فرص وتحديات التقارب الروسي السوداني

أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، أن مجلس السيادة يمثل الشعب السوداني وجمهورية #السودان. يصف الشراكة بين السودان و #روسيا بأنها استراتيجية. من المتوقع تفعيل الاتفاقيات السابقة بين البلدين وزيادة التعاون في المجالات العسكرية والاقتصادية والتعدينية.
وصف نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الشراكة بين السودان وروسيا بأنها إستراتيجية وأنه سيتم زيادة التعاون في المجالات العسكرية والاقتصادية والتعدينية (مواقع التواصل الاجتماعي)

(نحن لا نشتري الحلفاء)، هكذا ابتدر الجنرال الروسي الكبير رئيس وفد التفاوض مع الحكومة السودانية في مقرّ منظومة الصناعات الدفاعية السودانية حديثه، بعد أن اطمأن إلى وضوح رؤية الجانب السوداني في ضرورة تطوير علاقات بلاده مع روسيا، وذلك في العام 2017 بعد الزيارة التاريخية للرئيس السابق عمر البشير لروسيا والتي مهدت لدخول فاغنر للسودان وأفريقيا الوسطى بعد ذلك.

في ذلك الاجتماع تمت مناقشة اتفاقيات التعاون الأربع بين البلدين، وهي: اتفاقية التعاون العسكري، تطوير قدرات الجيش السوداني، استخدام الموانئ والمراسي السودانية لدخول السفن الروسية، وأخيرًا اتفاقية نقطة الدعم اللوجيستي على البحر الأحمر.

اليوم، ومع تسارع خطوات توسيع التعاون بين السودان وروسيا بعد مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، تثور أسئلة عدة حول مدى نجاح هذا التقارب وتجاوزه للمخاطر المحيطة به.

فتحت زيارة المبعوث الروسي للشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف إلى السودان مايو/أيار الماضي الآفاق لتسريع وتيرة التعاون بين البلدين، فقد كشف مساعد القائد العام للجيش الفريق ياسر العطا النقاب عن اتفاق بين البلدين تزوّد بموجبه روسيا السودان بالذخائر والأسلحة مقابل تمكينها من إقامة محطة تزوّد على البحر الأحمر.

يعتبر هذا الاتفاق مهمًا للغاية من عدة أوجه، إذ إنه نقل الجيش السوداني من خانة التردد في المضي قدمًا مع موسكو منذ سقوط النظام السابق قبل خمس سنوات، إلى خانة التعاون المفتوح معها. كما أنه ساعد على إجلاء موقف روسيا من الاعتراف الكامل بشرعية مجلس السيادة، ودعم الجيش السوداني، وهو ما يعني تخليها عن التعاون مع الدعم السريع عبر مجموعة فاغنر.

لا شك أن هناك مجموعة من العوامل ساهمت في تشجيع الجيش لاتخاذ هذه الخطوة، وفي مقدمتها التطورات الميدانية على الأرض، وحاجة الجيش لحليف عسكري وسياسي قوي يدعم مواقفه.

فمنذ سقوط النظام السابق ظل قادة الجيش على تواصل دائم مع الولايات المتحدة الأميركية؛ أملًا في تطوير علاقات مثمرة معها، بل وقام الجيش بتجميد اتفاقية القاعدة الروسية على البحر الأحمر، والتي سبق أن وقع عليها النظام السابق في العام 2017، وبعدما صادقت الجهات الروسية عليها صرح رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان: (لدينا ملاحظات حول اتفاق القاعدة الروسية في السودان)، واستقبل بعدها بأيام السفير أندرو يانغ نائب قائد قوات الأفريكوم الأفريقية، وفهمت الزيارة حينها على أنها جزء من الترتيبات المتعلقة بتجميد ذلك الاتفاق.

بعد مرور عام على قيام الحرب ربما شعر قادة الجيش بنوع من الخذلان من الولايات المتحدة الأميركية التي لم تقدم شيئًا للسودان طوال السنوات التي أعقبت إسقاط النظام، بل ظلّ موقفها مرتبكًا ومملوءًا بالتناقضات والتردد.

