أوروبا وخطر عودة الشموليات إلى السلطة والحكم

تجمع انتخابي في فرنسا لمواجهة مخاطر صعود اليمين المتطرف بعد تسيده انتخابات الاتحاد الأوروبي (الفرنسية)

يحمل وصول اليمين الشعبوي في السياق الأوروبي إلى السلطة والحكم تهديدات ومخاطر بالغة الأثر مستقبلًا على الاتحاد الأوروبي كتكتل إقليمي فاعل إقليميًا ودوليًا، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا. ويضع أوروبا في حالة ضعف إستراتيجي أمام روسيا التي تخوض حربًا بأبعاد جيوسياسية في أوكرانيا، كما يجعل الوجود الأوروبي أمام لحظات حرجة على المستوى الدولي مع تفاقم النزاع الجيوستراتيجي مع الصين. بهذه الخلاصات اختتمنا المقالة السابقة، التي سلطنا فيها الضوء على العوامل التي أدّت إلى صعود اليمين المتطرف واتساع قاعدته السياسية والاجتماعية في أوروبا.

لكن ما تخفيه متغيرات الخريطة السياسية الأوروبية – وعناصرها الجديدة الفاعلة في المشهد، المتمثلة في التقدم السريع لليمين المتطرف كقوة سياسية تتأرجح بين الموقَعين: الأول والثاني في عدد من البلدان – يؤشر على أن التحولات الجارية، لا تعبر فقط عن تغيرات تهم البعد السياسي، أي عن صراع سياسي وتنافس انتخابي بين قوى وتكتلات سياسية تقليدية تقرّ بالنسق القائم وقواعده التي تنظمه، وإنما يحمل الخطاب السائد مع قوى اليمين المتطرف، ما يتجاوز هذا المنحى السياسي إلى استدعاء السرديات الثقافية والنزعات القومية المغلقة التي تنظر لأوروبا والدول الأوروبية نظرة هوياتية متجانسة تتلاشى فيها التعددية والتنوع.

لذلك قد يشكل الإقبال على اليمين المتطرف احتجاجًا مجتمعيًا بآليات الانتخاب التي تتيحها الديمقراطية، وهو احتجاج يعبر عن عودة البعد الثقافي المتجانس والهوياتي الرافض للآخر في الوعي الأوروبي. إذ كانت أغلب التمظهرات التي برز فيها اليمين الشعبوي تؤشر على مدى من الانغلاق والتقوقع على الذات، واستعادة النقاش بشأن القيم السياسية والثقافية، بأساليب وطرق خطابية لا تخلو من أحادية، مما يذكرنا بالنزعات الشمولية التي مرت بها أوروبا والمجتمعات الغربية، وما أفرزته من انقسامات وحروب وانغلاق داخل أطر قومية وثقافية حادة الانتماء.

وهذا لا يرتبط فقط باليمين المتطرف في أوروبا، وإنما بالوضع الذي أضحى عليه العالم برمته مع الشعبويات، التي تعتبر انعكاسًا لإخفاق مركب وعميق يعيشه النموذج السياسي والاقتصادي والمجتمعي مع الرأسمالية الحديثة وتجلياتها المتعددة، التي تستثمر في النزاعات والكوارث وتؤبدها بغاية الهيمنة والسيطرة والربح.

فالحروب والتوترات الاجتماعية والنزاعات هي فرصة للكسب المادي، وليست دافعًا للتنمية والعدالة والحرية، والأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم والتحالفات الجديدة، تؤديان إلى انكماش الدور الأوروبي المعهود، ومعه على مستوى الداخل بروز التناقضات ذات الصبغة الهوياتية التي يستثمر فيها اليمين المتطرف، مما قد يؤدي إلى انهيار أوروبا برمتها، وهيمنة اليمين المتطرف على السلطة مقدمة لعودة الشموليات، التي قد تكون نهاية لتقاليد سياسية، ومعها تكتل إقليمي قادر على صياغة التطلعات الجماعية للشعوب الأوروبية.

