قصر مونكلوا والاعتراف بفلسطين.. دوافع وتأثيرات القرار التاريخي

نواب البرلمان وأعضاء الحكومة يحيّون رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بعد إلقاء خطاب أعلن فيه اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين (الفرنسية)

لم يكن القرار الإسباني بالاعتراف بالدولة الفلسطينية قرارًا عاديًا، بقدر ما شكّل نقلة نوعية في مسيرة الشعب الفلسطيني لنيل الاعتراف بدولته المستقلة بعد أكثر من 76 سنة على النكبة، وأكثر من مئة سنة من الاستعمار الصهيوني، وربيبه البريطاني الذي مهد له الطريق لاحتلال فلسطين.

وإذا كان لتداعيات عملية "طوفان الأقصى" التي ملأت الدنيا وشغلت الناس عبر العالم، الدورُ الأساسي في تحقيق الكثير من المنجزات للقضية الفلسطينية التي مرّ عليها حين من الدهر قضته متوارية بعيدًا عن اهتمام العالم، فإن واحدًا من هذه المنجزات، هو اعتراف قصر "مونكلوا" بمدريد – مقر إقامة وعمل رئيس الحكومة الحكومة الإسبانية – بدولة فلسطين، حيث لعبت فيه إسبانيا دورًا أساسيًا، جعل منها الدولة الأكثر تفاعلًا مع مطالب شعبها الذي بادر بإطلاق حراك شعبي في جميع مدن إسبانيا، يعتبر الأكثر تميزًا في عموم أوروبا.

لحظة تاريخية

لذا كان التفاعل الرسمي الإسباني معه مبكرًا. حيث التقط بيدرو سانشيز، رئيس الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، وزعيم الائتلاف الحزبي الحاكم في إسبانيا، خيوط اللحظة التاريخية، بُعَيْدَ تعيينه رئيسًا للحكومة الإسبانية للمرّة الثالثة، ليصرّح لوسائل الإعلام الدولية على الحدود المصرية الفلسطينية لما لها من رمزيّة – يوم الجمعة 24 نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 2023، إلى جانب رئيس الحكومة البلجيكية ألكسندر دي كرو، الذي تسلّمت بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي أول يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد انتهاء مدة الرئاسة الدورية الإسبانية – بلغة واضحة وصريحة، أنه "يجب احترام القانون الدولي، وأنه من غير المقبول استهداف المدنيين، كما أنّه ليس هناك حلّ عسكري للصراع، وثمة ضرورة ملحة للوقف النهائي لإطلاق النار".

كما أكّد الرجل "أنه على المجتمع الدولي وبشكل خاص، الدول الأوروبية الاعتراف بدولة فلسطين، وإن لم تفعل، فستكون إسبانيا هي السبّاقة لذلك". كانت هذه تصريحاته في إطار زيارة قام بها إلى فلسطين المحتلة التقى فيها نتنياهو، ومحمود عباس، حيث عبّر عن رفضه القاطع لقيام قادة الاحتلال بالقتل الأعمى للفلسطينيين، داعيًا إلى ضرورة دعم السلام بالمنطقة، وتطبيق حلّ الدولتين، الذي تقرّه عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي.

وعلى رأسها القرار 242 الذي صادق عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سنة 1967، متبوعًا بقرارات أخرى تدعو إلى إقرار السلم وانسحاب جيش الاحتلال من الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس الشرقية، والجولان السوري، إلى جانب احترام سيادة الدول واستقلالها السياسي، وحدودها الترابية.

وفي خطوة غير مسبوقة، بادر سانشيز إلى إقناع النرويج وأيرلندا للقيام بنفس المبادرة في أفق التحاق مالطا، وبلجيكا، وسلوفينيا، وربما لوكسمبورغ لاحقًا. ليصبح يوم الثلاثاء 28 من شهر مايو/أيار سنة 2024، يومًا تاريخيًا بكل المقاييس؛ لأنّه شهد صدور مرسوم عن المجلس الوزاري الإسباني يقرّ هذا الاعتراف، كما أنّ الخطوة الإسبانية الموالية المرتقبة هي تنظيم ندوة دولية للسلام، وهو تقليد اشتراكي دشّنه عميد الاشتراكيين الإسبان فيليبي غونزاليس سنة 1991 من خلال مؤتمر مدريد الشهير.

