انتخابات رواندا.. مسار ديمقراطي محلي في وجه التشكيك الغربي

President of Rwanda, Paul Kagame, poses for the media ahead of his meeting with Britain's Prime Minister Rishi Sunak inside 10 Downing Street in London, Britain April 9, 2024. Alberto Pezzali/Pool via REUTERS
الرئيس الرواندي بول كاغامي (رويترز)

تتكيّف كل ديمقراطية مع السياقات السياسية والتاريخية لدولتها، والديمقراطية الرواندية ليست استثناء من هذه القاعدة. خلال الانتخابات العامة المقبلة المقرر إجراؤها في 15 يوليو/تموز، سيدلي الشعب الرواندي بصوته لانتخاب رئيسه وممثلي مجلس النواب. ومن المتوقع أن يحقق الرئيس الحالي بول كاغامي فوزًا ساحقًا. وهو الذي أصبح رئيسًا لأول مرة في عام 2000، بعد 6 سنوات من قيام الجبهة الوطنية الرواندية، تحت قيادته، بوقف الإبادة الجماعية.

يعتقد المحللون والصحفيون والأكاديميون الغربيون أن الانتخابات الرواندية تجب "السيطرة عليها"، لأنه – من وجهة نظرهم -، لم يتم انتخاب رئيس لأي دولة ديمقراطية "حقيقية" أخرى بأكثر من 90% من الأصوات. بعبارة أخرى، فإن الانتصارات الساحقة المتكررة التي حققها بول كاغامي منذ عام 2003 يصعب تصديقها.

يزعم هؤلاء المنتقدون أنه لا توجد "معارضة حقيقية" في رواندا، وأن الدولة التي تنتخب رئيسها بنسبة 90 أو 95% لا يمكن أن تكون " ذات مسار صحيح وحالة جيدة"، كما قال الصحفي في فرانس 24 مارك بيرلمان في مقابلته الأخيرة مع بول كاغامي. وردّ كاغامي على ذلك قائلًا: "لماذا يجب أن تقلق إذا تم انتخاب شخص ما بنسبة 90 أو 95% إذا كان هذا هو ما يسمح به محيطه وسياقه؟ وفي النهاية، ذلك السياق هو الذي يقرر".

وعندما أمازح أصدقائي الروانديين بشأن ما يسميه هؤلاء المنتقدون "غياب المعارضة"، كانوا يردون بلهجة ساخرة: "لكن ما الذي يمكن معارضته في بلدنا.. الرعاية الصحية الشاملة، والتعليم المجاني، والوصول إلى التعليم؟ والتوظيف، وحصص مقاعد البرلمان المخصصة للنساء والأشخاص ذوي الإعاقة، والتنمية الاقتصادية، وسياسة البيئة المستدامة، وقوة الدولة بشكل عام والوصول إلى الإنترنت، والأمن القومي…؟"

إن الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية التي يشير إليها أصدقائي الروانديون لا يمكن اعتبارها أمرًا مفروغًا منه، حيث إن رواندا وُلدت من تحت الرماد، في أعقاب الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994، وحققت في 30 عامًا فقط، مستوى عاليًا من المساواة في الحصول على الخدمات أفضل مما يحلم به أي بلد آخر في العالم، بما في ذلك دول الشمال العالمي.

والأهم من ذلك، بعد تجربة ما أسماه البعض "الإبادة الجماعية القريبة"، حيث قتل الجيران جيرانهم، وقتل المعلمون الطلاب، وقتل الأزواج زوجاتهم، وقتلت الأمهات أبناءهن، تمكن الروانديون، بفضل القيادة والحكم الفعّالين، من إعادة بناء الأمة على الوحدة والمصالحة، حيث تعلم الضحايا والجناة العيش معًا مرة أخرى، ويعيدون بناء مستقبلهم من خلال جهد جماعي.

