عصرنا الاستعماري الجديد

“احملوا عبء الرجل الأبيض - وابعثوا بخيرة ما أنجبت سلالتكم... بصراخكم أو همسكم، وبما تتركون أو تفعلون، فإنّ الشعوب الصامتة العابسة سَتَزِنُ آلهتكم - وتزنكم أنتم أيضًا...”
نحن نعيش في زمن يعلن فيه العالم بصخب نهاية الإمبراطوريات، لكنه في ذات الوقت يعيد إنتاج بُناها. لسنا بصدد حنين إلى بطاقات بريدية استعمارية، بل إزاء إعادة ابتكار للسياسة الخارجية، وللهياكل الحاكمة دوليا، وللنفوذ الاقتصادي العالمي، بما يجعلها أقرب إلى منطق الاستعمار منها إلى التعاون الحقيقي.
إن مصطلح "الاستعمار الجديد" قد يبدو متطرفا، حتى نزيح أعيننا عن الشعر ونثبتها على حركة القوة؛ من الانقلابات العسكرية والإبادات الجماعية، إلى الانسحابات الدبلوماسية، والمؤسسات التي ما زالت تكرس اللامساواة وانتهاكات حقوق الإنسان باسم الحياد.
أولا: أين نقف اليوم؟
“الإمبريالية، في نهاية الأمر، هي عملٌ من أعمال العنف الجغرافي، تُستكشف فيه كل مساحة في العالم وتُرسم وتُخضع للسيطرة في نهاية المطاف.”
في يناير/كانون الثاني 2026، نفذت الولايات المتحدة أكثر تدخل أجنبي إثارة في أميركا اللاتينية منذ عقود: توغل عسكري في فنزويلا انتهى بخطف الرئيس نيكولاس مادورو. وقد صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علنا بأن بلاده ستقوم بـ"إدارة الدولة حتى يتسنى لنا ضمان انتقال آمن وسليم وعادل". هذا ليس خطابا مواربا، بل هو تحكم مباشر فاضح.
يرى النقاد والحلفاء على السواء أن هذا التحرك لا يشبه عملية محدودة لمكافحة المخدرات أو إنفاذ القانون (كما تزعم الإدارة الأميركية)، بل هو عودة إلى كتيب السيطرة الإمبريالية القديم.
من المكسيك إلى البرازيل، استنكرت حكومات أميركا اللاتينية الخطوة بوصفها انتهاكا صارخا للسيادة- مرآة حديثة لتدخلات تغيير الأنظمة في القرن العشرين.
وقد أبرز محللون في مجلة "فورين بوليسي" كيف تندرج هذه العملية ضمن نمط أوسع لطموحات السياسة الخارجية الأميركية. فقد أشار ريشي إينغار وجون هالتيوانغر إلى أن الولايات المتحدة وسعت، تحت شعار محاربة "إرهاب المخدرات"، دور جيشها إلى عمليات تطمس فيها الحدود بين الأمن والسيطرة السياسية -بما في ذلك قصف مزعومين بالاتجار بالمخدرات- كجزء من قائمة مهامها المتزايدة. هذه الإجراءات تجسد سياسة خارجية أكثر عسكرة، وأكثر فردانية في التنفيذ.
ولم تكن هذه الحادثة استثناء عارضا، بل جزءا من نمط أشمل يشير إلى أن تحركات واشنطن في فنزويلا أقل ارتباطا بمكافحة المخدرات وأكثر صلة بالتموضع الإستراتيجي والسيطرة على الموارد- خصوصا احتياطات فنزويلا النفطية الهائلة.
وفي سياق نظام عالمي "ناقص واحد"، حيث تتحدى الصين وروسيا النفوذ الأميركي، عادت النزعة التدخلية لا كمشاريع إنسانية بل كمراهنات جيوسياسية.
