نتنياهو مخادع لكن سياسة بايدن أكثر سوءًا

بايدن ونتنياهو - المصدر: الجزيرة - ميدجورني
بايدن ونتنياهو - المصدر: الجزيرة - ميدجورني

مع دخول الحرب الإسرائيليّة على غزة منعطفًا حاسمًا بتحرُّك الجيش الإسرائيلي نحو منطقة رفح وسيطرته على الجانب الفلسطينيّ من معبر رفح البري مع مصر، قرّر الرئيس الأميركي جو بايدن تعليقَ شحنة أسلحة كانت مُخصصة لإسرائيل في أول إجراء عقابي ضدها منذ اندلاع الحرب، ولوّح بحجب مزيد من الأسلحة عنها في حال نفذت اجتياحًا بريًا واسعًا في المنطقة. ويُظهر تصعيد بايدن ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الولايات المتحدة لن تكون مستعدة بعد الآن للتغاضي عن مساعي نتنياهو لدفع الحرب إلى نقطة أكثر خطورة.

منذ اليوم الأول للحرب وضع نتنياهو ثلاثة أهداف رئيسية لها، وهي: استعادة الرهائن، والقضاء على حركة حماس، ومنع أن تُشكل غزة تهديدًا مستقبليًا لأمن إسرائيل. وعندما يُصر الآن على مواصلة الحرب فإنه يُظهر تصميمًا على تنفيذ ما سبق أن تعهّد به. لكن معارضته مقترح الصفقة الأخير، الذي قبلته حركة حماس، يكشف أن المرونة، التي تصنّع بها مع جهود الوسطاء، لم تعْدُ كونها أحد أساليبه المخادعة؛ لتضليل الرأي العام الإسرائيلي والعالم، ولمحاولة كسب مزيد من الوقت؛ لمواصلة الحرب لأطول فترة مُمكنة.

إن فكرة تحقيق نصر بالطريقة التي يُريدها نتنياهو، فقدت واقعيّتها منذ فترة طويلة، وهو ما يدفعُه إلى إعادة تصميم إستراتيجيته في الحرب؛ للحفاظ على ائتلافه الحكومي مع شركائه المهووسين بقتل الفلسطينيين وتهجيرهم

مع ذلك، فإن سياسة بايدن في الحرب كانت حتى وقت قصير جدًا أكثر سوءًا من نتنياهو نفسه؛ لأنّها صُممت منذ البداية، على غرار مُعظم السياسة الغربية، لتتلاءم تمامًا مع بعض النتائج التي أراد نتنياهو الوصول إليها اليوم. ويبدو من الصعب معرفة ما إذا كان نهج بايدن الجديد مع نتنياهو قادرًا على عكس المسار؛ لأن الأخير لم يعد يولي أهمية لتجنب فقدان دعم الولايات المتحدة، بالقدر الذي يوليه لاستمرار الحرب، والحفاظ على ائتلافه الحكومي مع شركائه المتطرفين.

على مدى أشهر طويلة من هذه الحرب، عارضت الولايات المتحدة، الكثيرَ من الخطوات الإسرائيلية، لكنها لم تنجح في منع حدوثها. ولا يرجع ذلك إلى أن إدارة بايدن لم تكن قادرة على ممارسة ما يكفي من الضغط على نتنياهو؛ لتجنب هذه الخطوات، بل لأنها ظلت لفترة طويلة تُفضل التماهي مع نتنياهو، لدرجة أنه أصبح يعتقد على نحو متزايد أن بايدن أكثر خداعًا منه. لذلك، لن يكون للإجراءات العقابية الأميركية ضد إسرائيل والتلويح بمزيد منها، أية قيمة مؤثرة، إذا لم تنجح في منع نتنياهو من مواصلة المضي قدمًا في السيطرة على رفح.

لأن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه النتائج الكارثية للحرب؛ كونها قدّمت لإسرائيل كافة أشكال الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، فإن مسألة رفح تُقدم فرصة لبايدن للتكفير عن بعض الذنوب التي ارتكبها، إذا ما نجح في إجبار نتنياهو على التخلي عن هدف رفح، والقبول بإبرام صفقة مع حركة حماس تؤدّي إلى إنهاء الحرب.

