هل تستطيع الديمقراطية أن تدافع عن نفسها؟

لقد عجزت هذه السلطة وبشكل لافت عن اكتساب قوة رمزية بعد أن بددت أرصدتها (الجزيرة)

منذ الانقلابِ الذاتيّ الذي قام به رئيسُ الدولة قيس سعيّد في تونس، وهذا السؤال يتردّد بين كل المدافعين عن المسار الديمقراطيّ. أولًا بسبب الإحباط الذي خلّفه ما حصل في البلاد، وثانيًا بسبب الخوف من أن ينهي هذا التراجع عن الديمقراطية democratic backsliding كل آمال التونسيّين التي توارثوها جيلًا بعد جيل.

لكن مع بداية السنة السياسيّة الحالية تصاعد الحديث عن الانتخابات الرئاسيّة القادمة باعتبارها فرصة جدية لتثبيت مكسب الانتقال السلميّ للسلطة، ووفقًا للإرادة الشعبيّة. ولئن نجح التونسيون في هذا الاختبار في ثلاث مناسبات على الأقلّ (2011 – 2014 – 2019)، إلا أن تعثّر الانتقال الديمقراطي في 25 يوليو/تموز 2021 قد يلقي بظلال من الشكوك هذه المرّة، خاصة أمام تدهور المناخ السياسيّ والحقوقيّ، والاستفراد بالسلطة، وإلغاء كل المؤسَّسات الدستورية الأخرى، سوى السلطة الرئاسويّة.

فعمل قوى المعارضة قد انصبّ منذ تفرُّد الرئيس بكلّ السلطات على تعبئة الشارع السياسي وتوحيده حول الدفاع عن الحريات والمكاسب الديمقراطية، والمراهنة على تراجع الدعم الشعبيّ للسلطة، تحت وطأة الفشل في إدارة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، حتى ذهبت الآمال بالبعض إلى ذكرى تفجّر الغضب الشعبي في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، وما تلاه من أحداث.

بعد كل هذه المدة، لا أحد يغفل اليوم عن عزلة سلطة 25 يوليو/ تموز سياسيًا في الداخل والخارج، كما لا يغيب عنّا انحصار شعبيتها وتراجع حماس أنصارها، خاصةً في ظلّ الأداء الاقتصادي الضعيف. لكن مع ذلك لم يسقط الانقلاب، ولا حتى تراجع عن هجمته على النّاشطين السياسيين، بل وعلى العكس من ذلك، في كل يوم جديد نسجل تراجعات إضافية عن كل المكاسب والضمانات التي أرستها عشريّة الانتقال الديمقراطي. فمنذ انتخاب الرئيس الحالي قيس سعيد سنة 2019، وبروز مؤشّرات الأزمة السياسية الحالية، ذهبت مطالب القوى السياسيّة والاجتماعية إلى الدعوة للحوار الوطنيّ والضغط لتحقيق هذا الهدف.

لكن أمام غطرسة السلطة الرئاسيّة وتماديها في تهديد المسار الديمقراطيّ، وصولًا للانقلاب عليه، لم يتبقَّ إلا مقاومة هذا التراجع المتصاعد عن الديمقراطية والمناداة بإسقاط مسار 25 يوليو/تموز. من هذا المنطلق جاء قرار مقاطعة الاستفتاء، ثم الانتخابات التشريعية وكذلك المحلية، واعتبرنا أن ما يمكن أن نكسبه من مواقع ضغط داخل مؤسّسات، بلا صلاحيات، لا يقارن في فاعليتِه السياسية بما يمكن أن تضفيه تلك المشاركة من شرعية على مسار انقلابي اخترق كل الإجراءات الدستورية وتبين أنه ليس سوى تحالف داخلي وإقليمي لوأد المسار الديمقراطي واجتثاث أركانه ومقوماته، من مؤسسات منتخبة وأحزاب ومنظمات ومجتمع مدني.

