مقتل رئيسي لن يغير إيران لكنه يجلب تحديات جديدة لها

الراحل إبراهيم رئيسي يعد ثامن رئيس لإيران، وقد انتخب عام 2021 خلفًا للرئيس حسن روحاني (وكالة الأنباء الأوروبية)

أثبت النظام في إيران بتغلّبه على تحدّيات كبيرة واجهها على مدار أربعة عقود ونصف العقد أنه لا يزال قويًا بما يكفي لضمان استقراره، حتى بعد الصدمة الكبيرة التي أحدثها مصرع الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته ومسؤولين آخرين في حادثة تحطم المروحية. مع ذلك، تُثير الحادثة تساؤلات حول ظروفها، وما إذا كانت تُعطي انطباعات حسّاسة عن النظام لم تكن ظاهرة في السابق.

لأن نظرية المؤامرة عادة ما تجد هامشًا لها للانتشار في حوادث من هذا النوع، خصوصًا في بلد كإيران، فإنّ الرواية الحكومية، التي أرجعت الحادثة إلى سوء الأحوال الجوية، لا يُمكن أن تكون مُقنعة للبعض في الداخل والخارج، حتى لو كانت حقيقة. ويستند المتشككون بوجود مؤامرة وراء تحطم المروحية إلى اعتقادين؛ أولهما: وجود صراع أجنحة داخل النظام أدّى إلى "تحييد" رئيسي، وثانيهما: ضلوع إسرائيلي محتمل في الحادثة.

في بلد لا يُمكن فيه لرواية غير تلك التي تُقدّمها السلطة أن تُقدم إجابات حاسمة، حتى لو لم تكن مُقنعة، تبقى حجج سيناريو المؤامرة تفتقر إلى مُعطيات ملموسة وتستند في الغالب إلى تصورات مُسبقة ولا يُمكنها منافسة الرواية الحكومية؛ لأن النظام قادر في النهاية على تشكيل الحقيقة حتى لو لم تكن كذلك. وحتى مع فرضية المؤامرة، فإنه لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن النظام يُعاني من مُشكلة داخلية كبيرة، أو أن رحيل رئيسي قد يؤدي إلى مُشكلة من هذا النوع. ولا يرجع ذلك فحسب إلى أن المرشد الأعلى للجمهورية خامنئي هو القائد المحوري في النظام، أو إلى الآليات الدستورية الواضحة التي تُنظّم عملية الانتقال من رئيس إلى آخر في مثل هذه الظروف، بل إلى حقيقة أكثر أهمية وهي أنّ الحالة الإيرانية تُقوّض قدرة الأزمات، التي يُمكن أن تُشكل تهديدًا وجوديًا للنظام، من فعل ذلك.

إن سيناريو وجود صراع أجنحة داخل النظام، لا يؤخذ على محمل الجد، كما لا يُمكن تجاهله تمامًا. لكنّه يبقى يتعارض مع حقيقة أن المكانة القوية والحاسمة، التي يتمتع بها المرشد داخل النظام، تمنع صراعًا من هذا القبيل – إن وُجد – من تشكيل تهديد وجودي له. كما أنه على عكس أنظمة في دول أخرى شهدت صراع أجنحة داخلها من أجل السلطة وأدّت إما إلى انهيارها أو انقسامها وضُعفها، فإن الطبيعة الدينية المُهيمنة للنظام في إيران، تحول دون بروز صراعات من هذا النوع، لأن المنافسة، إن كانت موجودة، تكون على الولاء للنظام قبل أن تكون على امتلاك القوة.

أما عن فرضية تورط إسرائيلي، فإن الرواية الحكومية قطعت الطريق حتى الآن على إمكانية تبنيها ضمنًا أو علنًا. وحتى لو كانت هذه الفرضية مُمكنة، فإنه من غير المتصور بأي حال أن تُغير من الرواية الإيرانية لأن اتّهامًا من هذا القبيل سيفرض على إيران ردًا يجلب مخاطر باهظة على نظامها.

