الجلادون الإسرائيليون التوّاقون للفظائع

تواصل طائرات ومدفعية الاحتلال الإسرائيلية منذ أكثر من 7 أشهر قصفها العنيف منازل المواطنين في قطاع غزة (وكالات)

اركضْ، يطالب الإسرائيليون، اركض من أجل حياتك. اركض من رفح بالطريقة التي ركضت بها من مدينة غزة، والتي ركضت بها من جباليا، والطريقة التي ركضت بها من دير البلح، والتي ركضت بها من بيت حانون، والطريقة التي ركضت بها من بني سهيلة، والتي ركضت بها من خان يونس.

اركض وإلا سنقتلك. سنسقط قنابل ضد المخابئ تزن 2000 رطل على خيامك. سنرشّك بالرصاص من طائراتنا بدون طيار المجهزة بمدافع رشاشة. سنضربك بقذائف المدفعية والدبابات. سنقتلك بالقناصة. سنهلك خيامك ومخيمات اللاجئين، ومدنك وبلداتك ومنازلك، ومدارسك ومستشفياتك، ومحطات تنقية المياه الخاصة بك. سنمطر الموت من السماء.

نفي الآخر

اركض من أجل حياتك. مرارًا وتكرارًا. قمْ بجمع المتعلقات القليلة المثيرة للشفقة التي تركتها: البطانيات، اثنين من الأواني، بعض الملابس. لا يهمنا مدى إرهاقك، أو مدى جوعك، أو مدى رعبك، أو مدى مرضك، أو كم عمرك، أو كم أنت صغير.. اركض.. اركض.. اركض. وعندما تهرب في رعب إلى جزء من غزة، سنجعلك تستدير وتركض إلى جزء آخرٍ.. وأنت محاصر في متاهة من الموت.. ذهابًا وإيابًا، لأعلى ولأسفل.. ثم نقوم بترحيلك حتى لا تتمكن من العودة أبدًا، أو سنقتلك.

دع العالم يدين إبادتنا الجماعيّة. ما الذي يهمّنا؟ تتدفّق المليارات من المساعدات العسكرية دون رادع من حليفنا الأميركي: الطائرات المقاتلة، قذائف المدفعيّة، الدبابات، القنابل، إمدادات لا نهاية لها. نحن نقتل الأطفال بالآلاف، ونقتل النساء وكبار السن بالآلاف.. يموت المرضى والمصابون، بدون دواء ومستشفيات.. نحن نسمم الماء.. لقد قطعنا الطعام. لنجعلك تتضور جوعًا، لقد خلقنا هذا الجحيم. نحن الأساتذة، والقانون، ومدونة قواعد السلوك.

نحن نذلّك.. نرعبك.. نستمتع بخوفك.. نحن مستمتعون بمحاولاتك المثيرة للشفقة للبقاء على قيد الحياة.. أنت لست إنسانًا.. نحن نشبع شهوتنا للهيمنة. انظر إلى منشوراتنا على وسائل التواصل الاجتماعي.. يُظهر أحدها جنودًا يبتسمون في منزل فلسطيني مع المالكين مقيدين ومعصوبي العينين في الخلفية.. نحن ننهب السجاد، مستحضرات التجميل، الدراجات النارية، المجوهرات، الساعات، النقود. الذهب. الآثار. نحن نضحك على بؤسك، ونشجع موتك، ونحتفل بديننا وأمتنا وهويتنا وتفوّقنا، من خلال إنكار دينك ومحوه.

فسادنا أخلاقي. الفظائع هي بطولتنا. الإبادة الجماعية هي فداؤنا.

يعرف جان أميري، الذي كان في المقاومة البلجيكية خلال الحرب العالمية الثانية والذي تم القبض عليه وتعذيبه من قبل الجستابو في عام 1943، السادية بأنها "النفي الجذري للآخر، والإنكار المتزامن لكل من المبدأ الاجتماعي ومبدأ الواقع. في العالم السادي، التعذيب والدمار والموت انتصار، لتحقيق السيادة الكاملة من خلال إنكار إخوانه من البشر".

لا قيود قانونية

بالعودة إلى تل أبيب، القدس، حيفا، نتانيا، رمات غان، بتاح تكفا، من نحن؟ غسّالو الأطباق والميكانيكيون، وعمال المصانع، وجامعو الضرائب وسائقو سيارات الأجرة، وجامعو القمامة، والعاملون في المكاتب، لكننا في غزة أنصاف آلهة. يمكننا قتْل فلسطيني بملابسه الداخلية، يجثو على ركبتَيه، ويتوسل من أجل الرحمة ويداه مقيدتان خلف ظهره. يمكننا القيام بذلك مع الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا، والرجال الذين تتجاوز أعمارهم 70 عامًا.

