ما وراء عرض ترامب حل أزمة سد "النهضة"

وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منتصف يناير/كانون الثاني الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، شكره فيها على "قيادته الناجحة" في التوسط بين إسرائيل وحماس، وقدم عرضا للتوسط في أزمة مياه النيل وملف سد "النهضة" الإثيوبي.
وأضاف في رسالته التي نشرها على منصته "تروث سوشيال": "انطلاقا من روح صداقتنا الشخصية والتزام أميركا بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فأنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي".
ترامب حريص على أهمية النيل لمصر وشعبها!
وواصل ترامب: "يُدرك فريقي الأهمية البالغة لنهر النيل لمصر وشعبها، وأرغب في مساعدتكم على تحقيق نتيجة تضمن تلبية احتياجات مصر وجمهوريتي السودان وإثيوبيا من المياه على المدى البعيد".
وأشار إلى أنه "لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر بشكل منفرد على موارد النيل الثمينة، وأن تلحق الضرر بجيرانها في هذه العملية… من خلال الخبرة الفنية المناسبة، والمفاوضات العادلة والشفافة، ودور الولايات المتحدة الفعال في المراقبة والتنسيق بين الأطراف، يمكن التوصل إلى اتفاق دائم لجميع دول حوض النيل".
مؤكدا أن "هذا النهج الناجح سيضمن إطلاق كميات متوقعة من المياه خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الممتدة لمصر والسودان، مع تمكين إثيوبيا من توليد كميات كبيرة من الكهرباء، والتي يمكن منح جزء منها، أو بيعه، لمصر أو السودان".
ما فشل فيه ترامب مع مصر، ثم الأردن، ثم باقي البلدان العربية بشأن موضوع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، سيسعى إليه اليوم على مكث، كي يطيب في قدره على نار هادئة
السيسي يرد مثنيا على ترامب
لم يتأخر الرد المصري على الرئيس الأميركي سوى ساعات، وبذات المستوى، إذ ثمن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اهتمام "ترامب" بمحورية قضية نهر النيل لمصر، والذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري"، وشكر له "جهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة".
وأضاف "أن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري".
كيف يحتاج ترامب لمصر في غزة؟
ولأن السياسة لا تعرف إلا لغة المصالح، ولأن الأمر- آنف الذكر برمته- لا يخرج عن كونه رغبة من الإدارة الأميركية في تحقيق المزيد من المنافع والمكاسب التي ترغب في حصدها جراء إنهاء الحرب في غزة منذ بضعة أشهر، هنا يبدو المنطق السليم في فهم رسالة ترامب للسيسي آنفة الذكر.
ما من شك أن الولايات المتحدة تدرك اليوم أهمية المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى الوصول إلى غايته المعلنة منذ بضعة أشهر حول كون غزة مشروعا استثماريا، وأنه يرغب في تحويلها إلى ريفيرا الشرق.
وهو لا يتحرك في المحيط الدولي بأي حال عامة، إلا إذا وجد الثمن على مرمى العين، إن لم يكن قد قبضه بالفعل، وفي أغلب الأحيان عنوة على النحو الذي جرى في فنزويلا وإيران، وربما لا حقا مع الدانمارك.
بعبارة أخرى، ما فشل فيه ترامب مع مصر، ثم الأردن، ثم باقي البلدان العربية بشأن موضوع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، سيسعى إليه اليوم على مكث، كي يطيب في قدره على نار هادئة.
ليس بعيدا عن الهدف الأميركي تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية
على ذات النهج واستمرارا للسير خطوة خطوة نحو الهدف الأميركي في غزة، بغرض استمالة القاهرة، قامت الإدارة الأميركية في 13 يناير/كانون الثاني 2026 بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، ما يتضمن فرض عقوبات عليها.
صحيح أن القرار الأميركي ربط بين تلك الخطوة ومساعدة الجماعة لحركة حماس باعتبارها كيانا تابعا لها، وأن القرار تضمن فروع الإخوان في مصر، والأردن، ولبنان، إلا أن الخطوة الأميركية اغتبطت لها القاهرة بشكل أوحى لكثيرين أن القرار كما لو كان متخذا عشية الإطاحة بهم في 3 يوليو/تموز 2013.
هنا أشار بيان وزارة الخارجية المصرية، التي رحبت بإعلان الولايات المتحدة إدراج تنظيم "الإخوان المسلمين" في مصر "كيانا إرهابيا عالميا مصنفا بشكل خاص "(SDGT).
هل ستؤيد القاهرة المنفذ الإثيوبي على البحر بتدخل أميركي؟
في الجهة المقابلة لن يبدو الموقف الأميركي تجاه عرض التدخل في أزمة سد النهضة مجددا مستغربا، إذا ما حدث في الأيام القليلة القادمة قفزة طارئة في الموقف المصري من مسألة القبول بمنفذ إثيوبي على البحر الأحمر، وهو الأمر الذي كان محلا لمعارضة مصرية رسمية صلبة عقب الخطوات الإثيوبية الأخيرة لتعزيز هذا المطلب الملح منذ تحرير إريتريا مايو/أيار 1991.
فبعد أن فشلت إثيوبيا في تحقيق ذلك الأمل مع جيبوتي تسعى بخطى حثيثة تجاه إقليم أرض الصومال الانفصالي، صحيح أن الرغبة الإثيوبية اليوم اتجهت إلى خليج عدن وليس البحر الأحمر مباشرة، إلا أن وقوف مصر بقوة ضدها، لكون الممر الإثيوبي المزمع على بعد أمتار من مضيق باب المندب المدخل الجنوبي لقناة السويس، يجعل من المساومة الأميركية المحتملة لمصر للحصول على موافقتها وحثها على قبول الصومال بذلك مقابل عدم الاعتراف الأميركي بإقليم أرض الصومال، هو أمر وارد.
مقابل هذا كله لا تجد الولايات المتحدة أي غضاضة في الضغط على أديس أبابا لتنفيذ مطالب القاهرة بشأن تشغيل سد النهضة، وحفظ حقوق مصر ومطالبها وقت الجفاف، في مقابل عدم اعتراضها على تهجير الفلسطينيين من غزة، ما دام أن هذا التهجير سيتم بعيدا عن سيناء خاصة وأرض مصر عامة.
موقف مصر بين مطرقة المبادئ وسندان العطش
ما من شك أن القاهرة ربما تتعرض في الأيام القادمة لمساومة لا أحد داخل الإدارة الأميركية ولا الدولة المصرية يعرف تفاصيلها حتى اليوم.
مصر لن تضحي على الأرجح برفض مبدأ التهجير، كونه يعرض الأمن المصري من جهة المشرق للخطر مقابل الأمن المائي، لكنها ربما تقبل ضمانات أميركية لمنع تهديد الملاحة في قناة السويس من قبل الطرف الإثيوبي، الذي ربما يقبل العرض المصري بلا تردد.
لكن الموقف الأميركي هنا لن يتوقف على الأرجح لاسترضاء مصر، قدر ما سيطمح في إرضاء إسرائيل بتأمين غزة لها، لا سيما وهو يسعى إلى إغراء إسرائيل بوضع الصهيوني الأميركي رجل الأعمال مارك روان الداعم لفصل رؤساء الجامعات الأميركية الداعمة للمظاهرات ضد حرب غزة.
الأيام القادمة وحدها يبدو أنها الكفيلة بمعرفة نهاية الغزل المتبادل أميركيا ومصريا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