ومن خلال عدسة النقد الاستعماري، فإن لغة "إنقاذ" الفنزويليين من دكتاتور متهم تعيد صدى نداء كبلنغ لحمل العبء الأخلاقي المزعوم. تلك التبريرات التي أخفت في الماضي العنف واستغلال العمالة، تخفي اليوم مصالح ذاتية بغطاء الخطاب التحرري.
تدعي الولايات المتحدة تحرير الفنزويليين من الاستبداد، لكنها في الوقت ذاته تفرض هيمنتها على إدارة الحكم والبنية التحتية الاقتصادية-نسخة معاصرة من الإملاء على شعب بأنه لا يستطيع حكم نفسه دون وصاية واشنطن. والنتيجة ليست تحريرا، بل تبعية- وهي السمة المميزة للعلاقات الاستعمارية.
ثانيا: انسحاب الولايات المتحدة من المؤسسات متعددة الأطراف
“عبء الرجل الأبيض، الذي يُحمّل المستعمَرين مسؤولية إخفاقهم بينما يتجاهل العبء الحقيقي-وهو الاستغلال المنهجي والبنيوي والعنيف غالبًا- هو أقدم أساطير الإمبراطورية.”
إذا كانت السيطرة على فنزويلا تذكر ببناء إمبراطوري تقليدي، فإن انسحاب الولايات المتحدة من المؤسسات الدولية يجسد تخليا عن المنتديات المصممة لمنع هذا النوع من التفرد الأحادي.
في أوائل عام 2026، وقع الرئيس الأميركي مذكرة لسحب الدعم والمشاركة من 66 منظمة دولية، تشمل العديد من وكالات الأمم المتحدة وأطر المعاهدات التي وصفت بأنها "تتعارض مع المصالح الأميركية". وتضم القائمة أجساما تابعة للأمم المتحدة، إلى جانب آليات معاهدة أخرى، مما يوسع نمط انسحاب الولايات المتحدة من هياكل الحوكمة العالمية.
ومن بين المنظمات المستهدفة: صندوق الأمم المتحدة للسكان، والإطار التفاوضي الخاص بتغير المناخ. وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت سابقا من اتفاقيات تاريخية كاتفاق باريس للمناخ، وكذلك من منظمة الصحة العالمية، مما يؤشر إلى تحول نحو تركيز ثنائي المعاملات، بدلا من التعاون متعدد الأطراف العميق.
وقد علق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأسف على القرار، مذكرا بالالتزامات القانونية: فالمساهمات المقررة في ميزانيات الأمم المتحدة (العادية وميزانية حفظ السلام) ملزمة لجميع الدول الأعضاء، بما فيها الولايات المتحدة. وأكد أن هذه الهيئات ستواصل عملها رغم الانسحاب الأميركي، لصالح المجتمعات التي تعتمد عليها.
يأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة ومؤسسات أخرى تحديات داخلية خطيرة تقوض شرعيتها، وتكشف عن إخفاقات أعمق في الحوكمة.
فعلى سبيل المثال، تكررت تقارير عن استغلال جنسي واعتداءات من قبل عناصر حفظ السلام وموظفي الأمم المتحدة، وقد تم توثيق مئات الحالات، وسط قلق بشأن جدية الاستجابة القيادية. وحده عام 2024 شهد أكثر من 100 بلاغ داخل بعثات السلام والسياسة، فيما كشفت استبانات داخلية عن مواقف مقلقة تجاه سوء السلوك.
هذه التجاوزات ليست حوادث عرضية؛ فقد وثق الباحثون والمدافعون ثقافات تنظيمية راسخة تسمح بانتهاك السلطة والتحرش، مع تأخر مزمن في الشفافية والمساءلة. هذه الإشكالات الهيكلية لا تفقد فكرة التعاون الدولي شرعيتها، لكنها بالتأكيد تضعف مزاعم هذه المؤسسات بأنها آليات عالمية فعالة وعادلة.
