هل تملك أوروبا القدرة على ردع روسيا؟

تبدو أوروبا في موقف ضعف وعجز أمام الطائرات الروسية المسيرة، القادرة على الوصول إلى عمق القارة. وبينما تواجه أوروبا هذا التحدي، تتسم مواقف الولايات المتحدة تجاه روسيا بعدم الحزم، مما يطرح تساؤلات ملحة: هل على أوروبا بناء منظومة دفاعية لصد هذه الطائرات، أم السعي لتأسيس قوة ردع مستقلة؟ وما دور الجيش الألماني الجديد في تشكيل هذه القوة؟ وهل ستشارك القوتان النوويتان، بريطانيا وفرنسا، في أي مواجهة نووية محتملة مع روسيا؟ وهل بات الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة إلى قوة ردع موحدة، أم إنه سيظل بعد حرب أوكرانيا في موقع العجز أمام تنامي النفوذ الروسي؟
هذه التساؤلات باتت تشغل أوروبا على نحو غير مسبوق. فالاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد خيارا مضمونا في ظل التقلبات الحادة في السياسة الأميركية من إدارة إلى أخرى، كما أن تراجع أولويات واشنطن الدفاعية لصالح المواجهة مع الصين، جعل من آسيا المسرح الأساسي لصراعاتها، على حساب الالتزامات الأطلسية.
وبهذا، تتآكل الأسس التي قامت عليها المنظومة الدفاعية الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، في وقت كثفت فيه روسيا اختباراتها قدرات الناتو بإطلاق مسيرات فوق عدد من الدول، وعلى رأسها بولندا، ما عجل بتحول التفكير الأوروبي نحو إنشاء حائط صد للمسيرات.
رغم أن طائرات "شاهد"، المستخدمة بكثافة في أوكرانيا، يمكن تتبعها ورصدها، فإنها لا تمثل التهديد الوحيد؛ إذ سبق لروسيا أن شنت هجوما سيبرانيا واسع النطاق على إستونيا عام 2007، وهي اليوم تملك خبرات متقدمة في الحروب الهجينة، لا تضاهيها فيها أي دولة أوروبية.
وإذا ما واصلت أوروبا نهج التجاهل والصمت حيال الانتهاكات الروسية، فستظل عرضة لضغوط متزايدة من موسكو. وهذا ما يفسر تصاعد القلق في الشارع الأوروبي، الذي بدأ يتساءل إلى متى سيستمر هذا العجز؟
منذ عام 1949، قام حلف شمال الأطلسي على مبدأ الردع الجماعي، إذ تنص المادة الخامسة من ميثاقه على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداء على الجميع، دون تحديد نوعية الرد ولا إلزاميته النووية.
وتدرك روسيا أن فاعلية هذا الرد قد تآكلت. ويشير عدد من المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة، في حرب أوكرانيا، تسعى إلى استنزاف فائض القوة الروسي، إذ تُدرك- وفق دراسات إستراتيجية متعددة- أن أوكرانيا تمثل خطا أحمر في العقيدة الأمنية الروسية.
ولهذا، قدمت واشنطن لكييف نموذجا غربيا مغريا، وأوحت للأوروبيين بأن انضمامها إلى الناتو والاتحاد الأوروبي أمر وارد، متجاهلة أن أوكرانيا تشكل قلب الإمبراطورية الروسية التاريخية.
يشن الكرملين حملة ضغط نفسية منخفضة التكاليف لكنها طويلة الأمد، تستهدف الحياة اليومية داخل المجتمعات الأوروبية، وليس ساحات المعارك فقط
ووفقا لتقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS)، فإن الإنفاق العسكري الروسي في عام 2024 تجاوز مجمل الإنفاق العسكري للدول الأوروبية مجتمعة، مما يعكس فجوة خطيرة في موازين القوة، تستدعي مضاعفة الاستثمارات الدفاعية الأوروبية.