لا توجد قيود قانونية، أو قانون أخلاقي، لا يوجد سوى الإثارة المسكرة للمطالبة بأشكال أكبر وأكبر من الخضوع، والمزيد من أشكال الإذلال.

قد نشعر بعدم الأهمية في إسرائيل، ولكن هنا، في غزة، نحن كينغ كونغ، طاغية صغير على عرش صغير. نخطو عبر أنقاض غزة، محاطين بقوّة الأسلحة الصناعية، قادرين في لحظة على سحق كتل سكنيّة وأحياء كاملة، ونقول، مثل فيشنو: "الآن أصبحتُ الموتَ، مدمّر العوالم".

لكننا لسنا راضين ببساطة عن القتل. نريد أن يُكرِّم الموتى السائرون ألوهيتنا.

هذه هي اللعبة التي لُعبت في غزة. كانت اللعبة التي لعبت خلال الحرب القذرة في الأرجنتين عندما "أخفى"  المجلس العسكري 30000 من مواطنيه. تعرض "المختفون" للتعذيب – من لا يستطيع أن يسمي ما يحدث للفلسطينيين في غزة بالتعذيب؟ – وتم إذلالهم قبل قتلهم. كانت أيضًا اللعبة التي لعبت في مراكز التعذيب السرية والسجون في السلفادور والعراق. هذا ما ميّز الحرب في البوسنة في معسكرات الاعتقال الصربية.

يمرّ مرض سحق الروح هذا عبرنا مثل التيار الكهربائي. إنه يصيب كل جريمة في غزة، إنه يصيب كل كلمة تخرج من أفواهنا. نحن – المنتصرين – رائعون. والفلسطينيون لا شيء، وسيتم نسيانهم.

الخط الأحمر لـ "بايدن"

مازح الصحفي الإسرائيلي يينون ماغال في برنامج "هاباتريوتيم" على القناة الإسرائيلية 14، بأن الخط الأحمر لجو بايدن هو قتل 30000 فلسطيني. سأل المغني كوبي بيريتز عما إذا كان هذا هو عدد القتلى ليوم واحد. اندلع التصفيق والضحك وسط الجمهور.

نضع علبًا "مفخخة" تشبه علب الطعام في الأنقاض. يصاب الفلسطينيون الجائعون أو يقتلون عندما يفتحونها. نبث أصوات صراخ النساء والأطفال الذين يبكون من المروحيات الرباعية لجذب الفلسطينيين حتى نتمكن من إطلاق النار عليهم. نعلن عن نقاط توزيع الأغذية، ونستخدم المدفعية والقناصة لتنفيذ المذابح.

نحن الأوركسترا في رقصة الموت هذه.

في قصة جوزيف كونراد القصيرة "بؤرة للتقدم"، يكتب عن اثنين من التّجار البيض الأوروبيين، كارلييه وكايرتس، يتم إرسالهما إلى منطقة تجارية في الكونغو. بهدف نشر الحضارة في أفريقيا، لكن الملل وعدم وجود قيود يحوّلان الرجلين بسرعة إلى وحوش. تاجرا بالعبيد مقابل العاج. دخلا في عداء بشأن تضاؤل الإمدادات الغذائية. أطلق كايرتس النار على رفيقه غير المسلح كارلييه وقتله.

كتب كونراد عن كايرتس وكارلييه: "كانا شخصين غير مهمين وغير قادرين تمامًا":

"وجودهما لا يصبح ممكنًا إلا من خلال التنظيم العالي للجماهير المتحضرة. قليل من الرجال يدركون أن حياتهم، وجوهر شخصيتهم، وقدراتهم وجرأتهم، ليست سوى تعبير عن إيمانهم بسلامة محيطهم. الشجاعة، رباطة الجأش، الثقة؛ المشاعر والمبادئ؛ كل فكرة عظيمة وكل فكرة تافهة لا تنتمي إلى الفرد بل إلى الجماعة؛ إلى الجماعة التي تؤمن بشكل أعمى بالقوة التي لا تقاوم لمؤسساتها وأخلاقها، وبسلطة شرطتها ورأيها. لكن الاتصال بالوحشية الصرفة غير المبررة، بالطبيعة البدائية والإنسان البدائي، يجلب اضطرابًا مفاجئًا وعميقًا إلى القلب.. إلى الشّعور بكون المرء وحيدًا من نوعه.. إلى الإدراك الواضح لعزلة أفكاره، وعزلة أحاسيسه".

رفح هي الجائزة في نهاية الطريق. رفح هي حقل القتل العظيم حيث سنذبح الفلسطينيين على نطاق غير مرئي في هذه الإبادة الجماعية. شاهدنا. ستكون طقوس العربدة من الدم والموت. ستكون قصة همجية تروى. لن يوقفنا أحد. نحن نقتل في نوبات من الإثارة. نحن آلهة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.