كلوديا شينباوم ورحلة اليسار في المكسيك.. من الفيزياء إلى الرئاسة

هيئة البث الإسرائيلية قالت إن اليهود في المكسيك غير متحمسين للرئيسة الجديدة كلوديا شينباوم رغم أنها تعتنق نفس الهوية الدينية (شترستوك)

يبدو أنَّ قوس اليسار في أميركا اللاتينية، وسطها وجنوبها، ما يزال محافظًا على ألقه وتمدده. إذ أوصلت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في المكسيك عالمة الفيزياء كلوديا شينباوم إلى سدّة الرئاسة، ممكنة اليسار المكسيكي من الاستمرار في السلطة لدورة ثانية، بعد التحوّل التاريخي الذي قاده قبل 6 سنوات، الرئيس المنتهية ولايته  أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي يلقبه أنصاره بـ "أملو" اختصارًا.

تأسيس أوبرادور لحركة التجديد الوطني "مورينا" في سنة 2014، بعد انسحابه من حزب الثورة الديمقراطية الذي أسّسه مع مجموعة من رفاقه سنة 1989، كان بداية تحوّل تاريخي في المكسيك. من خلال عمل دؤوب، تمكّن من افتكاك المكسيك من هيمنة اليمين المكسيكي، ممثلًا في الحزب الثوري المؤسساتي، باستثناء سيطرة خفيفة لليمين المحافظ من خلال حزب العمل الوطني بين 2006-2018، التي استمرّت حوالي قرن من الزمان.

بين الجامعة والسياسة

كلوديا شينباوم حاصلة على الدكتوراه في الفيزياء، وتنتمي أكاديميًا إلى الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك. إلى جانب كونها سياسية يسارية عن حزب "مورينا" الحاكم، وهو نفس الحزب الذي ينتمي إليه سلفها ومعلمها الرئيس أوبرادور. يهودية المعتقد، تقدمية التوجه. هاجر أجدادها من بلغاريا وليتوانيا إلى المكسيك هربًا من جحيم النازية. تفصلها مسافة واضحة عن الحركة الصهيونية، حيث اشتهرت بتوقيع رسالة في السابق تدين فيها همجية الاحتلال الصهيوني في فلسطين.

هذا ما أكدته هيئة البث الإسرائيلية العامة "كان"، حين تحدثت عن أن اليهود في المكسيك غير متحمسين للرئيسة الجديدة التي تدين باليهودية، والتي أصبحت أول امرأة تقود المكسيك. ووفق الهيئة، فإن شينباوم لا تخفي هويتها الدينية، لكنها في الوقت نفسه لا تسلط الضوء عليها أيضًا. وفي الجالية اليهودية يقولون: "ليس لها صلة بنا".

وقد حصلت شينباوم على أكثر من 59% من نسبة الأصوات، وهي أعلى نسبة في تاريخ المكسيك، كما أكدت معطيات المعهد الوطني للانتخابات. وفاز حزب "مورينا" في 24 ولاية من أصل 32 في جمهورية فدرالية، تعتبر الأولى في العالم من حيث عدد الناطقين باللغة الإسبانية. وحصل الحزب على الأغلبية في غرفتي البرلمان، إضافة إلى حكام الولايات والبلديات ومجموعة من المناصب العمومية.

وينتخب الرئيس في المكسيك كل ست سنوات وفق نظام اقتراع الأغلبية النسبية ولولاية واحدة فقط، وهو تقليد دستوري يميز المكسيك عن معظم بلدان أميركا اللاتينية، التي تعتمد نظام اقتراع الدورتين في حالة عدم حصول أحد المرشحين على أغلبية واضحة. إلى جانب المكسيك، هناك خمس دول أخرى في أميركا اللاتينية تعمل بنظام اقتراع الأغلبية، وهي: هندوراس، ونيكاراغوا، وبنما، وباراغواي، وفنزويلا.

قطيعة أم امتداد لأوبرادور؟

يشكل فوز شينباوم امتدادًا لمسار أوبرادور الذي أطلقه قبل ست سنوات، وعنوانه الأبرز تعزيز مسلسل التحرر من قبضة الهيمنة الأميركية، في إطار مشروع تحرري عابر لمجموع دول أميركا اللاتينية، بخلق مسافة معها دون اصطدام يخلّ بالتوازنات التي يتطلبها الجوار الجغرافي، ويجعل من سؤال الاستقلال والسيادة الفعليين السؤال المركزي في هذا المشروع.

المثير للانتباه أن الرئيس الأميركي جو بايدن، ومباشرة بعد تأكيد فوز شينباوم، أعلن عن خُطة لتشديد الخناق على المهاجرين غير النظاميين الذين يعبرون إلى الولايات المتحدة الأميركية عبر المكسيك. هؤلاء المهاجرون يأتون من مختلف دول أميركا اللاتينية وتقدر أعدادهم بعشرات الآلاف.

فالهجرة والأمن هما ورقتا الابتزاز والضغط اللتان توظفهما الولايات المتحدة الأميركية منذ سنين في علاقاتها بالمكسيك. هذه العلاقة فيها الكثير من الخصوصية مقارنة بباقي دول أميركا اللاتينية، حيث يقدر عدد المكسيكيين الموجودين على تراب الولايات المتحدة الأميركية بحوالي 37 مليونًا.

