأراضي الأمريكية- خرقا استثنائيا لميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكا صارخا لعدد من ركائز القانون الدولي، فضلا عن كونه مخالفا للقانون الأمريكي المحلي والدستور.
تمثل العملية الأمريكية في فنزويلا:
- استخداما غير مشروع للقوة ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة.
- انتهاكا لمبدأ عدم التدخل.
- مساسا بمبدأ المساواة السيادية بين الدول- المنصوص عليه في المادة 2 (الفقرة 1) من ميثاق الأمم المتحدة.
- فعلا من أفعال الخطف الدولي.
- تحديا خطيرا للنظام القانوني الدولي الذي ينظم حصانة رؤساء الدول.
نحن نعيش، للأسف، في زمن استعماري، سواء كان ذلك في عدوان الولايات المتحدة العسكري على فنزويلا، أم الحرب العدوانية التي تشنها روسيا على أوكرانيا، أم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، بالإضافة إلى الهجمات العسكرية للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، واليمن وإيران- جميعها أعمال تقع في نطاق انتهاك القانون الإنساني الدولي، واتفاقيات جنيف وقوانين الحرب.
تقييم قانوني بموجب ميثاق الأمم المتحدة
تحظر المادة 2 (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة "التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة".
لذا، فإن إدخال قوات عسكرية أمريكية إلى الأراضي الفنزويلية للقبض على رئيس الدولة القائم يشكل استخداما للقوة بأقصى درجات الخطورة السياسية (بغض النظر عما إذا كنا نؤيد نيكولاس مادورو أو لا).
فالعمل العسكري الأمريكي يقوض استقلال فنزويلا السياسي من خلال الإطاحة بسلطتها التنفيذية بالقوة، دون إذن من مجلس الأمن أو ادعاء مشروع بالدفاع عن النفس، وهو ما يشكل، بصورة أولية، انتهاكا للمادة 2 (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة.
نحن إزاء غياب أي مبرر قانوني لما حدث، فليس هناك:
- تفويض من مجلس الأمن وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة: فلا يوجد أي دليل على صدور قرار عن مجلس الأمن يجيز استخدام القوة العسكرية الأمريكية ضد دولة فنزويلا ذات السيادة.
- ولا استخدام لحق الدفاع عن النفس المحكوم بالمادة 51 من الميثاق: فالولايات المتحدة لم تقدم لمجلس الأمن أي دليل على تعرضها لهجوم مسلح من قِبل فنزويلا، والتبريرات الاستباقية أو العقابية التي طرحتها إدارة ترمب لا ترقى إلى الحد المنصوص عليه في الميثاق كمسوغ مشروع للدفاع عن النفس.
وبناء على ذلك، لا يوجد أي استثناء معترف به في ميثاق الأمم المتحدة يمكن تطبيقه على هذا العمل العسكري الأحادي في فنزويلا.
مبدأ عدم التدخل
يحظر العرف الدولي التدخل القسري في الشؤون الداخلية للدول. واختطاف رئيس دولة ذي سيادة هو أقصى أشكال التدخل في النظام السياسي الداخلي لدولة ما.
وبالتالي، فإن العمل العسكري الذي قامت به إدارة ترمب في فنزويلا يتجاوز حتى ما يسمى بعمليات "تغيير النظام"، ويسقط أي فاصل بين التدخل العسكري والسيطرة الاستعمارية بأسلوب الاحتلال- كما كانت تفعل الإمبراطوريات الأوروبية في القرون السابقة.
وعليه، تعد عملية فنزويلا انتهاكا واضحا لمبدأ عدم التدخل.
المساواة السيادية وركائز الدولة
تنص المادة 2 (الفقرة 1) من ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ المساواة السيادية لجميع الدول الأعضاء. ولكن الاستيلاء القسري على رئيس دولة قائم يعكس تعاملا مع فنزويلا باعتبارها دولة خاضعة لقوة الولايات المتحدة وأوامرها، لا دولة ذات سيادة متكافئة.