كما أن تطاول أمد الحرب أملى على الجيش البحث عن خيارات أخرى وبدائل لتوفير المؤن والذخائر، خاصة بعد استهداف منظومة الصناعات الدفاعية من قبل الدعم السريع، وتأثر جانب كبير من عمليات التصنيع والإنتاج، ولا توجد دولة كروسيا قادرة على الاستجابة لتلك المطالب الملحة والفورية، فالسودان يعتبر ثاني أكبر مشترٍ للأسلحة الروسية منذ العام 2000، بجانب أن كل منظومة التصنيع في الجيش السوداني معتمدة على الأعيرة الشرقية، وذلك بسبب الحصار الأميركي والغربي الطويل على السودان.

كما أن سلاح الطيران كله مؤسّس على نتيجة التعاون بين السودان وحلفائه في روسيا والصين وأوكرانيا. أما السبب الثالث، فهو استعداد روسيا نفسها لاستئناف التعاون مع السودان بما يمتلكه من أهمية إستراتيجية هي في أمسّ الحاجة لها لتنفيذ خططها المتعلقة بالتوسع أفريقيًا، وذلك مع تنامي وجودها العسكري في القارّة. حيث أفاد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بأن أفريقيا استوردت خلال عامي 2015 و2019 ما يقارب الـ 49 بالمئة من معداتها العسكرية من روسيا، وكان السودان هو بوابتها للتغلغل في أفريقيا الوسطى، ولاحقًا النيجر وغيرها.

دوافع التقارب ومطلوباته

بالنسبة للسّودان الذي يخوض حربًا غير مسبوقة مع مليشيا الدعم السريع، يحتاج الجيش إلى إمداد مستمر من الذخائر والمؤن الحربية، وخاصة تلك المتعلقة بسلاح الطيران، حيث يمتلك السودان حوالي 13 طائرة قتالية من طراز ميغ روسية الصنع، وحوالي 20 طائرة هجومية من طراز سوخوي 24 و35 الروسية، إضافة لعدد كبير من طائرات الهليكوبتر الهجومية والناقلة، ويحتاج هذا الأسطول بالتأكيد للتطوير والصيانة والذخائر.

كما أن السودان بحاجة لحليف قوي في المحافل الدولية في ظل انحياز الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الغربيين والإقليميين لمجموعة (تقدم) المناصرة للدعم السريع والتي يرأسها رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك.

وظلت موسكو في حالة اختلاف مستمر مع المجموعة الغربية في أروقة مجلس الأمن، وآخرها في مارس/آذار الماضي، حين امتنعت عن التصويت على مشروع قرار قدّمته بريطانيا يدعو الطرفين لوقف النار خلال شهر رمضان الماضي، وقالت نائبة مبعوث روسيا لدى مجلس الأمن آنا إيفستغنيفا: (إن الأطراف السودانية هي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن الوضع في بلدها، وهي التي يجب أن تقرر مستقبله، وأن ممثلي المجتمع الدولي بمن فيهم أعضاء مجلس الأمن مهمتهم تيسير ذلك، وعدم فرض قواعدهم ومبادئهم على الدول ذات السيادة). وبالإضافة لذلك فإن السودان يأمل أن تساهم روسيا في تغيير مواقف بعض القوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع.

أما بالنّسبة لروسيا فإنها تعتبر السودان مدخلًا مهمًا لتنفيذ إستراتيجيتها التوسعية في أفريقيا باعتباره من كبار المشترين للسلاح الروسي، وأنه كان البوابة التي قادت روسيا إلى أفريقيا الوسطى قبل سنوات. غير أن النقطة الأساسية والمهمة هي الوجود الروسي على البحر الأحمر.

لماذا البحر الأحمر؟

في مارس/آذار الماضي وفي جلسة استماع في الكونغرس الأميركي قال الجنرال لانغلي قائد القوات الأميركية في أفريقيا: (إن أكبر تحدٍّ يواجه الإستراتيجية الأميركية في السودان، هو محاولة روسيا إيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر). ظل الاهتمام الأبرز لأميركا في حرب السودان هو محاولة منع روسيا من الاقتراب من البحر الأحمر الذي يشكل عمودًًا رئيسيًا في إستراتيجيتها تجاه أفريقيا لمكافحة الإرهاب والقرصنة، بجانب أن البحر الأحمر يعتبر ممرًا رئيسيًا للسفن التجارية، إذ تقدر السفن التجارية العابرة بأكثر من عشرين ألف سفينة سنويًا، وهو الطريق الذي ينقل نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية، وهو الهدف عينه الذي تسعى إليه الدول الأوروبية التي تنقل 60% من احتياجاتها النفطية عبره.