ويمكن القول إن معظم المنظمات والهيئات التي تشتغل في مجال الهجرة تدعم كلوديا شينباوم. فرئيس رابطة المواطنين "اللاتينو-أميركيين" المتحدين، دومنغو غارسيا، صرح بعد فوزها بأنه "يرغب في الاشتغال مع الرئيسة الحالية على ملفات تهم المهاجرين، خصوصًا ملف الحقوق المدنية على مستوى البلدين، أميركا والمكسيك". كما أكدت شبكة جمعيات الأميركتين، المؤلفة من 58 منظمة تمثل المهاجرين "اللاتينو-أميركيين" في الولايات المتحدة، أن فوز شينباوم له أكثر من دلالة على المستويين: الاجتماعي والسياسي، وهو ما قد ينعكس على وضعية المهاجرين داخل أميركا.

مشروع كلوديا شينباوم

في نفس السياق، تعتبر معركة الحقوق الاجتماعية، واحترام البيئة، وتوسيع شبكة الطرق، وتعزيز البنيات الصحية جزءًا من مسار ما اصطلح عليه الزعيم أوبرادور مؤسس حزب "مورينا"، بالتحول الرابع في البرامج الاجتماعية. وقد سبق للرئيسة المنتخبة أن أكدت في حملتها الانتخابية أنها ستنفذ مجمل برامج المرحلة الثانية لمشاريع سلفها الذي تعتبره ملهمًا لها.

وتعتبر معركة إصلاح السلطة القضائية من أهم المواضيع المطروحة على أجندتها السياسية، خاصة في بيئة تعاني من العنف ونفوذ عصابات المخدرات الممتد لكثير من المؤسسات وإرث الفساد المتراكم من فترة الحكم الطويلة للحزب الثوري المؤسساتي، وقد وصل ذلك الحزب اليميني إلى الحكم عبر انتخابات نزيهة، لكن غياب منافس قوي، جعل سيطرته تمتد لفترة طويلة، إلى حد جعل الأديب البيروفي ماريو فارغاس يوسا يصف النظام المكسيكي بـ"الدكتاتورية المثالية".

ويتضمن البرنامج تطوير المعهد الوطني للانتخابات الذي يعد مؤسسة ضرورية لتجويد الأداء الديمقراطي في البلاد، إضافة إلى قضايا عصرنة ودمقرطة مؤسسة الحرس الوطني، في إطار عملية إصلاح الهياكل والمؤسسات الأمنية، بعيدًا عن الأجندات السياسية لجهات قد تجرّ البلد إلى حالة من الفوضى في محيط يوفر ما يكفي من الشروط والعوامل المشجعة على ذلك.

وقد أكدت وسائل الإعلام في المكسيك، احتفاظ كلوديا شينباوم بوزير الميزانية  – الذي عمل مع الرئيس السابق – الدكتور "راميريز دي لا أو"، وهو رجل اقتصاد ذائع الصيت داخليًا وخارجيًا، وخصوصًا في أوساط الطبقات الفقيرة والوسطى، إذ ساهم في خفض نسبة الفقر في البلد من 60% إلى 40%؛ وذلك في إطار التزامها بمواصلة مسار الإصلاحات الاجتماعية، الضروري لشعب أنهكه الفقر وأتعبته الفوارق الاجتماعية التي تعمقت خلال عقود من حكم اليمين، ولمواصلة تخفيض عجز الميزانية لأدنى مستوياته مع نهاية سنة 2025.

وقد أثار اهتمام المراقبين أن انتخاب شينباوم للرئاسة، تواكب مع فوز حزب "مورينا" بأغلبية المقاعد في المؤسسة التشريعية. ويتحدث البعض عن مخاوف من القيام بإصلاحات دستورية قد تكون مضرة بالتوازنات السياسية والاقتصادية ومناخ الأعمال، ويخشى آخرون أن يؤدي ذلك لاستخدام الأجهزة الحكومية لخدمة أجندة حزبية والتحكم في مفاصل الدولة، بدل الانكباب على المشاكل الحقيقية للمكسيكيين، وتعزيز مسار الديمقراطية والانفتاح، في بلد لا يزال يحتاج لمزيد من الانفتاح قدر حاجته إلى التضامن الاجتماعي.

وينتظر كثيرون وجود تفاعل حقيقي للرئيسة الجديدة مع ما يجري في فلسطين من إبادة جماعية، وإنهاء التردد المكسيكي في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فقد أعلن سلفها التحاق بلاده بدعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، لكنه لم يعلن الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وهي مفارقة يسجلها المتابعون لشؤون العالم الناطق بالإسبانية، رغم انتماء حزب الرئيسة المنتخبة للطيف اليساري الحاكم في معظم أميركا اللاتينية، الذي يتبنى خطاب الانتصار لحرية الشعب الفلسطيني، وينتقد الدعم الأميركي لكيان الاحتلال الإسرائيلي بشراسة مفتقدة حتى عند النظام الرسمي العربي.

تخوفات لها ما يبررها، والأيام المقبلة كفيلة بتأكيدها أو نفيها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.