انعكاسات قانونية وسياسية هامة

الموقف الإسباني هذا، له دلالات رمزية وانعكاسات قانونية وسياسية هامة فيما يخصّ رسم معالم مستقبل الصراع العربي- الإسرائيلي. هذا الموقف من شأنه أن يسهم في إحداث تشققات على مستوى الهياكل المؤسساتية للقانون الدولي في كل أبعاده وتجلياته. لتؤكد إسبانيا بالملموس أنها صديقة العرب، ومناصرة للقضايا الإنسانية التحررية.

إسبانيا تنتصر للإنسان، تنتصر للحرية، تنتصر للقيم الإنسانية التي تضع الإنسان فوق كل الاعتبارات السياسية، والدينية، والأيديولوجية. فإسبانيا دولة لها حضور وازن في الاتحاد الأوروبي، الذي سبق أن صوّت برلمانه بالأغلبية لصالح الاعتراف المبدئي بدولة فلسطين، ودعم حل الدولتين شهر ديسمبر/ كانون الأول سنة 2014، ومن شأن ذلك أن يُحلحل مواقف دول الاتحاد الأوروبي، التي ما زالت مترددة في الاعتراف بدولة فلسطين. فعدد دول الاتحاد الأوروبي المعترفة بفلسطين قبل هذا الاعتراف، لم تكن تتجاوز الثمانية، هي: بلغاريا، قبرص، سلوفاكيا، هنغاريا، بولونيا، جمهورية التشيك، ورومانيا، التي ورثته جميعًا من مرحلة انتمائها للمعسكر الاشتراكي في شرق أوروبا، إلى جانب السويد التي اعترفت بدولة فلسطين سنة 2014.

اليوم، وبعد صحوة الضمير العالمي الذي لعبت فيه إسبانيا دورًا طلائعيًا، سيصبح عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين 147 دولة كاملة العضوية بهيئة الأمم المتحدة، إلى جانب الفاتيكان العضو الملاحظ بالهيئة الأممية.

موقف بيدرو سانشيز هذا سيضع دول الاتحاد الأوروبي التي ترفع شعارات مناصرة قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان في موقف حرج، خصوصًا دول، مثل: ألمانيا التي تحتاج علاقتها التاريخية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى كثير من المراجعة والتدقيق التاريخي الغائب أو المغيب قصدًا. كما أنّ موقف إسبانيا من شأنه أن يدفع دولًا أخرى داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه إلى أن تَحذو حذوَها.

إدانة صريحة

هذا الموقف الإسباني لم يكن موقفًا معزولًا بدون سوابق في تاريخ إسبانيا، بل له سوابق في تاريخ بلد بلاس إنفانتي، وأميريكو كاسترو، وخوان غويتيسولو، حيث إنّه في شهر نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2014 كان الكورتيس (البرلمان الإسباني)، قد حثّ السلطة التنفيذية من خلال قرار غير ملزم على الاعتراف بدولة فلسطين.

هذا إلى جانب كون مجموعة من الأحزاب السياسية ذات النفَس اليساري التقدمي؛ كحزب سومار، وحزب بوديموس، وحزب اليسار الجمهوري الكتالاني، وحزب أتشي بلدو الباسكي، سبق أن طالبت الحكومة الإسبانية مرارًا بقطع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع كيان الاحتلال، ووقف تصدير الأسلحة إليه.

كما كان للغة الإدانة الصريحة التي تكلمت بها وزيرة الحقوق الاجتماعية الإسبانية السابقة إيوني بيلارا القيادية في حزب بوديموس – قبل مغادرتها منصبها الحكومي شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي – لما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة من أفعال اعتبرتها جريمة حرب وإبادة جماعية مبرمجة، وقعُ الصدمة على قادة الاحتلال الإسرائيلي.

خاصة أنها اعتبرت أن إسرائيل تقوم بقصف المدنيين، تاركة مئات الآلاف منهم بدون ماء ولا كهرباء، ولا طعام، مما يعدّ عقابًا جماعيًا ينتهك بشكل خطير القانون الدولي الإنساني، ويمكن اعتباره جريمة حرب مكتملة الأركان، متهمة الاتحاد الأوروبي، والإدارة الأميركية بتشجيعها على ممارسة سياسة التفرقة والعنصرية والعدوان التي تنتهك حقوق الإنسان بصورة خطيرة.

ولعلّ تعيين السيدة سيرا عابد ريغو، وهي سياسية إسبانية من أصول فلسطينية، عن حزب سومار على رأس وزارة الشباب والطفولة – والتي ما زال والدها وإخوتها مقيمين في الضفة الغربية – يحمل إشارات ودلالات قوية على الأهمية الإستراتيجية للقضية الفلسطينية عند أصحاب القرار في إسبانيا. وهي الشخصية المعروفة في المشهد السياسي والمدني الإسباني بالدفاع عن قضية شعبها، وتحاول الصحافة الإسرائيلية باستمرار تشويه صورتها من خلال إعادة نشر تغريداتها وتصريحاتها حول الصراع العربي – الصهيوني.