هذا السلوك يقوض الأساس القانوني الذي يفترض أن السيادة توفر الحماية، حتى للحكومات المعزولة سياسيا أو الخاضعة للعقوبات، من الإكراه العسكري الذي تمارسه القوى الكبرى.
حصانة رؤساء الدول والقانون الجنائي الدولي
الحصانة الشخصية:
يتمتع رؤساء الدول القائمون في مناصبهم بحصانة شخصية مطلقة من الولاية القضائية الجنائية الأجنبية، بموجب القانون الدولي العرفي. ولا ترفع هذه الحصانة إلا في حالتين: إما بموافقة الدولة المعنية، أو في حال وجود إجراءات أمام محكمة دولية ذات اختصاص، كالمحكمة الجنائية الدولية، بقرار إحالة من مجلس الأمن.
وهكذا، فإن عملية الاعتقال والنقل إلى محكمة وطنية، من طرف واحد، تعد انتهاكا لقاعدة الحصانة الرئاسية.
الخطف الدولي والاحتجاز التعسفي:
الاختطاف القسري عبر الحدود من قبل عملاء الدولة- كما فعلت قوات "دلتا فورس" الأمريكية في هذه العملية- يعد، بموجب القانون، عملية خطف دولية، بغض النظر عن الجرائم المنسوبة إلى الشخص المختطَف.
وهذا العمل يحتمل أن ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان (خاصة ما يتعلق بالاعتقال التعسفي)، كما ينتهك مبادئ قانون تسليم المجرمين، التي تشترط الإجراءات القانونية الواجبة والتعاون بين الدول.
إن العملية العسكرية الأحادية التي قامت بها الولايات المتحدة لا تقتصر تبعاتها على فنزويلا وحدها، بل تفتح الباب على مصراعيه لتداعيات تهدد مجمل منظومة السلم والأمن الدوليين.
فالمشكلة الكبرى لا تكمن في الفعل ذاته فحسب، بل فيما قد ينجم عنه من سوابق، وتحولات في بنية النظام الدولي القائم على القانون، لا على موازين القوة.
أول هذه التداعيات هو تكريس سابقة خطيرة، إذ يخشى أن يضفَى على استخدام القوة العسكرية في القبض على قادة دول أجانب طابع من الشرعية بحكم الأمر الواقع، ما قد يغري دولا أخرى باتباع النهج ذاته، ويشجع على الرد بالمثل.
ومع تعاظم هذه النزعة، تزداد احتمالات نشوب صراعات دولية، وقد يصبح اختطاف الرؤساء واستخدام القوة العسكرية أدوات مألوفة في النزاعات السياسية بين الدول.
أما على مستوى النظام الأممي، فإن هذا السلوك يقوض بوضوح سلطة مجلس الأمن الدولي، الذي يعد الجهة الوحيدة المخولة، وفقا لميثاق الأمم المتحدة، بتفويض استخدام القوة، باستثناء حالات الدفاع المشروع عن النفس.
إن تجاوز هذه الولاية يضعف مفهوم الأمن الجماعي، ويمنح الدول الكبرى الحق الضمني في فرض إرادتها على الآخرين عبر إجراءات أحادية، بعيدة عن التوافق الدولي.
كذلك، فإن هذه العملية تهدد الاستقرار العالمي برمته، إذ تفتح المجال أمام فنزويلا أو حلفائها للرد بطرق قد تفاقم من حالة التوتر والتصعيد، وتقوض في الوقت نفسه فرص اللجوء إلى السبل الدبلوماسية لحل النزاعات.
إن تغييب الأدوات السلمية، وإعلاء شأن القوة العسكرية يضعفان ثقة الدول في جدوى الحوار، ويؤديان إلى تآكل بطيء في بنية العلاقات الدولية القائمة على التفاوض والاحترام المتبادل.
وفي عمق المشهد، يبدو أن النظام القانوني الدولي نفسه يتعرض إلى تفكك مقلق، إذ ترسل هذه العملية رسالة مفادها أن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة لم يعد قاعدة ملزمة، بل أصبح خاضعا لموازين القوى، وظروف المصلحة.