بمعزل عن هذه الفرضيات، فإن ما يعني الآن هو معرفة ما إذا كان النظام سيتأثر برحيل رئيسي. على مدى السنوات والعقود الماضية، لم تؤثر الحركات الاحتجاجية المتعددة المناهضة للنظام على استقراره ونفوذه، رغم أن المقاطعة القياسية للانتخابات الرئاسية الأخيرة شككت في شرعيته. كما أن الصعوبات الاقتصادية الكبيرة، التي يُعانيها الإيرانيون بفعل العقوبات الغربية، لم تؤدِّ إلى خلق أزمة وجودية له. والسبب أن قدرة النظام على مواصلة الحكم كل هذه العقود تستمدّ قوتها بدرجة أساسية من تماسكه وقبضته القوية والتغييرات الهائلة التي أحدثها على بنية المجتمع الإيراني.

يُمكن تصنيف هذه التحديات على أنّها نقاط ضعف مزمنة لا يُمكن التخلص منها، لكنّ تأثيرها لا يزال أقل من تأثير نقاط القوة التي يتمتع بها النظام. فمن جانب، كانت زعامة خامنئي ضمانة للحفاظ على استقرار النظام. وما دام أنه على رأس النظام، فإنه سيواصل لعب هذا الدور. ومن جانب آخر، كان سماح النظام للتيار الإصلاحي بلعب دور أكبر في السياسة الداخلية – منذ رئاسة محمد خاتمي وحتى رئاسة حسن روحاني – مصممًا للتكيّف التكتيكي مع التحولات التي طرأت على المجتمع والسياسة، وللمناورة في السياسة الخارجية.

ومع أن رئيسي لم يكن يحظى بكاريزما كبيرة على غرار أسلافه السابقين، إلا أن رئاسته صُممت لتحقيق هدفين رئيسيين في السياسة الداخلية؛ أولهما: استعادة قوة المحافظين وتحجيم التيار الإصلاحي، وثانيهما: تهيئته لاحتمال خلافة المرشد في المستقبل.

من غير المرجّح أن يؤدي رحيل رئيسي إلى آثار على السياسة الداخليّة في المستقبل المنظور أو إلى تحوّلات في السياسة الخارجية. لكنّه قد يُربك خطط النظام للمُستقبل. حقيقة أن رئيسي كان من المرشّحين البارزين المحتملين لتولي منصب المرشد إلى جانب منافس محتمل آخر هو مُجتبى خامنئي نجل المرشد، تُشير إلى أن رحيل رئيسي سيُغيّر من ديناميكيات المنافسة على مستقبل النظام بعد المرشد الحالي.

من المقرر أن تُجرى انتخابات رئاسية في يونيو/ حزيران المقبل لاختيار رئيس جديد، ومن غير المتصور أن تكون نتائج الإقبال على التصويت فيها أعلى مما كانت عليه في الانتخابات السابقة. لكن ذلك لن يؤدي بأي حال إلى تشكيل تهديد وجودي للنظام. مع ذلك، فإن الاختبار الأصعب، الذي يواجه النظام بعد رحيل رئيسي هو المضي قدمًا في إدارة البلاد دون خلق انطباع بأن رئيسي كان عقبة أمام تهيئة حقبة ما بعد المرشد الحالي.

قد يبدو من المبكّر الحديث عن مستقبل النظام، لكنّ وفاة رئيسي، أظهرت أن هذا الحديث لم يعد سابقًا لأوانه؛ لأن رحيله جلب بالفعل بعض المعضلات الكبيرة له إن على مستوى إجراء انتخابات رئاسية لا تكون مصممة مسبقَا لانتخاب مرشح بعينه، وتقنع الإيرانيين بالتصويت فيها؛ لتعزيز شرعية النظام، أو على مستوى عملية تهيئة البلاد لما بعد المرشد الحالي. في نهاية المطاف فإن الهدف الرئيسي للنظام في السياسة الداخلية أو الخارجية يتلخص في ضمان بقائه والحفاظ على قوّة المحافظين وإرث خامنئي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.