كتابة تاريخ جديد

وقبل أن تنهض إسرائيل من صدمة الاعتراف الإسباني بدولة فلسطين، زادتها نائبة رئيس الوزراء الإسباني، وزعيمة حزب سومار اليساري يولاندا دياز من الشعر بيتًا، حين قالت: إن تحرك إسبانيا للاعتراف بالدولة الفلسطينية "مجرد بداية"، داعية إلى الضغط على الاتحاد الأوروبي؛ لإلغاء جميع الاتفاقيات مع إسرائيل. وختمت حديثها بعبارة: "فلسطين ستتحرر من النهر إلى البحر"، لتواجِه حملة شرسة من قادة الاحتلال الإسرائيلي، متهمين إياها بالتهمة الجاهزة: "معاداة السامية ومحاولة إبادة الشعب اليهودي"، مما اضطرها لإصدار توضيح بعد ذلك تقول فيه: إنها تقصد حل الدولتين: "فلسطين وإسرائيل تتعايشان جنبًا إلى جنب من النهر إلى البحر".

هو جدل محتدم إذن بين الجانبين: الإسباني والإسرائيلي، كان آخر فصوله ما أدلى به وزير الخارجية الإسرائيلي، بأن إسبانيا باعترافها هذا تقوم بالتحريض على "تصفية الشعب اليهودي". مما جعل وزير الخارجية الإسباني ألباريس يرد عليه قائلًا: إن إسبانيا تصطف مع الجهة الصحيحة من التاريخ، منتصرة للقانون الدولي والشرعية الدولية. وإن سحب السفير الإسرائيلي من مدريد والهجوم الشديد على إسبانيا ليس  له ما يبرره. وهو نفس الكلام الذي أكّده سانشيز يوم 28 مايو/أيار للصحفيين على هامش المجلس الوزاري.

وما زال الحبل على الجرار، فإسبانيا بدأت كتابة تاريخ جديد عن نضال الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، سيفتح الباب واسعًا أمام اعتراف مجموعة من مراكز القرار الرأسمالي الغربي التقليدية بدولة فلسطين، وفي هذا السياق صرحت بريطانيا بأنها تفكر في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي الدولة الاستعمارية التي كانت مسؤولة عن نكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948، كما صرحت فرنسا بأن التفكير في الاعتراف بدولة فلسطين لم يعد أمرًا محظورًا. كما أن أستراليا التي تعتبر امتدادًا للنسيج الاستيطاني الغربي في المحيط الهادئ، تحدثت عن تفكيرها في الاعتراف بدولة فلسطين.

كان الأديب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو – وفاءً لتقليد متوارث بين الأدباء اليساريين الذين واجهوا الفاشية في إسبانيا – من أبرز المؤيدين للقضية الفلسطينية، وكذلك عائلته المعروفة بإنجاب أدباء كبار، وانطلاقًا من هذا الموقف المبدئي زار فلسطين إبان انتفاضة الحجارة عام  1988، وتعرض لمضايقات الاحتلال الإسرائيلي، نظرًا لمواقفه الشهيرة؛ تأييدًا لفلسطين، وانتقادًا للاحتلال الإسرائيلي، ثم زارها مرة ثانية عام 2005، وشاهد حجم التراجع الذي أصاب القضية الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو، ووصفها بأنها كانت اتفاقيات استسلامية لا تليق بثورة شعب قدّم تضحيّات كبيرة في سبيل تحرير بلده من آخر استعمار أوروبي في العالم.مستحضرًا دومًا نضال الشعب الجزائري في مواجهة استعمار إحلالي شبيه بالاستعمار الصهيوني لفلسطين، وانتصاره عليه في النهاية.

ويبدو أن ضمير الثقافة الإسبانية الحي الذي انتصر لفلسطين وللشراكة مع العرب في الإرث الأندلسي التليد، كما عبّر عنه غويتيسولو ما زال ثاويًا في قلوب الشعب الإسباني، وهو ما يترجمه في دعمه الكبير للشعب الفلسطينيّ على جميع المستويات، وقد لا يكون الاعتراف الإسباني بدولة فلسطين نقطة النهاية في هذه المسيرة الطويلة من الدعم والتضامن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.