ومما يزيد الأمر خطورة أن هذه الصورة تعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة، في عهد إدارة ترمب، لم تعد دولة تخضع للقانون، ولا تتوانى عن تجاوزه متى شاءت، وبالطريقة التي تراها مناسبة.
خيارات مجلس الأمن
في مواجهة هذا الانتهاك الجسيم للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، يقف مجلس الأمن أمام مسؤولية تاريخية تستوجب تحركا عاجلا وواضحا يضع حدا لسياسات الفرض بالقوة، ويعيد الاعتبار للنظام القانوني الدولي. ولتحقيق ذلك، تطرح أمام المجلس مجموعة من الخيارات التي يمكن أن تشكل إطارا فعالا لمعالجة الأزمة:
- أول هذه الخيارات يتمثل في الدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن، يخصص لمناقشة ملابسات العملية التي نفذتها الولايات المتحدة على الأراضي الفنزويلية.
في هذا السياق، ينبغي مطالبة واشنطن بتقديم تقرير شامل يتضمن تفاصيل العملية وأسسها القانونية المزعومة. كما يتعين دعوة الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحقق من الوقائع بشكل مستقل، بما يضمن الموضوعية والشفافية في جمع الحقائق.
- الخطوة الثانية تتمثل في إعادة التأكيد على المبادئ القانونية التي انتهكتها هذه العملية. ويمكن لمجلس الأمن أن يصدر قرارا يعيد التشديد على نصوص المادة 2 (الفقرة 4) و2 (الفقرة 7) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تحرم استخدام القوة، وتؤكد على مبدأ عدم التدخل، والمساواة السيادية بين الدول الأعضاء.
- أما الخطوة الثالثة فتتمثل في المطالبة الصريحة بالامتثال، وذلك من خلال دعوة الولايات المتحدة إلى إعادة الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته فورا إلى فنزويلا، باعتبار أن نقلهما إلى الأراضي الأمريكية تم خارج إطار القانون الدولي.
ويجب أن تربط هذه العودة باحترام الإجراءات القانونية الدولية المشروعة، سواء في حال توجيه تهم للرئيس المختطف أم لا.
- أخيرا، يمكن لمجلس الأمن أن يفعل المسارات القانونية الدولية عبر الإحالة إلى محكمة العدل الدولية.
ويكون ذلك بطلب فتوى استشارية تجيب عن سؤال محوري: هل يعد اختطاف رؤساء الدول بشكل أحادي، ومن دون تفويض دولي أو مسار قضائي شرعي، فعلا قانونيا في ضوء الميثاق والقواعد العرفية المعتمدة؟
إن هذه الخطوة ستسهم في ترسيخ المعايير، وتوفير سابقة قضائية تقيد أي تجاوز مماثل مستقبلا.
أخيرا، فإن الاختطاف العسكري الأحادي الذي قامت به الولايات المتحدة بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يشكل واحدا من أخطر الانتهاكات لميثاق الأمم المتحدة في العقود الأخيرة.
وبعيدا عن خصوصية الحالة الفنزويلية، فإن هذا الفعل غير القانوني من قبل إدارة ترمب يقوض البنية القانونية التي صممت للحؤول دون استبدال القانون الدولي باستخدام القوة الأمريكية غير المقيدة.
إن استجابة مجلس الأمن ستحدد ما إذا كان ميثاق الأمم المتحدة سيبقى إطارا قانونيا ملزما، أم سيغدو أداة انتقائية تطبق حسب أهواء القوى العظمى.
إلى أين تمضي يا مجلس الأمن؟ هل زرعت بذور الحرب العالمية الثالثة على أيدي أنظمة مارقة من واشنطن إلى موسكو إلى تل أبيب؟
إن المحافظة على السلام والاستقرار، وإعادة التأكيد على مرجعية القانون الدولي العرفي وميثاق الأمم المتحدة، هو أمر ملحّ.
لم يفت الأوان بعد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
