هل تريد أميركا وقف الحرب فعلًا؟

الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث أمام أنصاره في تجمع انتخابي (رويترز)

ما أكثر ما كُتب من تحليلات حول الموقف الأميركيّ، منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، وما أكثر التناقضات والتغيرات في التصريحات الأميركية على مدى الأشهر الماضية، لدرجة أصبح من الصعب معرفة ما يريده الأميركان، وإلى أي مدى يمكن أن يؤثّر الموقف الأميركي في مسار الأحداث ومآلاتها.

سأحاول قراءةَ الموقف الأميركي استناداً إلى ملاحظات عامة على تحركات الإدارة، والتصريحات التي تصدر على لسان المسؤولين والمتحدثين، وارتباط كل ذلك بالتطورات الميدانية.

تراجع أهمية الموقف الأميركي

لعلها المرَّة الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي التي تكون فيها أميركا على هذا المستوى المتدنّي من الضعف، وعدم القدرة على التأثير الحاسم في مسار الحرب.

من الواضح أنّ الاحتلال الإسرائيلي ما زال مطمئنًا إلى أن أميركا، لن تتخذ مواقف خشنة للضغط على نتنياهو، وأن أي تصريحات ليست ذات قيمة ما دامت أنها لم تتحوّل إلى إجراءات عسكرية أو سياسية واضحة.

ومع ذلك فثمة مؤشرات غير مطمئنة لنتنياهو تتعلّق بموضوع الإمداد بالذخيرة، أهمها تلك المساءَلة التي تعرّض لها وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أمام لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ، والتي تركّزت على تعليق شحنة من السلاح كان يفترض إرسالها إلى الاحتلال بعد بدء عملية اجتياح المنطقة الشرقية من رفح، رغم اعتراض الإدارة الأميركية المتكرّر على قيام الاحتلال بعملية واسعة في رفح.

وأكد وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، أن قرار الرئيس جو بايدن تعليقَ شحنة أسلحة إلى إسرائيل اتُّخذ في سياق خطط الأخيرة لشنّ هجوم على رفح تعارضه واشنطن، من دون ضمانات جديدة لحماية المدنيين.

وقال وزير الدفاع الأميركي: "لم نتخذ قرارًا نهائيًا بشأن كيفية المضي قدمًا فيما يخصّ تلك الشحنة".

أثارت هذه التصريحات موجة عارمة من ردود الفعل لدى إسرائيل وأنصارها الصهاينة، وزاد من ذلك الغضب التصريحاتُ التي أدلى به الرئيس بايدن نفسه في مقابلة مع "سي إن إن"، والتي قال فيها: إنه إذا غزت إسرائيل مدينة رفح، فإن الولايات المتحدة ستتوقف عن إمدادها بقذائف المدفعية، وقنابل الطائرات والأسلحة الهجوميّة الأخرى.

وفي نفس الوقت قال: "ستواصل تزويد إسرائيل بأسلحة دفاعية".

لعل أقوى ردود الفعل الإسرائيلية على هذه التصريحات، ما صدر عن الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، الذي كتب على حسابه على منصة "إكس": إن حماس تحبّ بايدن". وسارع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى التعليق على ذلك بالقول: من الضروري تجنب التصريحات غير المسؤولة والمهينة التي تضرّ بمصالح إسرائيل الأمنية.

أما نتنياهو، فقد ساند بن غفير ودافع عن موقف حكومته في موضوع دخول رفح، وقال: إذا تعين على إسرائيل أن تقف بمفردها وأن نقاتل بأظفارنا فحسب إن اقتضت الحاجة، فسنفعل.

وكان متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية قال الأربعاء: إن إسرائيل ليس لديها ما تضيفه بشأن وقف الولايات المتحدة إمدادها ببعض الذخائر. وذكر أنه علم بأمر التقارير عن ذلك، لكنه قال: "أنا، بشكل شخصي، والحكومة الإسرائيلية ليس لدينا ما نضيفه بشأن هذه التقارير".

وخلافًا لتلك التصريحات قال بيني غانتس عضو مجلس الحرب والمنافس القوي لنتنياهو في استطلاعات الرأي وفي العلاقة مع الإدارة الأميركية: أنا أعتقد أن شحنات السلاح الأميركي ستتواصل.

مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى

بدا واضحًا اهتمام الولايات المتحدة بمسار المفاوضات الأخيرة، وليس أدلّ على ذلك من مشاركة مدير المخابرات المركزية شخصيًا في المفاوضات، ولو بطريقة غير مباشرة.