ومع تقدم مسار 25 يوليو/ تموز سرعان ما تحوَّلت التهديدات إلى انتهاكات تجاوزت ضحاياها حتى الآن العشرات من المعتقلين من السياسيين والنشطاء والإعلاميين والنقابيين ومن الشباب والنساء، الذين وجدوا أنفسهم تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب، مثلهم في ذلك كمثل كل المارقين عن قيم الحداثة السياسيّة والاجتماعيّة، والمتمرّدين على الدولة بقوّة السلاح.

كما استمرّ العبث بالمؤسسات تفكيكًا وتجميدًا وتدجينًا حتى لم يتبقَّ في البلاد من مجال لممارسة السلطة إلا في حيز ضيّق مختزل في حكم فردي مطلق. فبعد تجميد البرلمان ثم حلّه، تعدّت السلطة الرئاسية إلى حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وهيئة مكافحة الفساد، وجمّدت هيئة الإعلام، ودجّنت هيئة الانتخابات.

بل وصل الأمر إلى سنّ قوانين جائرة مثل المرسوم 54 المجرّم لحرية الصحافة، والتعبير، كما استعمل قانون الطوارئ بشكل متعسّف ودون ضوابط في غلق مقرات حركة النهضة وحزب تونس الإرادة، وجبهة الخلاص الوطني من خلال قرار إداري صادر عن وزير الداخلية. من جهة أخرى، فقد أدّى هذا الانحراف في ممارسة السلطة إلى تعطيل دواليب الدولة، وربط كل مؤسساتها وأجهزتها بإدارة رئاسية تتدخل في الصغير قبل الكبير.

لذلك يمكننا القول اليوم إن هذا المسار لم يكتفِ بضرب المكاسب الديمقراطية والحقوقية، بل رافق ذلك حصيلة أخرى ثقيلة ومكلفة وخطيرة على مستقبل الدولة التونسية، واستقرارها وقدرتها على النهوض بالمهام الأساسية الموكولة لها.

لقد عجزت هذه السلطة وبشكل لافت عن اكتساب قوّة رمزية بعد أن بددت أرصدتها من خلال صور اتصالية مزرية. كما لم تنجح في توسيع شعبيتها، بل على العكس تراجع التأييد الشعبي لسياساتها، بعد الفشل الاقتصادي الكبير، وتوتّر علاقاتها مع الشركاء التقليديين لتونس ما أثر سلبًا على التمويل الخارجي للاقتصاد الوطني. وما زاد في هذه الوضعية الهشة أن السلطة فشلت حتى في بناء منظومة حكم متماسكة تحافظ من خلالها على استقرار ولو نسبيًا للوضع الداخلي.

وبالمقابل أيضًا، بقيت المقاومة الفعّالة للانقلاب ضيقة ومحصورة في جزء من الشارع السياسي الذي بدأ بدوره يفقد تعبئته المعنوية. واستمرت الانقسامات السياسية التي تسببت (إلى جانب أسباب أخرى)، في هذا الانقلاب، وبان ضعف الالتفاف الشعبي حول الحركة الديمقراطية، التي لم تنجح بدورها في إعادة الأمل لليائسين من التونسيين. هذا الوضع المتهالك لدى السلطة والمعارضة خلق فراغًا سياسيًا في البلاد استحال ملؤُه حتى الآن. الأمر الذي يمكن أن يمهّد لبروز وضعيّات سياسية لن تكون في مصلحة الديمقراطية واستعادة المسار الديمقراطي.

لقد برز منذ بداية السنة السياسية اهتمامٌ بالاستحقاق الرئاسي في الساحة السياسيّة تعويلًا من أصحابه على إغلاق قوس الانقلاب عبر الانتخابات، باعتبار أن الانتخابات الرئاسية 2024، تعد واحدة من أهمّ استحقاقات دستور 2014، وأنه في ظل العجز عن فرض مطلب الانتخابات المبكرة الذي طالبت به القوى المقاومة للانقلاب سابقًا، تصبح المطالبة باحترام موعد 24، مطلبًا ديمقراطيًا قويًا، وإن عدم استجابة السلطة لهذا المطلب سيقوّض أي موعد انتخابي جديد، وسيسحب الشرعية الانتخابية (آخر شرعية متبقية للسلطة بعد أن فقدت شرعيتها الدستورية والسياسية). لذلك يجب أن يكون التمسك بموعد 24 عنوان معركة نضالية وسياسية، تخوضها القوى الديمقراطية من موقع قوة الحجّة السياسية والأخلاقية.

