الإسلام السياسي وحرب غزة.. التأثيرات الإقليمية وتحولات المستقبل

أبو عبيدة .. الناطق باسم كتائب عز الدين القسام
أبو عبيدة الناطق باسم كتائب عز الدين القسام (الجزيرة)

النظر إلى وضع المقاومة الفلسطينية في غزة من منظور "الإسلام السياسي" يعد زاوية مثيرة للاهتمام في التحليل، ولكن بشرط واحد، هو التعامل مع مفهوم "الإسلام السياسي" – الذي قد يشكل مصدرًا لسوء فهم خطير – بأكبر قدر من الحذر، سواء تعلق الأمر بالمنتديات العربية أو بالعالم الغربي.

ففي فرنسا حيث أعيش، كما هو الحال في وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية المهيمنة (وهي نفس الشيء تقريبًا)، لم يعد "الإسلام السياسي" مصطلحًا صالحًا لتحديد جزء معين من المشهد السياسي الفلسطيني أو العربي، بل أصبح – بشكل حصري – عبارة سلبية وتجريمية، لا تساعد بأي حال من الأحوال على أخذ فكرة عن التنوع أو حتى خصوصية موضوعه.

إنها تسمية يمكن أن تطلق على أي مواطن مسلم لا يقبل التنكر لانتمائه الديني، ويتبنى موقفًا يميل إلى المعارضة، وهي اليوم تسمية تمييزية تستهدف الغالبية العظمى من المسلمين في فرنسا، ويُوصم بها بانتظام مثقفون ونشطاء حقوق الإنسان من أمثال المحامي رفيق شكات ومؤسس "التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا" المنحل مروان محمد.

أما المواطنون المسلمون الوحيدون الذين تعتبرهم "محاكم الإعلام" موالين للجمهورية، فهم تقريبًا أولئك الذين تخلوا عن عقيدتهم، أو من هم على استعداد لانتقاد 95% من إخوانهم في الدين.

إضافة إلى ذلك، يؤدي كل موقف يميل لصالح الحقوق الفلسطينية إلى التهمة السيئة السمعة: "معاداة السامية"، مع أن فرنسا منقسمة منذ عقود بشأن معاداة السامية؛ بسبب قضية دريفوس الشهيرة (وهو ضابط يهودي اتُهم خطأً بالخيانة في نهاية القرن 19)، والمفارقة هي أن هذا اليمين الذي غذى أشد الاتهامات العنصرية في ذلك الوقت، والذي يدعي اليوم أنه المدافع عن اليهود، أصبح يتهم اليسار الذي دافع عن دريفوس، بأنه غيّر موقفه.

وما كشفته مأساة غزة من الانجراف في الغرب يشبه بشكل غريب ما أصبح متعارفًا عليه في إسرائيل منذ وصول حلفاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من المستوطنين إلى السلطة، ويبدو أنّ واجهة الصهيونية "المقبولة سياسيًا"، والتي طالما أخفت سياسة استعمارية مبتذلة تحت ستار "العلمانية والديمقراطية"، قد أفسحت المجال لمعجم وخطاب الأصولية الدينية "الأكثر تعنتًا"، لتفتح بذلك باب المواجهة مع الآخر.

ولذلك، لا تعترف إسرائيل بوجود نزاع على الأرض مع الفلسطينيين، بل تعتبر نفسها "شعب الأنوار" الذي يقاتل "شعب الظلمات".

وكانت أوروبا والولايات المتحدة قد قامتا ببناء واجهة "مقبولة سياسيًا" هي الأخرى في أعقاب الحرب العالمية الثانية والحقبة الاستعمارية، ونجحت لبعض الوقت في إخفاء خطابها الحربي والاستعماري تحت غطاء من النزعة العالمية والإنسانية واحترام القانون الدولي، ولكن هذه الواجهة بدأت تتحطم هي الأخرى لتفسح المجال لخطاب عنصري وطائفي يتكشّف يومًا بعد يوم وبشكل علني، مع الدعم أحادي الجانب لأسوأ ما تفعله إسرائيل.

أما بالنسبة للمنتديات السياسية العربية والإسلامية في الشرق الأوسط والمغرب العربي، فتعود صعوبة التفكير فيما يتعلق بالإسلام السياسي بشكل خاص إلى عدم دقة هذا المفهوم، لأن الإسلام السياسي حاضر اليوم في سجلات متنوعة في جميع المجالات السياسية العربية.

أما إذا كان الأمر مجرد تقييم لتطور توازن القوى بين المعارضين والأنظمة الاستبدادية، فيمكننا القول إن وضع الأنظمة لم يتم تعزيزه بأي حال من الأحوال. وسيكون من الصعب الدفاع عن موقف القادة الذين يشاركون (مثل الغربيين والإسرائيليين) في "الحرب على الإسلام السياسي" ويرتبطون بعلاقات مع إسرائيل، لأن حالة التنصل الشعبي من الموجة الإسرائيلية الجديدة من الجرائم عميقة جدًا.

وحتى لو أدت إستراتيجية حماس إلى تقويض شعبيتها، وهو ما لم يظهر عليه دليل حتى الآن، فمن الصعب تصور جيل سياسي يعتمد رفض ما كان يشكل قوته، ولا نعني هنا عضوية حماس في دائرة الإسلام السياسي، بل مرونتها والروح القتالية في مقاومة الاحتلال، وهي أمور تشاطرها فيها كافة أطياف القوى الفلسطينية، حتى إن وزيرًا أردنيًا قال مؤخرًا: إن "حماس فكرة، ولا يمكن تدمير فكرة بالقنابل".

ويمكننا، مع الحذر الشديد، ودون الحكم مسبقًا على التطورات الداخلية في كافة تشكيلات المشهد السياسي العربي، أن نستنتج أن القوى التي تحمل اسم "الإسلام السياسي"، لم تمت في المشهد الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط والمغرب العربي، وهي مرتبطة بشكل وثيق بمقاومة الشعب الفلسطيني وبالعداء المنهجي والانتقادات الموجهة للغرب وحلفائه من العرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.