عودة الشموليات على جسر اليمين المتطرف

لم يكن متوقعًا أن يحصل حزب الرئيس الفرنسي على نصف ما حصلت عليه الجبهة الوطنية في انتخابات البرلمان الأوروبي، مما دفعه لإعلان انتخابات مبكرة للجمعية الوطنية (البرلمان) في الثلاثين من يونيو/حزيران الحالي. وهي مناورة سياسية من الرئيس الفرنسي لتحجيم اليمين المتطرف، من خلال وضع الناخب الفرنسي أمام ضرورة مشاركة سياسية فعالة مناهضة لليمين، تمنعه من الحصول على تمثيلية واسعة في الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي)، ومنه بشكل ضمني؛ الحيلولة دون وصوله إلى الحكم والسلطة في فرنسا في أقرب انتخابات رئاسية.

وقد كانت حدة الموقف وتوجيه الاصطفافات في الانتخابات البرلمانية المبكرة من الرئيس الفرنسي بتوصيف اليمين المتطرف، بالقوميين والديماغوجيين الذين يشكلون خطرًا على مستقبل أوروبا ومكانة فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي والعالم. كما صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين" بأن فوز تحالفها السياسي يخدم الاستقرار، مع انتقادها لليمين واليسار المتطرف.

وفي الموقفين ومواقف ساسة أوروبيين آخرين، أهمهم المستشار الألماني "أولاف شولتس" بخصوص الانتخابات الفرنسية، تتجلى طبيعة التحدي أمام القوى السياسية التقليدية، ومن ثم طبيعة الصراع السياسي المستقبلي، وفي الأجل القريب في فرنسا.

فالأرقام تؤشر على التوجه السريع للحكم في فرنسا، ولهذا رمزيته بالنسبة للاتحاد الأوروبي، كما أن وصول مكونات اليمين الشعبوي إلى الحكم في فرنسا وألمانيا، سيعني جملة من التغيرات الجذرية بالنسبة لأوروبا.

تمثّل تلك التغيرات تهديدًا لمستقبل الاتحاد الأوروبي كمنظمة فاعلة في السياقين: الإقليمي والدولي، ولعل هذه اللحظة السياسية في تاريخ الاتحاد الأوروبي، تمثل اختبارًا حقيقيًا لم يسبق أن واجهه من قبل. فليس الاتحاد الآن أمام انسحاب دولة كما حدث مع بريطانيا، لكنه أمام أيديولوجيا سياسية وسردية ثقافية جديدة تشكل تهديدًا للوجود الأوروبي، وتعيد إلى الأذهان انقسامات ونزعات قومية، ظنّ الكثير أنها أصبحت من الماضي.

وهذا ما تعبّر عنه آراء الساسة والنخب من الاصطفافات الحادة والديناميات السياسية الجديدة داخل الاتحاد الأوروبي التي تسعى لإيقاف المد الشعبوي الجارف. لكن هل تنجح هذه الديناميات المتولدة من رحم هزيمة القوى التقليدية في الخريطة السياسية الأوروبية في إفراز مسارات بديلة عن الإقبال المجتمعي والسياسي على اليمين؟

ليس الرئيس الفرنسي وحده من وجد نفسه في مأزق ما بعد الانتخابات الأوروبية، وإنما المستشار الألماني شولتس وحزبه أيضًا. تهمنا فرنسا وألمانيا للنظر في مؤشرات صعود اليمين، باعتبار الموقع المركزي الذي تحتله الدولتان وتأثيرهما الكبير على سياسات الاتحاد الأوروبي وإستراتيجياته وعلاقاته الخارجية. ومن ثم فإن التغير في الاختيارات الإستراتيجية لهذه الدول له علاقة مباشرة بالقوى الممسكة بالسلطة فيها، بينما قد لا يشكل صعود اليمين في دول أخرى تأثيرًا كبيرًا على إستراتيجيات الاتحاد الأوروبي.

وقد حصل ذلك مع صعود حزب "إخوة إيطاليا" الذي تقوده جورجيا ميلوني، وأحزاب أخرى من دول أوروبا الشرقية، وذلك يعود أساسًا إلى الأزمة الاقتصادية التي تعانيها إيطاليا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، والتي يعتبر حلها رهنًا بالضرورة بالدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي.

من جهة أخرى، وإن حصل توافق على مستوى السرديات والصبغة العامة التي يصطبغ بها اليمين المتطرف في أوروبا بشكل مجمل، في القضايا الهوياتية والثقافية والموقف من الآخر والإسلام والمهاجرين، فإن هناك اختلافًا بينيًا داخل أحزاب اليمين نفسها، التي تميل اختياراتها إلى البعد القومي لكل بلد وتراثه الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي. كما يؤثر الواقع الاقتصادي على مدى المرونة والصلابة في الموقف.