وفي الحقيقة، الأمر ليس هينًا. فبعض الآراء الصادقة والمناضلة لا ترى جدوى في هذه المشاركة، وتعتبر أن ذلك يتناقض مع تشخيص طبيعة السلطة الانقلابية، فضلًا عن كونه بلا أفق سياسي. لكن، وبعيدًا عن النقاشات الدستورية حول شرعية هذا الاستحقاق الرئاسي من عدمها، فإن الخلاف يبدو أعمق من هذا بكثير؛ وهو مشكل يتعلّق بقدرة الديمقراطية في الدفاع عن نفسها، وفاعلية النضال الديمقراطي في مواجهة الاستبداد والدكتاتورية.

لا أعتقد أن العمل الديمقراطي يكتسب قيمته فقط في ظلّ واقع الحريات والانفتاح السياسي، فنضال الديمقراطيين من أجل الحرية والعدالة يمتلك من الأدوات السلمية والمدنية ما يستطيع من خلاله أن يحقّق انتصارات رمزية لقضيته، ولكن أيضًا تعبئة وطنية ودولية تساعد على استعادة المسار الديمقراطي. فعندما كنا نردّد باستمرار شعار: "مقاومة الانقلاب" إنما كنا نقصد من خلال ذلك ممارسة المعارضة المدنية السلمية والقانونية لانقلاب 25 يوليو/تموز دون أن نعترف بشرعية ما قام به من إجراءات استثنائية.

الفرق بيّنٌ بين المعارضة الديمقراطية التي تعترف بالشرعية الانتخابية والدستورية للسلطة القائمة دون التسليم لها بموافقة مقارباتها، ومقاومة الانقلاب التي تعارض بالوسائل الديمقراطية دون الاعتراف بأية شرعية لما هو قائم. لم تكن هذه المقاربة شرطًا فقط لاستمرارية حالة المقاومة ونزع الذرائع أمام تغوّل السلطة ونهمها للبطش والفتك، ولا لقدرة هذا الخيار على التعبئة الشعبية والسياسية، وليس فحسب تماهيًا مع منظومة فكرية ترسّخت في قناعات أصحابها تؤمن بالتغيير السلمي وفق الآليات الديمقراطية، ولكن أيضًا بسبب فاعلية هذا النضال المدني السلمي ونجاعته في إسقاط الدكتاتوريات، واستئناف المسار الديمقراطي في مختلف تجارب العالم.

ورغم أنّ الانقلاب لم يسقط واقعيًا حتى الآن، لكن هذا النهج النضالي لا شكّ ساهم وبقوة في تغيير موازين القوى، وفي تحول العزلة إلى معسكر السلطة وأنصارها بعد أن كانت قوى المقاومة هي التي تعاني من الحصار والضعف في الأيام الأولى من الانقلاب.

في حقيقة الأمر التمسّك بموعد استحقاق 24، والنضال من أجل شروط الانتخابات الحرّة والنزيهة، وفرض المشاركة الجدية هي الامتداد الطبيعي لهذا النهج الذي توخّته قوى مقاومة الانقلاب منذ اليوم الأول لتشكلها. فإما أن نظفر بفرصة المنافسة الحقيقية لاستعادة الديمقراطية المغدورة، وإما أن نفضح تزييف وتزوير السلطة بما يفرغ هذا الاستحقاق من كل قيمة سياسية، ويحوّله إلى بؤرة جديدة لفضح صورة السلطة المنقلبة على المؤسسات الشرعية وعلى دستور الثورة.