المنظمات غير الحكومية الدولية (INGOs) أيضا ليست بمعزل عن النقد. فقد أشارت تقارير إلى تورط عاملين في المجال الإنساني في انتهاكات جنسية واستغلال، أو إلى تماهي أولويات بعض المنظمات أحيانا مع رغبات الممولين أكثر من حاجات المجتمعات المحلية. دراسة أجريت عام 2024 عن الاستغلال الجنسي والتحرش في العمل الإنساني، أظهرت كيف أن اختلالات القوة وآليات الإنفاذ الضعيفة تبقي على الانتهاكات دون مساءلة كافية.
كل هذه الإشكاليات- داخل الأمم المتحدة وفي القطاع الإنساني- أججت شعورا بالإحباط من أن التعددية تحمي سمعة المؤسسات أكثر من ضحاياها. ويفسر هذا الغضب جزئيا سبب اعتبار بعض الساسة الأميركيين تلك المنظمات كيانات فاسدة ومتقادمة. لكن الاستجابة عبر الانسحاب بدلا من تعزيز آليات المحاسبة تصب في مصلحة من يسعون إلى إفراغ الحوكمة العالمية من مضمونها.
ثالثا: الرقصة لا تكتمل بلا شريك
هل الولايات المتحدة هي الشرير الوحيد في هذه الحكاية عن تعاون دولي متصدع، وميول استعمارية متجددة؟
نعم، ولكن جزئيا فقط.
لا شك أن السياسة الخارجية الأميركية اتخذت مسارات أحادية أضرت بالمعايير العالمية: من التدخل العسكري في دول ذات سيادة، إلى الانسحاب من معاهدات ومنظمات رئيسية، ورفض التعاون متعدد الأطراف بدوافع سياسية. لكن، في المقابل، الاعتقاد بأن المؤسسات متعددة الأطراف فعالة وعادلة بمنأى عن النقد هو وهم آخر.
لقد أشار العلماء والفاعلون منذ زمن طويل إلى أوجه القصور البنيوية في الحوكمة الدولية- من آليات المساءلة البطيئة وغير الشفافة، إلى ضعف تمثيل دول الجنوب العالمي- وهي نقائص تجعل هذه المؤسسات عرضة للهيمنة السياسية، وغير فعالة في الاستجابة للأزمات، وتسهم أحيانا في تكريس الفجوات التي كان من المفترض أن تعالجها. هذه الإخفاقات لا تتحملها الولايات المتحدة وحدها، بل تعود إلى نظام عالمي كُرس من بدايته بهرمية قوى تمولها دول غربية.
الاستعمار الجديد لا يظهر على هيئة غزو في القرن التاسع عشر؛ بل يتخفى في مفردات "المصلحة" و"الأمن" و"إصلاح المؤسسات". سواء أكانت دولة قوية تستعرض عضلاتها العسكرية تحت غطاء الإنسانية أو "الدفاع عن النفس"، أو كانت تنسحب من اتفاقات تحمي مصالح الدول الأضعف- النمط واحد: القوة تفرض ذاتها متى استطاعت، والمعايير الدولية تصبح اختيارية.
إن كانت هذه اللحظة تعلمنا شيئا، فهو أن إنقاذ التعددية لا يكون بالهروب منها، بل بالمحاسبة والتجديد. على الدول التي تنادي بالتعاون الدولي أن تواجه تركات الاستعمار في الحوكمة، وتصلح مؤسساتها لتصبح أكثر شفافية ومساءلة، وأن تفتح مساحات أوسع لاتخاذ القرار بشكل ديمقراطي. كذلك، على القوى الكبرى أن تدرك أن الانسحاب من المنظومات المشتركة أو استخدامها كأدوات لمصالحها الضيقة لا يصلح ميزان القوى، بل يرسخه.
في نهاية المطاف، لا يمكن أن تكون الشراكة العالمية الحقيقية مشروع أمة واحدة أو نخبة مهيمنة. لا بد أن تنبع من محاسبة متبادلة، وعدالة حقيقية؛ ائتلاف من الجهود لخدمة الخير العام، مستعد لا للتفاوض فحسب، بل للتضحية أيضا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