يمكن القول، إن هناك تباينًا في الرؤى داخل اليمين المتطرف، بين يمين متطرف براغماتي في اختياراته مثل الحالة الإيطالية، ويمين شعبوي لم يُختبر بعد في السلطة والحكم مثل فرنسا وألمانيا، لكنه يحمل نزعة منغلقة. هذا التباين سيؤثر حتمًا على كتل اليمين الشعبوي داخل البرلمان الأوروبي، فلا يجعله على موقف واحد.

وقد حصل هذا مع حزب البديل من أجل ألمانيا من قبل، كما سيسفر حتمًا في حالة تسلّم أحزاب الجبهة الوطنية في فرنسا والبديل من أجل ألمانيا الحكم والسلطة، عن تصدع بين اليمين المتطرف نفسه، ويدفع باتجاه عودة القوميات والشموليات على أرضية الهويات الوطنية، وليس من منطلق مصالح الاتحاد الأوروبي، مما قد يعني تفكك الاتحاد الأوروبي، وفي حالة أدنى ضعف في فاعليته في الاضطرابات الحاصلة في المشهدين: الإقليمي والدولي.

خطر تذويب الفروق الثقافية والانقسامات على أرضية الهويات

أشرنا سابقًا، إلى أن اليمين المتطرف لا يعبر عن أزمة سياسية وحسب ستطال أوروبا، إنما أزمة ذات علاقة بالأبعاد الهوياتية والثقافية ستمسّ الوعي الأوروبي برمته، فتعصف بتراكمات ممتدة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، وما أسهمت فيه الديمقراطية الليبرالية في صياغة التعاقدات السياسية والاجتماعية المنبثقة من سياقات مؤلمة من النزاعات والحروب والانقسامات.

تقبل الشعوب عادة على الخطابات الشعبوية والنزعات الشمولية في لحظات الإخفاق التي تمثلها الخيارات العقلانية. فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحادة التي يمر بها النظام العالمي، ألقت بظلالها على قواه الرئيسية، وانعكست بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي وحالة الرفاه التي كانت تعيشها المجتمعات الأوروبية والغربية، والتي تعد أزمة بنيوية كامنة في النموذج الرأسمالي واختياراته الاقتصادية والمالية.

في حقيقة الأمر، تعد الرأسمالية الحديثة شمولية من الشموليات التي ضربت المجتمع الإنساني، فالشمولية ليست اختيارًا سياسيًا أو ثقافيًا ذا طابع هوياتي مغلق وحسب، وإنما للشمولية أوجه أخرى، قد تظهر بأدوات اقتصادية وسياسية، كما ظهر ذلك مع النموذجين: الاقتصادي والسياسي الحديثين. هيمنت صبغتهما الشمولية على السلطة والاقتصاد، وأعادت صياغة تطلعات الإنسان والمجتمع لذاتهما وللحياة وفق نمط قيمي موحد، ألغى التنوع والاختلاف والتعددية عمليًا وإن أقر بها على مستوى الخطاب.

نعم، لقد عملت الرأسمالية الجديدة بأدوات ناعمة وخشنة في الآن نفسه، على الهيمنة على مقدرات الشعوب وخياراتها المادية بما يتيحه النظام المالي الحديث والشركات العابرة للحدود، وفي الآن نفسه عملت على تصدير نموذج ثقافي واحد باعتباره تجليًا من تجليات التحضر والتقدم الإنساني. تم ذلك بمنطلقات خطابية تركز على الحريات والحقوق التّعددية، لكن السائد في واقع الأمر هو نزعة أحادية ذات طابع شمولي.

ولا يرتبط ذلك بظاهرة العولمة التي حدث بشأنها نقاش وجدل مكثف بين الكوني والخصوصي في الثقافات والهويات، مقابل مسعى حثيث لأَمْركة العالم وتذويب الفروق والاختلافات الثقافية لصالح الثقافة المهيمنة أو المنتصرة، وهي الليبرالية التي تعني حسب فوكوياما الذي كتب حينها بإعجاب عن نهاية التاريخ، باعتبار النموذج الرأسمالي هو الذروة التي سيصلها الإنسان الأخير، مع تعبير صريح عن إلغاء التعددية والتنوع الثقافي، أو بالأحرى النظر إلى الديناميات الأخرى الفاعلة، والتي ستظهر بعد وتتعمق فيما بعد، لتزول حالة السحر التي هيمنت على النموذج الجديد.

