كولومبيا والولايات المتحدة: بين التهديدات والمحادثات

علمي أمريكا وكولمبيا
وضعت حكومة بيترو خطا أحمر يتمثل في: نفاذ حقوق الإنسان كسياسة خارجية غير انتقائية. (شترستوك)

تمر كولومبيا بتوتر غير مسبوق في علاقاتها مع الولايات المتحدة؛ لأن هناك حكومة قررت، لأول مرة خلال عقود، أن تزعج حليفها التاريخي. إن جعل السيادة والقانون الدولي أولوية أمر له أثمانه، واليوم تتجلى تلك الأثمان في التهديدات، والضغوط، والصراع السياسي الذي يتجاوز الظرف الراهن.

لفكر غوستافو بيترو السياسي "خطوط حمراء". وأحد هذه الخطوط هو السيادة. وعنده لا يقبل تهديدات، ولا وصايات، ولا تدخلات خارجية.

كان في ماضيه محاربا قوميا وهو اليوم لم يخن الرايات التي رفعها. لذلك، كان من المتوقع رفضه للعدوان الأميركي على فنزويلا، وبالمثل، كان من المتوقع اتخاذه هذا الموقف تجاه تهديدات الرئيس دونالد ترامب التي أشارت إلى أن كولومبيا ستكون الدولة التالية التي ستتعرض للهجوم. لقد وقف في وجه الضغوط الدبلوماسية، والسرديات السياسية، والشروط المقيِدة التي تفرضها الولايات المتحدة.

تكمن إحدى المشكلات الخطيرة في أن تلك الأحزاب السياسية التقليدية، التي تقف اليوم في صفوف المعارضة، قد شكلت "لوبي" في الولايات المتحدة تسعى من خلاله لتصوير بيترو كزعيم لتجارة المخدرات يجب على واشنطن "عقابه

تشارك كولومبيا 2200 كيلومتر من الحدود مع فنزويلا، وهي بوابة أميركا الجنوبية، وخامس أكثر البلاد في التنوع الحيوي في العالم، ومما لا يمكن إغفاله، أنها كانت تعتبر لعقود "إسرائيل أميركا اللاتينية"؛ وذلك بسبب التأثير الكبير للحكومة الإسرائيلية في البلاد.

لقد كان للولايات المتحدة هنا حضور تاريخي؛ فنحن بالنسبة للكثيرين كنا "جمهورية موز". إن التبادلات التجارية مع الشركات الأميركية تعد أمرا جوهريا، كما أن قواتنا المسلحة قد تدربت في مدارسها. ولا يزال "الحلم الأميركي" حيا هنا.

لقد ظلت هذه العلاقة المؤسسية والاقتصادية والعسكرية ثابتة ومستمرة طوال الحكومات السابقة. وفي الواقع، سارت السياسة الخارجية الكولومبية وفقا لإملاءات واشنطن حتى فوز غوستافو بيترو بالانتخابات في عام 2022.

"عائق" القانون

منذ عام 2022، أصر غوستافو بيترو على عنصرين أساسيين في السياسة الخارجية، من بين أمور أخرى، وهما: احترام القانون الدولي، والتعددية.

إعلان

لكن المشكلة تكمن في أن هذا التوجه "يخون" العلاقة الطويلة القائمة بين كولومبيا والولايات المتحدة. في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2022، اقترح بيترو عقد مؤتمرات دولية لحل صراعي فلسطين وأوكرانيا عبر الحوار، لكن المجتمع الدولي لم يستمع إليه.

وفي عدة مداخلات عامة، رفضت هذه الحكومة الكولومبية الجديدة العقوبات أحادية الجانب كأداة للسياسة الخارجية، في حالات كثيرة، مثل الهجوم الإسرائيلي على إيران، وقطر، والإبادة الجماعية في فلسطين، والعقوبات المفروضة على فنزويلا، وكوبا.

لقد وضعت حكومة بيترو خطا أحمر يتمثل في: نفاذ حقوق الإنسان كسياسة خارجية غير انتقائية. وهذا ما دفعها لتبني مواقف لا ترضي الجميع؛ فبينما تدين اعتقال مادورو غير القانوني، فإنها تشكك كذلك في شرعية الحكومة الفنزويلية.