وبحسب إستراتيجية الأمن القومي الروسي التي صادق عليها الرئيس بوتين في العام 2016، تعتبر منطقة البحر الأحمر ذات أولوية مهمة؛ لأنّ الوجود الروسي فيها يساهم في فكّ الطوق عنها، وخاصة بعد العقوبات الغربية المشددة عليها مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك فإن ذلك الوجود سيعمل على مساعدة وتسهيل عمل الأسطول البحري الروسي المتواجد في المحيط الهندي، وتأمين صادراتها النفطية التي بلغت حوالي 34% عبر هذا الممر المائي الحيوي، ولكل ذلك فإن الإستراتيجية الروسية نصّت بوضوح على أنّ بناء القواعد العسكرية واللوجيستية هدفٌ محوري تسعى إليه موسكو.

مخاطر التقارب

في مقدّمة المخاطر تأتي ردة الفعل المتوقعة للولايات المتحدة الأميركية تجاه الطرفَين، ويبدو أنّهما على دراية بذلك التعقيد، فقد كتب المحلل العسكري ميخائيل خوداريونوك: (من المتوقع أن تتعرض السلطات السودانية لضغط كبير من واشنطن، ولا يستبعد أن يقوم البيت الأبيض بكل ما هو ممكن لإحباط الاتفاق). وتنظر روسيا بحسب إستراتيجيتها للأمن القومي، إلى الولايات المتحدة على أنها تقع في رأس المخاطر التي تهدد أمنها القومي، ولذلك فهي تتصرف في تحركاتها الدولية والإقليمية بناء على ذلك التصور الذي تعمقت قناعاته بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

أما السودان فهو مدرك أن فكرة الوجود الروسي تعود جذورها إلى طلب الحماية الشهير الذي تقدم به الرئيس السابق عمر البشير للحكومة الروسية (ضد التهديدات الأميركية)، ومع أن قادة الجيش حاولوا أكثر من مرة توضيح أن التفاهمات السودانية الروسية حول البحر الأحمر لا تستهدف أحدًا، لكن يبقى من الصعوبة أن تتفهم القوى الدولية (والإقليمية كذلك) دوافع السودان بعيدًا عن صراع النفوذ المتنامي حول المنطقة.

وقد جاء رد الفعل الأميركي مهددًا، ففي تصريحات صحفية قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية: (إذا اختار النظام العسكري في السودان مواصلة تنفيذ اتفاق بورتسودان، فإن ذلك سيتعارض مع مصالح السودان على المدى الطويل)، ولم يتوقف التهديد عند تلك النقطة، بل أردف المتحدث الأميركي قائلًا: (التعاون مع موسكو سيزيد عزلة النظام العسكري في السودان، ويعمق الصراع الحالي، ويخاطر بمزيد من زعزعة الاستقرار الإقليمي).

التحدي الثاني؛ هو حساسية موقف السودان الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع أوكرانيا، في ظل تقارير إعلامية غربية متواترة تتحدث عن دور مزعوم لأوكرانيا في الحرب الحالية في السودان. وفي أبريل/نيسان الماضي تسلم وزير الخارجية السوداني أوراق اعتماد السفير ميكولا ناهورني سفيرًا لأوكرانيا. والانتباه الواجب هنا هو العمل على ألا يتحول السودان لساحة تكون مسرحًا لحرب بالوكالة تستغلها القوى الدولية المناوئة لروسيا؛ بغرض الاستنزاف وتوسيع جغرافيا المواجهة معها.

أما التحدي الثالث والأخير؛ فيتعلق بالجانب الاقتصادي. إذ في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها السودان والتي تتطلب دعمًا عاجلًا قد لا تكون روسيا مهيأة له بما تواجهه من كلفة عالية للصرف على جبهة القتال في أوكرانيا. وفي ذات الوقت، فإن الاتفاقيات الخاصة بالتعدين والنفط قد تحتاج إلى وقت لكي يجني الطرفان ثمارها. ومن المعلوم أن الجانب السوداني لا يملك ذلك الوقت، وهو يخوض معركته الوجودية ضد الدعم السريع.

ولكل تلك الملاحظات، فإن الجانب السوداني بحاجة لتدعيم موقفه مع دول أخرى كالصين، إيران، قطر وتركيا؛ لإكمال منظومة التعاون العسكري والاقتصادي، وكلها دول ترتبط بمصالح حيوية وحقيقية مع السودان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.