فرص نجاح مبادرة ترامب في حل أزمة "سد النهضة"

أتى عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب للوساطة في الخلاف حول "سد النهضة"، في وقت وصل فيه التفاوض بين مصر والسودان وإثيوبيا إلى طريق مسدود، لا سيما بعد أن انتهت أديس أبابا من بناء السد وملئه وافتتاحه في سبتمبر/أيلول من العام الماضي.
ولذا قد تعني مبادرة ترامب، في حدها الأدنى" محاولة لدفع قدر من الحيوية في أوصال هذا الملف الذي شهد نوعا من اليبس أو الجمود بعد عدة مفاوضات لم تحرز أي تقدم في اتجاه إنهاء الخلاف، أو منع تفاقمه مستقبلا.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها ترامب على خط هذا الخلاف، إذ سبق أن دعا القاهرة والخرطوم وأديس أبابا للقاء في واشنطن، رعته وزارة الخزانة الأميركية، انتهى إلى مسودة اتفاق قانوني مبدئي لتشغيل السد، وقعت عليه مصر بالحروف الأولى، لكن إثيوبيا رفضت في اللحظة الأخيرة وانسحبت، زاعمة أن إدارة ترامب تتحيز لمصر.
كما سبق لترامب أن أرسل مبعوثا مختصا بهذه القضية إلا أن جهده لم يؤدِ إلى أي حلحلة، أو تقدم إيجابي ولو طفيفا، إذ استمرت إثيوبيا في بناء السد وملئه منفردة، حتى انتهت من هذا، لتضع مصر، والسودان أمام أمر واقع.
لكن هناك من يرى اختلافا بدرجة ما في عرض الوساطة الأميركية الأخير عما سبقته من محاولات، نظرا للاعتبارات الآتية:
- هذه هي المرة الأولى التي يوجه فيها رئيس الولايات المتحدة خطابا رسميا يعبر فيه عن رغبته في حل المشكلة، بعث به إلى نظيره المصري عبدالفتاح السيسي، كما أرسل نسخا منه إلى القادة في السودان، وإثيوبيا، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة.
- هناك إشارات لخطوات عملية في رسالة ترامب، ولا يقتصر الأمر على مجرد أمنيات أو "ينبغيات" أو تحذيرات مثل ما وجهه ترامب حين قال قبل سنوات إن مصر سيكون لديها مبرر إن قصفت سد النهضة. فترامب بدا في رسالته أنه لن يكتفي بالحض والتحذير والتمني مثلما سبق وفعل، إنما، ومن منطلق اعتقاده بضرورة أن يشمل أي اتفاق دائم خبرات فنية متخصصة ومفاوضات عادلة وشفافة، طرح دورا أميركيا قويا في المراقبة والتنسيق بين الأطراف.
- تأتي مبادرة ترامب هذه المرة في إطار رؤيته لتحقيق "سلام مستدام في الشرق الأوسط وأفريقيا"، حسبما ذهب، وتقع قضية "سد النهضة" في صدارتها، حتى لا تنزلق الأمور إلى "صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا" حسبما يرى الرئيس الأميركي.
- تحدثت رسالة ترامب، التي رحب بها الرئيس المصري وثمنها، بوضوح عن ضرورة التوصل إلى "اتفاق مسؤول ونهائي" حول تقاسم مياه النيل، وأكدت على حيوية مياه النيل لمصر وشعبها، ولذا ترفض سيطرة دولة في المنطقة بشكل أحادي على الموارد المائية بما يضر بجيرانها. ومثل هذه التعبيرات لم تكن بهذا الوضوح في الخطاب السياسي الأميركي السابق حيال هذه المشكلة.
- طرح ترامب رؤيته في إطار بحث عن فائدة متبادلة، إذ تحدث عن إمكانية تصدير جزء من كميات الكهرباء الكبيرة التي يولدها السد إلى دول الجوار، وبذا ربما يكون من أعدوا رسالته قد فكروا في وضع محفزات لإثيوبيا تجعلها تلين حيال المبادرة.