في مواجهة هذا التحدي، اتفق قادة الناتو في قمة 2025 على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035؛ بهدف تعزيز الردع في وجه روسيا وغيرها من التهديدات الأمنية.
لكن الطريق نحو ردع فعال يبدأ من تقييم القدرات الواقعية لأوروبا في خوض الحروب التقليدية. إذ يتضح أن فرنسا، رغم قوتها النووية، عاجزة عن صد أي هجوم روسي، بينما تحتاج ألمانيا إلى سنوات لاستكمال إعادة بناء جيشها.
وقد كشفت إستراتيجية "الجاهزية 2030" عن ثغرات كبيرة في إنتاج الذخيرة، وأنظمة الدفاع الجوي، والمسيرات، وهي مفاتيح أساسية في أي خطة ردع مستدامة.
بولندا.. نموذج متقدم ومحدود في آن
برزت بولندا بوصفها دولة ذات طموحات دفاعية كبيرة؛ إذ رفعت إنفاقها العسكري إلى 4.2% من الناتج المحلي، الأعلى بين دول الناتو، متجهة نحو نسبة 5%، وهو ما عززه رئيس الوزراء دونالد توسك منذ انتخابات 2023، عبر دعوته إلى تعزيز الدفاع الأوروبي المشترك. لكن هذا لم يمنع روسيا من اختراق المجال الجوي البولندي بالمسيرات، رغم وجود قاعدة أميركية في البلاد منذ عام 2017.
تقرير وزارة الخارجية السويدية لفت إلى محدودية القدرات البولندية؛ بسبب نقص الأفراد والمعدات، فيما أظهرت دراسة تحليلية أن أوروبا بحاجة إلى نحو 300 ألف جندي إضافي، تحسبا لأي تراجع محتمل في الدعم الأميركي، مما يعكس هشاشة الردع الأوروبي دون واشنطن.
الردع الروسي الهجين
تعتمد روسيا سياسة الضغط المستمر دون تجاوز العتبة التي تستدعي ردا مباشرا. وهي بذلك تضع أوروبا في حالة ارتباك مستمر، سواء عبر اختراق بولندا، أو من خلال الهجمات السيبرانية، أو محاولات تخريب خطوط السكك الحديدية، وحتى عبر تحريك المسيرات في مطارات أوروبية رئيسية، مثل برلين، وكوبنهاغن، وفرانكفورت.
الرسالة الروسية واضحة: زعزعة الثقة بالمجتمعات الأوروبية، وإشاعة سردية مفادها أن الاتحاد الأوروبي هش ومخترق. وقد أثبتت الوقائع أن العقوبات الاقتصادية لم تؤثر بشكل حاسم في مسار الحرب، وهو ما جعل العقوبات تبدو كأداة ردع مستهلكة.
هشاشة الردع الأوروبي
ورغم تحسن التعاون الدفاعي والاستخباراتي الأوروبي، فإن أغلب هذه الجهود تظل ذات طابع دفاعي. وقد أظهرت روسيا قدرتها على إحداث اضطراب ملموس عبر أدوات منخفضة الكلفة، تستهدف البنية التحتية والمجتمعات الأوروبية معا، وليس ساحات المعارك فقط.
يسعى الكرملين لإقناع الأوروبيين بأنهم يقتربون من حرب لا يريدونها، ويهدف إلى دفعهم للتخلي عن أوكرانيا. وهو ما انعكس في مواقف شعبية باتت تفضل تسويات سلمية، ولو على حساب بعض الأراضي.
إن تطوير قوة ردع فعالة ضد التهديدات الروسية الهجينة، وتعزيز مناعة المجتمعات الأوروبية، بات أمرا لا يقبل التأجيل. فأي اختراق جديد قد يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة، وتراجع إضافي في ثقة الأوروبيين بأنفسهم. ويبقى مستقبل الأمن الأوروبي رهينا بقدرة الاتحاد على ترجمة هذه الدروس إلى سياسات دفاعية مشتركة، لا أقوال سياسية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