وفي المرحلة الحسّاسة تحرك شخصيًا نحو إسرائيل في محاولة يائسة لإقناع نتنياهو بقبول الورقة الأخيرة التي صاغها بنفسه تقريبًا أو بجهد مشترك مع الوسيطَين: المصري والقطري، وهي الورقة التي قبلتها حماس بشكل مفاجئ لا يخلو من الحنكة والدهاء السياسي، في وقت كان يتوقع الاحتلال أن ترفضها، مما يعطيه الأريحية لاجتياح رفح دون إثارة غضب أو انزعاج الأميركان.

ألقت حماس حجرًا كبيرا في بُحيرة نتنياهو وحكومته الراكدة التي يتحكم بها المتطرفون مما خلق ارتباكًا كبيرًا في الموقف تجاه تلك الورقة. وبدلًا من محاولة التأقلم مع هذا الوضع الجديد واستمالة الأميركي وعدم التمادي في مخالفة ما يريده، فقد اتجهت حكومة نتنياهو بالاتجاه المعاكس تمامًا، وبدأت عملية مثيرة للجدل في رفح وأرسلت وفدًا للقاهرة محملًا بمواقف وملاحظات على الورقة تنسف جوهرها، وتدمر جهدًا كبيرًا بذله وليام بيرنز مدير المخابرات الأميركية على مدى أيام طويلة، بتكليف مباشر من الرئيس بايدن، الأمر الذي وضعه في حرج كبير أمام الوسطاء وأمام حماس التي أظهرت تعاونًا ومرونة كبيرة في التعاطي مع جهود بيرنز والوسطاء.

الصراعات الداخلية والمنافسة الانتخابية

ومع كل ما سلف لا يمكننا أن نطمئن للموقف الأميركي أو نراهن عليه لأن التحالف العميق بين الإدارة الأميركية وإسرائيل ما زال أقوى تحالف عسكري في العالم.

المشهد الأميركي في الداخل مشهد كثير التعقيد والارتباك، فمن جانب تستعر الحملة الانتخابية، وموضوع دعم إسرائيل سيكون مادة أساسية لاستقطاب الناخبين؛ نظرًا لقوة تأثير اللوبي الصهيوني في هذه الانتخابات ماليًا وإعلاميًا، فقد تحرك الجمهوريون بطريقة مثيرة للاستغراب والاستهجان، وشنوا حملة شرسة على الرئيس بايدن وإدارته؛ بسبب قرار تعليق شحنة الأسلحة.

وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في مؤتمر صحفي للتعليق على تصريحات بايدن:" إسرائيل تقاتل قتالًا عادلًا يتوافق مع القوانين الدولية، وليس هناك حلٌّ لاستعادة المختطفين غير زيادة الضغط على حماس، وأنا أثق في إسرائيل أكثر مما أثق في وزير الدفاع الأميركي، وعلى بايدن إعادة النظر في قرار تجميد شحنة الأسلحة لإسرائيل!"

وأمام هذا الوضع فإن الإدارة الأميركية تبدو على مفترق طرق، وأمامها خيارات صعبة للغاية، فإما أن تتمسك بمسارها الحالي، ومحاولة إنجاز صفقة من خلال مزيد من المحاولات التفاوضية مع الأطراف، وهو مسار تشوبه الكثير من المصاعب؛ أهمها أن إستراتيجية نتنياهو التي يتبعها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تقوم على أساس استمرار الحرب إلى ما لا نهاية؛ لأن توقفها سيسبب له ولحكومته مصاعب لا حصر لها، فضلًا عن آثاره بعيدة المدى على مكانة إسرائيل وقوتها في حال بقيت حماس كقوة سياسية وعسكرية متحكّمة بالمشهد الفلسطيني.

أما المسار الثاني، فهو أن يدخل بايدن وإدارته وحزبه في منافسة مع الحزب الجمهوري على استرضاء نتنياهو واستعطاف اللوبي الصهيوني، وهو ما سيضعه في مواجهة صراعات مع قطاعات واسعة داخل حزبه، وداخل المجتمع الأميركي مع فئة الشباب الذين ظهر صوتهم عاليًا في حراك الجامعات، وفي استطلاعات الرأي التي تظهر اتجاهًا قويًا نحو ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وحرب الإبادة المتواصلة منذ سبعة أشهر.

كما أن ذلك سيفرض عليه التعامل مع احتمالات تصعيد كبيرة في الشرق الأوسط، تسبب أضرارًا بالغة بمصالح الولايات المتحدة، وتسمح بدخول منافسين جدد على الخط، مثل: روسيا، والصين بالتعاون مع إيران وحلفائها، وهو ما يشكل الكابوس الدائم لبايدن وإدارته التي ترغب بالعودة إلى مسار التطبيع، وإغلاق المنطقة تمامًا؛ لتبقى أميركية خالصة وتحدد هي الأدوار والمساحات التي يسمح لخصومها الإقليميين أن يعملوا فيها، بما لا يؤثر على السيطرة الأميركية إستراتيجيًّا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.