لقد كان التنميط المريب لرواندا سمة مشتركة للتقارير الغربية عن أفريقيا على مدى السنوات الـ60 الماضية، وقد اعتادت وسائل الإعلام والمحللون الغربيون على تقديم هؤلاء القادة الأفارقة في مرحلة ما بعد الاستعمار، الذين لا يتبعون معايير ديمقراطية غربية معينة، على أنهم "دكتاتوريون".

ولكن ما المعيار الغربي على وجه التحديد  للديمقراطية، وإلى أي مدى قد يكون جديرًا برواندا، في ظل تاريخها المأساوي الفريد من الظلم، أن تتبع نموذجًا ديمقراطيًا غربيًا واحدًا يناسب الجميع؟

وباعتباري مواطنة عالمية عاشت في 5 ديمقراطيات مختلفة في 3 قارات مختلفة، فإنني أعتبر أن تقييم المنتقدين الغربيين للانتخابات الرواندية يتجاهل أن الديمقراطيات تتشكّل بالفعل من خلال السياق.

في الواقع، اختار الغربيون المتابعون للشأن الرواندي، بسبب تحيزهم العنصري الضمني أو الصريح، تجاهل حقيقة أنه حتى في الغرب لا توجد ديمقراطية واحدة تناسب الجميع، لأنه كما ذكر بول كاغامي خلال هذه الحملة الرئاسية، أن الديمقراطية تدور حول حرية الاختيار.

وخير مثال على هذا التصريح الذي أدلى به بول كاغامي، هو الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002. كان عمري حينها 22 عامًا، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أتمكن فيها من التصويت. لقد حصلت على الجنسية الفرنسية بعد أن هاجرت إلى فرنسا كلاجئة سياسية في عام 1992 من البوسنة التي مزقتها الحرب، والتي كانت آنذاك مقاطعة تابعة لموطني الأصلي يوغسلافيا. وكانت تلك الانتخابات هي المرة الأولى التي يصل فيها مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان، إلى الجولة الثانية، في مواجهة الرئيس آنذاك، جاك شيراك، الذي كان ينتمي إلى يمين الوسط في الطيف السياسي الفرنسي. وباعتباري مهاجرة سابقًا، ومثل معظم أفراد جيلي، كنت من مؤيدي اليسار التقدمي.

وفي حين كان لوبان، مرشحًا مناهضًا للمهاجرين وشوفينيًا وعنصريًا، كان شيراك معروفًا بانتقاده للمهاجرين الذين اتهمهم بـ"التربح" من نظام الرعاية الاجتماعية الفرنسي "على حساب المواطنين الفرنسيين". كانت هذه اللحظة في تاريخ الديمقراطية الفرنسية بمثابة دعوة للاستيقاظ للشعب الفرنسي الذي سارع جميعًا إلى صناديق الاقتراع، بغض النظر عن الجانب السياسي الذي ينتمون إليه، لهزيمة الحكومة الفاشية المحتملة بقيادة جان ماري لوبان. وقد فاز شيراك في الانتخابات بنسبة 82.21%، وهي النسبة التي قد يعتبرها الصحفي في فرانس 24 مارك بيرلمان "غير صحية"، لكن العالم الغربي شعر بالارتياح واحتفل بحرارة بانتصار شيراك.

وكانت انتخابات عام 2002 الفرنسية مجرد مثال واحد من بين العديد من الأمثلة الأخرى لكيفية تشكيل الديمقراطية حسب السياق. إن نفس الأيديولوجية الفاشية التي صوت الفرنسيون ضدها في عام 2002، أدت إلى القتل الجماعي لمليون رواندي في عام 1994. ولا تزال هذه الأيديولوجية تلوح في الأفق، ويروج لها أشخاص مثل فيكتوار إنجابير، التي يطلق نفس هؤلاء المنتقدين الغربيين على حزبها السياسي اسم "المعارضة". وعلى هذا، حين يُنتَخَب بول كاغامي بأكثر من 90% من الأصوات، فإن ذلك يشكل موقف حياة أو موت بالنسبة للشعب الرواندي الذي اختار، من خلال حريته في الاختيار، الوحدة والمصالحة والأمن، على الانقسام والكراهية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.