قراءة في 3 تجارب أميركية لإسقاط الزعماء

أكدت في مقالين سابقين أن الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أمر حتمي بناء على استقراء نهج الرئيس الأميركي ترامب في السياسة الخارجية ورؤيته حول المصالح الأميركية الاقتصادية في أميركا الجنوبية.
ولعل الرئيس ترامب يعد أكثر الرؤساء الأميركيين صراحة في إظهار نواياه السياسية دون الشعور بالحاجة إلى إخفاء الأهداف الحقيقية للتدخلات الخارجية، مما يعيد إلى الأذهان مطالب الدول الاستعمارية الأوروبية تجاه الدول الأفريقية والآسيوية في القرنين: الثامن عشر، والتاسع عشر.
وقد جاء اعتقال مادورو بمثابة رسالة قوية يرسلها ترامب للعالم، مؤكدا فيها قدرة الولايات المتحدة الإمبريالية على الوصول إلى أعدائها وتحقيق أهدافها دون الاعتبار بمعايير العلاقات الخارجية ومواثيق المنظمات الدولية.
ولكن المتتبع سياسات الولايات المتحدة الإمبريالية وتعاملها مع أعدائها خلال العقود السابقة يجد تباينا واضحا في مقدرة هؤلاء الأعداء المطلوبين للولايات المتحدة على الوقوف ضدها ومواجهتها مواجهة الند للند، رغم فوارق موازين القوى العسكرية بينهم.
لم تكن فكرة اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو فكرة جديدة لدى الرئيس ترامب، فقد حاولت إدارته في السابق رشوة قائد طائرة مادورو الخاصة ليغير مسارها، مما يسهل عملية اختطافه، إلا أن رفض قائد الطائرة التعاون مع المخابرات الأميركية قد أفشل حينها هذه الخطة.
نجحت إدارة ترامب هذه المرة في إلقاء القبض على مادورو، مثلما فعلت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب حينما ألقت القبض على رئيس بنما السابق مانويل نورييغا قبل 37 عاما.
ألقت الولايات المتحدة القبض على مادورو دون أن تهب قواته الخاصة وأقرب الموالين إليه لنجدته، مما يعني وجود اختراق استخباراتي قوي حدد مكان الرئيس بدقة حتى اللحظات الأخيرة لاعتقاله دون مقاومة وخسائر بشرية.
ولطالما اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية على اختراقات استخبارية وتعاون عملاء في الدوائر الضيقة لأعدائها، تمكنها من الوصول إلى أهدافها في عمليات عسكرية خاصة، كما حدث عند اعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين، الذي وشى به أحد المقربين إليه، مما سهل عملية اعتقاله.
ولكن اختلفت طريقة تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع الرئيس العراقي صدام حسين عن الرئيس الفنزويلي مادورو لأسباب تعود إلى اختلاف تاريخ حكم الرجلين، وكذلك اختلاف ظروف اعتقالهما.
رأت الولايات المتحدة الأميركية تسليم الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلى الحكومة العراقية الجديدة الموالية للولايات المتحدة لمحاكمته وإعدامه لاحقا في ليلة عيد الأضحى، كقربان تبدأ به مرحلة جديدة في العراق، وقد مثل ذلك خطأ كبيرا في تقديراتها.
وبالمثل، فقد أرادت اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وإحضاره للمحاكمة في الولايات المتحدة لترسيخ مبدأ سيطرتها التامة على أميركا الجنوبية، وإبعاد القوى الدولية الأخرى عنها، أمثال الصين، وروسيا. بيد أن زعيم حركة طالبان الملا عمر ظل مثالا مختلفا عن صدام ومادورو، مما يفسر أسباب عدم سقوطه تحت مخالب القوة الأميركية الإمبريالية.
كيف نجا الملا عمر من مصير مادورو؟
حينما هاجمت الولايات المتحدة الأميركية أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، كانت في أوج قوتها العسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فقد طورت خلال تلك السنوات قوة عسكرية ضخمة واستخدمتها بنجاح منقطع النظير قبل ذلك بعشر سنوات في حرب تحرير الكويت عام 1991، ونجحت في تحقيق أهدافها السياسية من هذه الحرب باحتواء الخطر العراقي تحت مظلة الشرعية الدولية.
لذلك كانت حرب أفغانستان عام 2001 فرصة للولايات المتحدة تستعرض فيها قوتها العسكرية الضخمة وسلاحها الجوي، الذي شن ضربات جوية قاتلة توقعت فيها استسلام حركة طالبان وقتل أو اختطاف زعيمها الملا عمر في عمليات عسكرية خاصة.
ولكن خاب ظن الولايات المتحدة كثيرا في تحقيق هذه الأهداف، حيث ظلت حركة طالبان متماسكة، رغم الفوارق الهائلة في القوة العسكرية بينها وبين الأميركيين وحلفائهم في الناتو، كما لم يقتل زعيمها أو يستسلم إلى أن انقضى الأجل.