اليوم نحن أمام اختبار جديد، هل تمتلك القوى الديمقراطية ما يلزم من الوعي للمراهنة على تحويل الموعد الانتخابي القادم إلى محطة نضالية لاسترجاع المسار الديمقراطي، أم أن صراعاتها الضيقة وحساباتها الصغيرة التي أوصلتها لحالة التصدع التي تعيشها، هي التي ستعوقها عن الالتقاء على الحد الأدنى الديمقراطي، وعلى رؤية نضالية متماسكة تجعل من الاستحقاق القادم فرصة حقيقية لاستعادة الدولة والمنظومة الديمقراطية المنتهكة.

وحتى لا نبشّر بوهْم، وحتى يتحمل كل مسؤوليته، فإنه للأسف مازال هذا المطلب بعيد التحقق. وكل المبادرات التي تقدم بها أصحابها حتى الآن اصطدمت بجدار الإقصاء. وفشلت كل محاولات تجاوز التناقضات، رغم طرح فكرة تقييم مسار الانتقال الديمقراطي، واستخلاص الدروس، لإيجاد أرضية سياسية مشتركة.

إلا أنّ ذلك لم يكن كفيلًا بإزالة التناقضات السياسية والأيديولوجية، وحتى تجاوز المنازعات الشخصية طوال العشرية. ولعلّ أبرز محاولة لتوحيد القوى الديمقراطية هي ما اصطلح عليه بـ "مبادرة خيام التركي ورفاقه" والتي حوّلتها السلطة إلى مؤامرة على أمن الدولة بعد أن أحسّت بخطورة التقاء أهم القوى السياسية في البلاد.

ورغم أنّ تاريخ الحركة السياسية في تونس غني بتجارب التنسيق والعمل المشترك، منذ الثمانينيات تحت مظلة السيد أحمد المستيري -رحمه الله- ثم في التسعينيات مع السيد محمد مواعدة -رحمه الله- وخاصة في تجربة 18 أكتوبر/تشرين الأول، بمشاركة أحزاب ليبرالية وعروبية وإسلامية ويسارية، رغم هذا الثراء السياسي، فإن الثقافة السياسية الضعيفة وتراجع دور النخب السياسية والفكرية، كل ذلك عطل توحيد التيار الأساسي المدافع عن الديمقراطية في مواجهة الردّة التي تعيشها تونس الآن.

لا شكّ أن الرهان على التغيير السياسي عبر الصندوق، والزخم الذي سيحدثه موقف المشاركة والحراك الناتج عنه، كل ذلك سيمكّن من تسريع تعديل موازين القوى الشعبية والسياسيّة لصالح الديمقراطية، وبشكل حاسم. ولئن لم تحسم أغلب القوى موقفها في علاقتها بالمشاركة من عدمها، إلا أنها تتّفق جميعها على الشروط والضمانات اللازمة لنجاح هذا الاستحقاق متمثلة خاصة في:

  • إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين.
  • ضمان استقلالية هيئة الانتخابات.
  • استقلال السلطة القضائية.
  • إلغاء حالة الطوارئ والمرسوم 54.
  • عدم تغيير القانون الانتخابي.
  • ضمان حق الجميع في الترشح.
  • رفع التضييق على حرية التعبير وعدم المسّ بالحقوق والحريات.
  • أن اتفاق كل القوى السياسية على هذه المطالب، كما هو مفترض، يتطلب عملًا مشتركًا على تثبيتها والنضال من أجل تحققها.

ومع ذلك فلا أحد يعتقد اليوم بالفعل أن هذه السلطة يمكن أن توفر طائعة هذه الشروط والضمانات، لذلك يجب أن تتحول هذه الشروط إلى أجندة نضالية سياسيًا وميدانيًا لفرضها إن أمكن، وإلّا ففضح تجاوزات السلطة وانتهاكاتها الحاصلة، بما يؤدي لإعاقة مشروع تجديد الشرعية الانتخابية الذي تعمل على تحقيقه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.