إن تلك الرؤية لتعددية مبنية على المبادئ، قد دفعته حتى إلى انتقاد مجموعة "البريكس"(BRICS)، وذلك لكون أغلب هذه الدول تعتمد في اقتصاداتها على الأنشطة الاستخراجية التي تساهم في أزمة المناخ.

إن بوصلة بيترو تتجه نحو الجنوب، نحو الحد من التبعية، والسيادة الوطنية، وتقرير المصير، والتعاون بين دول الجنوب. إنه مقترح سياسي محفوف بالمخاطر، ولكنه شجاع، حيث يعتبر فيه "الشعب" هو الفاعل السياسي، أكثر من الدولة نفسها.

حرب أخرى ندفع ثمنها

بعد الحرب الباردة (التي لم تمت تماما)، ظهرت "حربان" حاولت الولايات المتحدة من خلالهما معالجة افتقارها لعدو خارجي: الحرب على المخدرات، والحرب على الإرهاب. لقد فشلت الأولى لكونها قمعية ومدمرة اجتماعيا (وكذلك كان مصير الثانية).

إن النموذج الأميركي لا ينظر إلى الأسباب، بل إلى العواقب. وهذا التجنب لأسباب الإرهاب يلاحظ كذلك في التعامل مع أسباب المخدرات وديناميكياتها؛ حيث ينقل ترامب النقاش من كونه قضية صحة عامة وتنمية إلى نقاش شرطي وعسكري.

وتعد إحدى الميزات الكبرى لغوستافو بيترو هي قدرته على إثبات أنه واجه، على مدار عقود، تجارة المخدرات واثنين من أكبر حلفائها في كولومبيا: القوات شبه العسكرية، والقادة السياسيين في الأحزاب التقليدية الكولومبية المتحالفة معها.

تكمن إحدى المشكلات الخطيرة في أن تلك الأحزاب السياسية التقليدية، التي تقف اليوم في صفوف المعارضة، قد شكلت "لوبي" في الولايات المتحدة تسعى من خلاله لتصوير بيترو كزعيم لتجارة المخدرات يجب على واشنطن "عقابه."

لكن هذه الإستراتيجية التي انتهجها اليمين المعارض قد باءت بالفشل؛ إذ فضل ترامب الاستماع إلى الأرقام والبيانات التي قدمها بيترو خلال مكالمة هاتفية: ضبط أكثر من 2800 طن من المخدرات، واعتقال وتسليم أكثر من 500 من كبار زعماء العصابات. إنه حصادٌ استثنائي.

في تلك المكالمة، حافظ بيترو على خطاب رجل يساري ومدافع عن السيادة، وفي الوقت ذاته، أقر بأن التعاون في مكافحة المخدرات بين البلدين لا يزال مستمرا رغم التوترات السياسية.

لذلك، كان من المفاجئ أن تختار الولايات المتحدة "إلغاء اعتماد" كولومبيا عند تقييم دورها في مكافحة المخدرات؛ فقد أوفت كولومبيا بالتزاماتها، إذ استمر تدمير المختبرات البدائية وعمليات الضبط بشكل دائم. وهذا يعني أن الجدل القائم ليس جدلا حول الأرقام والبيانات، بل هو محض افتراءات ضد بيترو.

إعلان

لا تزال قيادة مكافحة التمرد في كولومبيا بيد وزارة الدفاع، التي تحافظ على علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة ومصداقية عالية فيها. وهذا يجعل الأمر أكثر تعقيدا في حالة الرئيس بيترو، الذي طرح مبادرة "السلام الشامل"، وهي إستراتيجية تهدف للتفاوض مع جميع الأطراف المسلحة.

في ظل هذه الأجواء، وقع الهجوم على فنزويلا والتهديدات ضد كولومبيا. وقد أكد ترامب في مكالمته مع بيترو أن تلك المخاوف لم تكن مجرد أوهام، بل كانت تستند إلى أساس واقعي.

إنه الاقتصاد، brother!

لا تزال الولايات المتحدة الشريك الاقتصادي الرئيس لكولومبيا؛ فثقافة المجتمع الكولومبي تتوجه نحو ميامي وواشنطن، رغم وجود تقدم ملحوظ في رفض سياسات ترامب. لهذا السبب، فإن أي تصعيد في التوترات بين البلدين سيكون له أثر اقتصادي ملموس.