ألقى الأميركيون القبض سريعا على الرئيسين صدام حسين ومادورو، لأنهما افتقدا شرعية ونزاهة الملا عمر، زعيم حركة طالبان، وإخلاص دائرته المقربة ووفاء حاضنته الشعبية
لم تستطع الولايات المتحدة- بكل أجهزتها الاستخباراتية وتعاون القوات الأفغانية المتحالفة معها من الشمال- النيل من قائد طالبان الملا عمر لسببين أساسيين:
- الأول: كانت الشرعية الشعبية التي يستند إليها الملا عمر صادقة وثابتة، فهو يحارب في أرضه عدوا معتديا لم يخشَ تهديده أو يأبه بوعيده في يوم من الأيام.
لم يكن الملا عمر زعيما فاسدا يسرق أموال شعبه وثرواته، فهو- وإن اختلف الناس حول توجهاته الفكرية ومنهج إدارته للدولة- يظل زعيما أفغانيا لم تحُم حوله شبهات الفساد كحال معظم زعماء دول العالم الثالث.
- ثانيا: كانت الدائرة المقربة من قائد طالبان الملا عمر مخلصة له جدا، بالإضافة إلى وجود حاضنة شعبية قوية تسانده داخل أفغانستان، لذلك طالت الحرب في أفغانستان وكان حليفهم النصر، ومات زعيمهم ولم تمس جسده أيادي أحد من أعدائه.
وحينما نقارن حالة الملا عمر مع حالتي الرئيسين صدام حسين ومادورو، نجد أن الفوارق واضحة وشاسعة. لم يستطع الرئيس صدام حسين الاختفاء بعيدا عن أعين الجيش الأميركي أكثر من تسعة أشهر، بسبب وشاية أحد المقربين لديه، الذي ضاق بالرئيس صدام ذرعا، وربما سال لعابه للجائزة الضخمة التي وضعها الأميركيون مقابل المساعدة في القبض على الرئيس العراقي.
لقد كان مشهد إخراج الرئيس العراقي من مخبئه في حالة يرثى لها مشهدا مؤلما حزن له أعداؤه- قبل أصدقائه- من العرب، الذين لم يراعِ يوما حرمة جوارهم ووشائج القربى ورابطة الدين معهم.
ألقى الأميركيون القبض سريعا على الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الفنزويلي مادورو، لأنهما افتقدا شرعية ونزاهة الملا عمر، زعيم حركة طالبان، وإخلاص دائرته المقربة ووفاء حاضنته الشعبية.
وماذا بعد؟
يعيش الرئيس ترامب هذه اللحظة نشوة النصر، محققا هدفا سياسيا وعسكريا كبيرا في عملية خاطفة، أشبه ما تكون بمشاهد الأفلام الأميركية، مؤكدا الهيمنة العسكرية الأميركية في أميركا الجنوبية وغيرها. ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد أن تذهب السكرة؟
تبدو نشوة ترامب أشبه ما تكون بنشوة سلفه جورج بوش الابن، عندما دخلت قواته بغداد وأسقطت- في مشهد درامي- تمثال صدام حسين بعد أن غطوه بعلم أميركي.
خاطب بوش الابن حينها الشعب الأميركي في 1 مايو/أيار 2003- بعد أقل من 50 يوما من بدء الحرب- واقفا على ظهر حاملة الطائرات "أبراهام لينكون" وخلفه لوحة ضخمة كتبت عليها عبارة: "لقد اكتملت المهمة"، موحيا بأن النصر تحقق والحرب قاربت على الانتهاء. كان بوش الابن حينها منتشيا بفرحة النصر الموهوم، ظانا أن الأمر في العراق- كما أراد له- سهل وميسر.
ولكن لم يكن يدور بخلد بوش الابن ولا إدارته أن تلك اللحظة كانت في الحقيقة هي بداية المعركة، وليس نهايتها، لتستمر الحرب العراقية بعدها عقدين من الزمان، خسر فيها الشعب الأميركي عشرات الآلاف من أبنائه وتريليوني دولار أميركي.
ترامب الآن يعيش ذات النشوة، وربما توسوس له نفسه أن يتبنى سياسة إمبريالية جديدة ضد من يراهم أعداء أميركا، أمثال رئيسي كوبا وكولومبيا، حيث يعتبرهما التاليين في قائمة الأنظمة التي يجب إزالتها. كما شجعه ما جرى في فنزويلا لتجديد مطالبه بملكية الولايات المتحدة جزيرة غرينلاند، الأمر الذي أثار مخاوف الدانمارك وحلفائها الأوروبيين.
لم تكن تصريحات ترامب في ولايته الأولى تؤخذ غالبا على محمل الجد من قبل القوى الدولية، الصديقة أو المناوئة للولايات المتحدة. ولكن هذه المرة، فإن كل تصريح يصدر منه يؤخذ مأخذ الجد والخوف والحذر.
وإذا لم يتدخل الكونغرس الأميركي- وخاصة مجلس الشيوخ الأميركي- لكبح جماح السياسة الإمبريالية القادمة للرئيس ترامب، فإن العالم سيشهد الكثير من المفاجآت التي لا تسر صديقا ولا عدوا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