- دعت واشنطن، هذه المرة، كلا من الرياض وأبو ظبي إلى تنسيق الجهود الإقليمية بشأن السد، وللبلدين دور مهم في هذا النزاع نظرا لوجود استثمارات لهما في إثيوبيا، وغيرها من بلدان القرن الأفريقي.
- تأتي مبادرة ترامب في وقت تبحث فيه الأطراف الثلاثة: مصر، والسودان، وإثيوبيا عن حل نهائي، فالأخيرة، ورغم أنها مضت في فرض سياسة الأمر الواقع إلى نهايتها، لا تريد أن تبقى الأمور معلقة، لاسيما أن مصر، والسودان لا تعدمان أوراق ضغط على الدولة الإثيوبية التي تعاني من وضع أمني وسياسي داخلي هش.
في الوقت نفسه فإن مصر والسودان تدركان صعوبة العمل العسكري المباشر، وتفهمان أن أديس أبابا قد انتهت من السد فعلا، وضيقت الخيارات أمامهما.
حديث ترامب عن "تقاسم" المياه" دون إحالة إلى المرجعيات السابقة في هذا الخصوص يثير مخاوف من تغيير "الحصص التاريخية" لمصر والسودان، وهي مسألة تميل إليها إثيوبيا
على النقيض من هذه التصورات الإيجابية، التي تمنح بعض التفاؤل حيال مبادرة ترامب، توجد مخاوف من توقيت طرح هذه المبادرة ومضمونها، فهي قد تهبط بسقف المطالب المصرية والسودانية السابقة من المشاركة في إدارة السد وفق اتفاق عادل فيما يخص الملء والتشغيل، مثلما يتم مع نهري السنغال والكونغو، إلى مجرد التنسيق بين الدول الثلاث وتبادل المعلومات حول المياه.
فضلا عن هذا فإن ربط قضية دائمة تتعلق بالمياه بقضايا متغيرة أو طارئة مثل الترتيبات التي تنفذ الآن بخصوص ما بعد حرب "طوفان الأقصى"، يجعل موضوع المياه أشبه بعامل مساعد في حل مشكلة إقليمية، وليس هو في حد ذاته مشكلة مزمنة لا بد أن تحل من جذورها.
وقد يفهم هذا التخوف مما ورد في رسالة ترامب عن "دور الرئيس المصري في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية التي شهدتها المنطقة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023″، وعن الشعب المصري الذي يرى الرئيس الأميركي أنه قد تحمل أعباء بسبب الأزمات الإقليمية.
كما أن حديث ترامب عن "تقاسم" المياه" دون إحالة إلى المرجعيات السابقة في هذا الخصوص يثير مخاوف من تغيير "الحصص التاريخية" لمصر والسودان، وهي مسألة تميل إليها إثيوبيا بالطبع.
وهنا تثار مخاوف أخرى من أن يكون ترامب مشغولا برفع ثقل هذه القضية على كاهل أديس أبابا أكثر، إذ تحتاج إليها الولايات المتحدة في المحافظة على مصالحها في منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الإستراتيجية القصوى.
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالآفة المزمنة التي تسكن مبادرات ترامب عموما، إذ إنه يقترح أحيانا أشياء، ثم سرعان ما يتخلى عنها، ويُخشى أن يكون أكثر ما يشغله هنا هو إطلاق مبادرة، يعرف أن نتائجها ستأخذ بعض الوقت، ومن ثم تتيح له القيام بحملة علاقات عامة، تفيده في مساعيه الحثيثة والملحة كي يحصل على جائزة نوبل للسلام.
مع مواقف المرحبين والمتخوفين معا تبدو مبادرة ترامب هذه "فرصة أخيرة" لحل دبلوماسي لمشكلة "سد النهضة"، لكن نجاحها يبقى رهنا بقدرة واشنطن على إقناع إثيوبيا بأن الاتفاق حول السد لن ينقص من سيادتها، أو ممارسة ضغوط عليها، كي تتوقف عن الإجراءات المنفردة، وتأخذ بعين الاعتبار أن القانون الدولي يرتب حقوقا ثابتة لدولتي المصب والممر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