هنا نود أن نؤكد أن نزعة الهيمنة والشمولية لا تقف عند هذا الحد، وإنما لها جذور عميقة تمظهرت في أشكال متنوعة، ابتداء من النهضة الأوروبية ثم التنوير، والأيديولوجيات اللاحقة، وهي أيديولوجيات تجلت في التعبير عن نفسها في نزعات شمولية، كان من مؤداها حروب طاحنة وانقسامات.

من ثم فإن عودة اليمين المتطرف إلى الأصول الثقافية التي أنتجت كوارث سياسية واجتماعية، يشكل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل أوروبا، ليس على المستوى السياسي وحسب، وإنما في المنحى الإنساني والمجتمعي.

ختامًا:

إن النزعة الشمولية متأصلة في الثقافة الأوروبية، ولا يعني بروز أنساق سياسية لتصريف التعددية والاختيار السياسي وفق طرق وأساليب عقلانية، تجاوزًا أو تفكيكًا للبعد الشمولي الكامن في الوعي الثقافي العميق. فالأنساق السياسية الحديثة لم تحل معضلة الشموليات، وإنما وضعت جملة من الأساليب والقواعد لعقلنة الصراع والنزاعات والحروب الدامية التي امتدت على الجغرافيا الأوروبية بدوافع دينية أو أيديولوجية أو سياسية متطرفة.

لذلك فإن الدولة الوطنية لم تنجح في لجم طموحات النزعات الشمولية، بل أفرزت أسوأ أشكال الهيمنة والحروب عبر التاريخ، وأودت بحياة الملايين في أوروبا. وفي الآن ذاته، فإن التعاقد الذي دخله الأوروبيون عقب حربين عالميتين مدمرتين، قد ينتهي في أي لحظة مع بروز الشموليات من جديد بشعارات وخطاب سياسي وثقافي، لا يختلف كثيرًا عن القوميات المتطرفة مطلع القرن العشرين.

لقد كشف الإقبال على اليمين في انتخابات عدد من الدول الأوروبية، عن عدم ضمور الاهتمام الشعبي والمجتمعي الأوروبي بالسرديات الكبرى ذات الصلة بالثقافة والهوية، وأبان في الآن ذاته، عن أن النقد الذي تمارسه مؤسسات إعلامية ونخب للثقافات الأخرى من منطلق الشمولية والتقليدانية بمنطق الازدراء والسخرية أو المقاربات السطحية التي تفتقر لمعرفة الآخر معرفة مركبة، أخفق في إقرار الإيمان بالتعددية والتنوع على مستوى الوعي لدى شرائح واسعة في المجتمعات الأوروبية.

وإذ كان يزدري الثقافات الأخرى ويضعها موضع السخرية أو عدم الدراسة العميقة التي تؤدي إلى الاعتراف والتعارف الإنساني المعمق، إنما كان يعمل على تجييش الشعور الجماعي المعادي للتنوع والإيمان بالاختلاف. وقد عملت النخب والمؤسسات الإعلامية التي كانت تجد في الإسلام والثقافة الإسلامية والمسلمين والشعوب والثقافات الأخرى التي تنتمي إلى الجنوب مادة خام لصناعة الفوبيا والعداء، خدمة جليلة لليمين المتطرف، ظهرت آثارها بشكل مباشر في الخريطة السياسية.

إذا لم يتم بناء أفق عقلاني مع كل الثقافات والمكونات التي أضحت جزءًا من النسيج الاجتماعي الأوروبي، وإجراء حوار قائم على الاعتراف بالآخر، فإن نزعة التطرف اليميني ستهيمن بشكل حتمي على كامل أوروبا، ومعها ستتبلور شموليات مغلقة تنتهي حتمًا بالصدام كما حدث في الماضي القريب والبعيد، وسيكون مؤسفًا أن يعيد التاريخ نفسه، ذلك هو مكر التاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.