ويتمثل جزء من النقاش حول الاقتصاد العالمي الذي يصر عليه بيترو، في انتقاد النموذج القديم القائم على اعتبار الجنوب مورِدا للمواد الخام، بينما يمثل الشمال المشتري هذه الموارد بأسعار منخفضة، وفي الوقت ذاته، المنتج للسلع باهظة الثمن.

وفقا لهذه النظرة، تنظر الولايات المتحدة إلى فنزويلا بوصفها بحيرة من النفط، كما كانت تنظر إلى العراق في عام 2003. ولكي تهاجمها، فهي بحاجة إلى منصة للعمليات، كما كانت باكستان بالنسبة للهجوم على أفغانستان في عام 2001.

أما مقترح بيترو فهو مختلف؛ فقد استفادت كولومبيا من الدعم الفنزويلي في عملية السلام مع حركة الفارك (FARC) [القوات المسلحة الثورية الكولومبية]. كما أن المعارضة الفنزويلية نفسها قد طرقت باب بيترو لتعمل كولومبيا كوسيط بين الولايات المتحدة، وفنزويلا، وهو الدور الذي أكد عليه بيترو خلال محادثته مع ترامب.

لقد قال بيترو إن "سلام كولومبيا هو سلام فنزويلا" والعكس صحيح؛ ذلك أن الوضع في فنزويلا يترك أثرا مباشرا على الأمن الكولومبي، وعلى ملف الهجرة والاقتصاد.

كيف يراهم العالم؟

لقد رسخ بيترو مكانته كمرجع عالمي في الدفاع عن فلسطين، وناشط في مواجهة أزمة المناخ، ومدافع عن القانون الدولي. ولهذا السبب، أدان إسرائيل صراحة، مما أثار رفض الصهاينة حول العالم، بمن فيهم الصهاينة الكولومبيون. إن كولومبيا اليوم تمثل صوتا مغردا خارج السرب في نصف الكرة الغربي.

إن الروايات التي حاولت تصوير بيترو كتاجر مخدرات أو حليف للجماعات المسلحة الكولومبية لم تنجح. بل على العكس، أدت هجمات ترامب إلى خروج تيار من الوسط وحتى من اليمين للدفاع عن منصب الرئاسة، بعيدا عن شخص بيترو نفسه. وهكذا وصلنا إلى مسيرة 7 يناير/كانون الثاني، وقبلها بساعة واحدة، إلى تلك المكالمة بين ترامب وبيترو.

في الأيام السابقة كان هناك تصاعد على وسائل التواصل الاجتماعي بين كلا الرئيسين. كان الرئيس بيترو قد جهز خطابه حين وصل وفد من حكومة الولايات المتحدة إلى القصر لإجراء المكالمة. استمرت المكالمة ساعة تقريبا وكانت ودية.

إن القناة المباشرة، التي أصبحت الآن أكثر وضوحا عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، تتيح تبادلا فعالا للمعلومات. فحتى تلك اللحظة، كانت إدارة ترامب تتغذى على ما تقوله المعارضة الكولومبية؛ وترامب يستحق أن يعرف الحقيقة.

ومن هناك، خرجنا إلى الميدان. علق الرئيس بأنه الآن، وبعد تلك المكالمة، يتعين عليه إعادة النظر في فحوى خطابه. لقد كنا نعلم بنية الولايات المتحدة مهاجمة كولومبيا في الأيام التالية.

ستحتاج الولايات المتحدة إلى تجنب فتح جبهة جديدة في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات في تايوان والشرق الأوسط. فضلا عن ذلك، فإن المستقبل القريب لفنزويلا يكتنفه الغموض؛ إذ لم تخرج هناك أي مسيرات مؤيدة للهجوم الأميركي.

إن الدعوة لزيارة واشنطن لا تعلن نهاية التوترات، بل تكاد تؤكد وجودها. وفي زمن تعد فيه الحروب باسم السلام، وتقنع فيه العقوبات بقناع الأخلاق، تواجه كولومبيا مفترق طرق صعبا: فإما أن تعود منصة لصراعات الآخرين، أو أن تصر- حتى وإن دفعت الثمن- على أن السيادة والقانون الدولي ليسا مجرد شعارات، بل هما حدود. والحدود، بالنسبة للقوى العظمى، تظل دائما نقاط استثارتها.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان