حسابات معقّدة أمام هجوم إسرائيلي واسع على حزب الله اللبناني

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية الخيام بجنوب لبنان بالقرب من الحدود في 8 يونيو 2024 (الفرنسية)

"إذا أرادت إسرائيل خوض حرب شاملة فنحن جاهزون لها، وأي توسيع إسرائيلي للحرب على لبنان سيقابله خراب ودمار وتهجير في إسرائيل، فالمقاومة جاهزة للمعركة ولن تسمح لإسرائيل بتحقيق أي انتصار، قرارنا ألا نوسّع الحرب، لكننا سنخوضها إذا فرضت علينا"، بهذه الكلمات رد نعيم قاسم، عبر قناة الجزيرة (4 يونيو/حزيران الجاري)، على تهديدات إسرائيل بعملية واسعة في لبنان.

طوال الأشهر الثمانية الماضية، أجرت إسرائيل عدة مناورات عسكرية في شمال فلسطين، وأصدرت عشرات التهديدات على لسان رئيس الوزراء نتنياهو، ووزير الحرب غالانت، ورئيس هيئة الأركان هاليفي، وعلى ألسنة وزراء آخرين كوزير الأمن القومي بن غفير، ووزير المالية سموتريتش، ووزير الخارجية يسرائيل كاتس الذي أبلغ نظيره الفرنسي ستيفان سيجورنيه (1 مايو/أيار الماضي)، بأنه في حال لم ينسحب حزب الله (شمال الليطاني) فإن إسرائيل "ستكون قريبة من حرب شاملة معه".

في المقابل تعزّزت عمليات حزب الله واتّسعت، وأصبحت إمكانية توقف حزب الله وعودته عن التضامن مع غزة أمرًا بعيدًا إن لم يكن مستحيلًا، بعد أن ثبت عمليًا مصداقية، ما أكّده السيد حسن نصر الله، ونائبه الشيخ نعيم قاسم، بتلازم المسارات بين بيروت وغزة، وأنه لا وقف للاشتباك إلا بوقف العدوان على غزة، وهي الرسالة التي سمعها المبعوث الأميركي، آموس هوكشتاين تكرارًا أثناء تنقله بين بيروت وتل أبيب للوساطة ووقف القتال.

بنيامين نتنياهو مع فشله في تحقيق أهدافه، ما زال يصرّ ويعلن رفضه وقف إطلاق النار الدائم في قطاع غزة، وذلك في أكثر من مناسبة وعبر سلوكه السياسي مع جهود الوساطة المصرية والقطرية، حتى إنه ووزراء حكومته شكّكوا فيما طرحه الرئيس بايدن في خطابه في 31 مايو/أيار الماضي وما عَرَضه على أنه ورقة إسرائيلية تسعى لوقف إطلاق النار، واتهامهم له بأنه لم ينقل التصور الإسرائيلي بدقة، وأنه أساء التفسير، ولاحقًا امتنعت تل أبيب عن إبداء موافقتها على قرار مجلس الأمن الدولي الداعي لوقف إطلاق النار كهدف، بغض النظر عن التفاصيل والآلية التي توفّر للاحتلال فرصة التّملص من وقف العدوان الدائم على غزة.

استمرار رفض إسرائيل وقف إطلاق النار الدائم والانسحاب الشامل من قطاع غزة، يعني أن الحرب والعدوان على قطاع غزة جنوبًا، والاشتباك مع حزب الله شمالًا لن تتوقف، وهذا سيكون له تبعات كبيرة وأثمان باهظة متدحرجة على كافة الأطراف بما فيها إسرائيل؛ فاجتماعيًا تزايدت أعداد النازحين وبلغت نحو ربع مليون إسرائيلي بمعدل 4% من السكان الإسرائيليين، وارتفعت الفاتورة الاقتصادية المباشرة للعدوان على غزة بنحو 60 مليار دولار خلال الـ 6 أشهر الأولى، وتراجع الناتج القومي 22%.

ازدادت معاناة الضباط والجنود في الجيش المنهك منذ ثمانية أشهر، حيث تم تدمير وإعطاب نحو 45% من الآليات الثقيلة للجيش أثناء المعارك في غزة، مع وجود عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمرضى النفسيين، واستدعاء نحو 300 ألف من الاحتياط دون أفق زمني، إضافة إلى حاجة الجيش لاستدعاء نحو 50 ألفًا آخرين، ما سيؤدي إلى تعاظم الخلافات الداخلية بين المعارضة والحكومة، لا سيّما بعد أن نجح نتنياهو وحلفاؤه المتطرفون أمثال الوزيرين سموتريتش وبن غفير في تمرير قانون التجنيد بالقراءة الأولى عبر الكنيست (البرلمان)، والذي يُعفي الحريديم المتدينين (13% من السكان) من الجندية.

حسابات معقّدة ومآلات غامضة

حزب الله وفي أكثر من مناسبة أعلن أنه غير معنيّ بحرب واسعة أو إقليمية، وفي هذا السياق فإن سلوكه العسكري، رغم ارتفاع مستوى التصعيد، بقي يتعامل مع جيش الاحتلال وفق معادلات وقواعد اشتباك، متطوّرة ومتغيّرة تفرضها وقائع الميدان، لكنها تبقى دون الانزلاق إلى حرب موسّعة.

في المقابل تواصلت التهديدات الإسرائيلية، والمناورات العسكرية والعمليات اللوجيستية في الميدان مع الحدود اللبنانية، ولكنها لم تصل بعد إلى مستوى إعلان الحرب أو الهجوم الواسع على حزب الله. ويبقى السؤال؛ هل يمكن أن تذهب إسرائيل لحرب موسّعة ضد حزب الله؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من التوقّف على العديد من العوامل الكابحة والدافعة لهكذا مخاطرة حسّاسة، ومن العوامل الكابحة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

أولًا: أن إسرائيل غارقة في غزة

فهي فاشلة في تحقيق أهدافها هناك، وتعاني من حرب استنزاف قد تطول حسب تقديرات أجهزة المخابرات الأميركية، والمؤسسات الإسرائيلية الفنية كالجيش والأجهزة الأمنية. وإذا كانت إسرائيل عاجزة عن الحسم أو تحقيق النصر في غزة، فكيف لها أن تنتصر على حزب الله، وهو الأقوى تسليحًا كمًّا ونوعًا، ويتحرك في بيئة جغرافية تمنحه فضاءً وتساعده على المناورة وتوفّر له دعمًا لوجيستيًا هامًا؟

ثانيًا: واشنطن لا تريد الحرب الواسعة ضد حزب الله

تخشى واشنطن من تداعيات الحرب؛ لأنها ستفرض عليها الانتصار لإسرائيل عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وهذا يشكّل تحديًا أمام الإدارة الأميركية التي تخوض انتخابات رئاسية، حيث يعاني الرئيس بايدن من تراجع شعبيّته في ظل الانتقادات الحادّة له من شرائح واسعة من الشباب الأميركي، والأقليات المسلمة والعربية، والملوّنين، والليبراليين؛ بسبب دعمه لإسرائيل في حربها المجنونة ضد المدنيين في قطاع غزة والتي وصلت إلى حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

ثالثًا: لا تريد واشنطن تحوّل الحرب الواسعة ضد حزب الله إلى حرب إقليمية

تخشى واشنطن تحول الحرب إلى حرب إقليمية بدخول دول وكيانات سياسية أخرى في المعركة في سوريا والعراق وشرق المتوسّط، ودخول إيران على خطّ الدعم المباشر لحلفائها في هذه المعركة، ما يهدّد استقرار المنطقة برمّتها ويعرّض مصالح العديد من الدول للخطر، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي ستجد نفسها طرفًا مباشرًا في المعركة، وهذا يتعارض مع أولوياتها في التفرّغ للصعود الصيني والتمدّد الروسي في أوكرانيا وشرق أوروربا.

رابعًا: اضطراب الجبهة الداخلية الإسرائيلية اجتماعيًا وسياسيًا

حيث الخلافات على هوية الدولة بين العلمانية والدينية والخلافات على إعفاء المتدينين الحريديم من التجنيد وتعالي أصوات عائلات الجنود ودعوة أبنائهم لترك الجيش والتمرّد، إضافة إلى اتهام قطاع واسع جدًا من المعارضة، لبنيامين نتنياهو بأنه يخوض حربًا باسم إسرائيل لحسابات شخصية وسياسية تتعلق به وبحلفائه في الحكومة من التيار القومي الديني المتطرف أمثال وزير المالية سموتريتش، ووزير الأمن القومي بن غفير.

في المقابل هناك بعض المعطيات التي يمكن أن تحفّز بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف على الحرب ضد حزب الله، ومنها:

  • السعي لاستعادة الردع العسكري والأمني المتآكل بعد تعثر جيش الاحتلال في حربه على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول (معركة طوفان الأقصى)، وهو الأمر الذي يزداد ويتعمّق مع الوقت، وقد يظن نتنياهو وحلفاؤه المتطرفون من حوله أنهم قادرون على الإنجاز، عبر معركة هجومية ضد حزب الله، بدفع قوات الرضوان الخاصة لحزب الله بالابتعاد عن حدود فلسطين الشمالية حتى الليطاني بموجب القرار الأممي 1701، مظنّة أن هكذا هدف يمكن تحقيقه بالضغط العسكري بعد أن فشل المسار السياسي، ومن ثم فصل المسار بين بيروت وغزة.
  • تأمين عودة النازحين الإسرائيليين إلى مستوطناتهم في الشمال، وهو ما بات يؤرق القيادة السياسية؛ بسبب ضغط العائلات النازحة، واتّساع التذمّر في عموم الجبهة الداخلية التي تتهم القيادة السياسية بالفشل، وبأن عليها أن تؤمّن عودتهم بالقوة، حيث يؤيد نحو 55% من الإسرائيليين المستطلعة آراؤهم عملية عسكرية واسعة ضد حزب الله.
  • صحيح أن الإدارة الأميركية ترفض الحرب الموسّعة ضد حزب الله، خشية تداعياتها على الانتخابات الأميركية وعلى مصالحها الإقليمية والدولية، ولكن نتنياهو واليمين المتطرف قد يرون في ضعف الإدارة الأميركية في فترة الانتخابات وحاجتها لدعم اللوبيات الصهيونية في واشنطن، فرصة لابتزازها واستمرار دعمها لإسرائيل إذا ذهبت إلى لبنان في حرب موسّعة. الهجوم على حزب الله قد يطيل أمد المعركة، وهذا فيه مصلحة شخصية لبنيامين نتنياهو لاستمرار وجوده في السلطة، وقد يعطيه فسحة للبحث عن انتصار متوهّم أو متخيّل.

لا شكّ أن التحديات وعوامل الكبح للحرب الواسعة ضد حزب الله، هي الأقوى، ولكن لا بد من النظر إلى أن من يحكم إسرائيل الآن هم ساسة متطرّفون لهم قناعات وأهداف سياسية أيديولوجية أشبه بالأساطير، فهؤلاء يعتقدون بأنّهم قادرون على تحقيق إرادة الرب، بقتل أكبر عدد من الفلسطينيين والعرب، لتحقيق سيطرتهم المطلقة على أرض فلسطين، وأن المعركة الجارية قد تشكّل لهم فرصة لاستكمال ما يتطلعون له من إبادة أو تهجير لمن تبقى من الفلسطينيين في أرضهم، وهذا يستلزم في ظنهم فصل المسار بين حزب الله وحماس أو بين بيروت وغزة.

إن لم تكن الحرب قرارًا سياسيًا للاحتلال نتيجة العوامل المشار إليها آنفًا، يبقى خطر الانزلاق إلى معركة غير مخطّط لها، مع طول أمد القتال، أمرًا واردًا؛ فإقدام الاحتلال على اغتيال مسؤول القطاع الشرقي في حزب الله؛ طالب سامي عبد الله مع ثلاثة آخرين من الحزب في 12 يونيو/حزيران الجاري، كان نموذجًا لما يمكن أن يقع فيأخذ المشهد إلى مزيد من التصعيد تراكميًا، فحزب الله اضطر لأن يرد مباشرة على هذا الاغتيال بعمليات أوّلية قوية، وبرشقة صاروخية قوامها نحو 170 صاروخًا، استهدفت نحو 80 موقعًا حتى وصلت طبريا وصفد، وهي الدفعة الكبرى والأعنف منذ معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

نموذج تلك العمليات المتبادلة، في وقت تدور فيه الأحداث في حلقة من النار والقتال الشرس، دون وجود مخارج سياسية تحفظ للفلسطينيين الحد الأدنى من مطالبهم بوقف العدوان على قطاع غزة وانسحاب جيش الاحتلال بالكامل منه، يضع المنطقة على حافة صراع طويل، يصعب التكهن بمآلاته مع طول الزمن، وتسارع الأحداث، وكثرة اللاعبين السياسيين من دول وكيانات سياسية لا دولتية كحزب الله وحركة حماس التي يحكمها منطق الثورة والتمرّد على قواعد العمل السياسي والعسكري الذي تخضع له الدول بمعاييرها الكلاسيكية، وهذا ما يجعل إسرائيل أمام خيارات معقّدة وصعبة وهي تواجه نمطًا مختلفًا من العمليات القتالية التي لم تعتدْ عليها في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.