يُدرك الفلسطينيون -كما كثير من الإسرائيليين ممن سئموا وعود نتنياهو المتكررة باقتراب النصر- أنه مُخادع، وأن المطالب التي يطرحها في المفاوضات مُصممة لإفشال أية صفقة بقدر أكبر من الوصول إليها. كما أن تحرك الجيش الإسرائيلي نحو رفح بعد ساعات قليلة من قبول حماس مقترح الوسطاء القطريين والمصريين، يؤكد أن نتنياهو ليس مُستعدًا بعدُ لقبول صفقة تُجبره على الاعتراف بفشل تحقيق أهداف الحرب.

وعندما أعلنت حركة حماس قبولها مقترح الوسطاء، كانت تعلم مُسبقًا أن نتنياهو سيُعارضه. لذلك، كان قبولها مُصممًا بدرجة أساسية لكشف خديعة نتنياهو أمام العالم، وإفساد اللعبة المزدوجة التي مارسها مع الأميركيين خلال الأسابيع الماضية من المفاوضات؛ لإظهار أنّ الحركة عائق أمام إنجاز الصفقة.

لم يكن العالم بحاجة إلى دليل آخر على أن نتنياهو لا يُريد لهذه الحرب أن تنتهي. وقد يكون التحرك الإسرائيلي الجزئي في رفح مُصممًا للضغط على حركة حماس؛ لانتزاع صفقة بشروط أفضل لنتنياهو. وقد يفاقم توسيع الهجوم على رفح من التوترات الأميركية الإسرائيلية. لكنّ الحقيقة الثابتة حتى الآن أنّ واشنطن لم تمارس بعدُ نفوذها القوي على نتنياهو، لإجباره على التفكير في مخرج للحرب.

قال الرئيس بايدن في 7 مايو/ أيار الجاري؛ إنّ الولايات المتحدة ستبقى تُظهر التزامها بدعم إسرائيل حتى في الوقت الذي لا ترضى فيه عن طريقة إدارة نتنياهو للحرب. كيف يُمكن لواشنطن إذًا أن تُحول غضبها من نتنياهو إلى ممارسات عملية تُجبره على تغيير إدارته للحرب، إذا كانت تُبلغه بشكل صريح بأنّها ستبقى تدعمه بمعزل عن أي شيء؟

على الرغم من أن بعض العقبات، التي تظهر في تفاصيل مشروع الصفقة، يُمكن للوسطاء التغلب عليها من خلال تدوير الزوايا بين مطالب حماس وإسرائيل، لكنّ العقبة الكبرى، التي تعترض هذه الصفقة، تتمثل في نتنياهو، الذي يُريد مواصلة الحرب من أجل الحرب فقط. ولا يوجد طرفٌ قادرٌ على إزالة هذه العقبة سوى الولايات المتّحدة.

إن فكرة تحقيق نصر بالطريقة التي يُريدها نتنياهو، فقدت واقعيّتها منذ فترة طويلة، وهو ما يدفعُه إلى إعادة تصميم إستراتيجيته في الحرب؛ للحفاظ على ائتلافه الحكومي مع شركائه المهووسين بقتل الفلسطينيين وتهجيرهم، وإعادة احتلال قطاع غزّة، ونشر الاستيطان فيه. ورضوخ العالم الآن لخديعته بشأن رفح، يمنحه شعورًا بالقدرة على مواصلة الحرب لأطول فترة مُمكنة، وبتكاليف محدودة على علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة والعالم.

ولأن إدارة الرئيس بايدن قبلت أن تكون منخرطة في خديعة نتنياهو، كما كانت شريكة سياسيًا وعسكريًا في المذبحة التي يرتكبها في غزة، فإنها أصبحت عُرضة لابتزازه أكثر من أي وقت مضى. لم يتبقَّ على الانتخابات الرئاسية الأميركية سوى بضعة أشهر، وهو ما يحدّ من خيارات بايدن للتوفيق بين التماهي مع سياسات نتنياهو في الحرب وبين الحدّ من آثارها على فرص إعادة انتخابه.

ولنتذكّر أن طلاب الجامعات الأميركية، الذين انتفضوا للمطالبة بإنهاء الحرب، أدانوا السياسة الأميركية في الحرب بقدر أكبر من إدانة إسرائيل. لقد أحدثت سياسة بايدن في الحرب ضررًا داخليًا كبيرًا له، وتسببت بضرر بالغ لمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ويبدو من الصعب عليه إصلاح هذا الضرر بالكامل بأي حال. لكنّ قضية رفح تُقدم له فرصة لإصلاح بعض الضّرر.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.