برديات هيركولانيوم: فصول من التاريخ غير المنشور

بينما يؤرخ لتاريخ الفلسفة منذ القرن الثامن عشر بالنشأة الأوروبية واليونانية الخالصة، كان تأريخها قبل ذلك ينظر إليها كملكية عالمية للبشرية وللثقافات المختلفة
التراث الإنساني، بثرائه وتنوعه يمثل مخزنًا للمعرفة حيث يضم مساهمات العلماء والفلاسفة والفنانين والمبتكرين عبر العصور (بيكس هير)

المخطوطات وبقايا التراث الإنساني، ليست مجرد أوراق مكتوبة، بل هي نوافذ مفتوحة على عوالم ماضية، تقدّم لنا وسيلة عظيمة لسبر أغوار الإنسانية، وتفهم أثر التاريخ والثقافة على الهُوية الفردية والجماعية. وتعتبر رحلة عظيمة في عالم متنوع وغني بالتجارب والتعاليم التي شكّلت تطور الإنسان عبر العصور.

في هذا العالم الذي يحفل بالأساطير والحكايات البطولية والحب والحرب والسلام، نجد قصصًا لا حصر لها تعكس تجارب البشر ونضجهم الروحي، فالتراث الإنساني، بثرائه وتنوعه يمثل مخزنًا للمعرفة على مرّ العصور: القديمة والحديثة على حد سواء. كما أنه يضم مساهمات العلماء والفلاسفة والفنانين والمبتكرين عبر العصور، وهذه المعرفة تساهم في تقدم البشرية وتوجيهها نحو المستقبل.

تراث إنساني مشترك

تعكس فنون التراث الإنساني بطرق متعددة، سواء في الرسم أو الموسيقى أو الأدب أو العمارة، تعبيرًا عن مشاعرنا وأفكارنا. فهى ليست مجرد وسيلة للتعبير الفني، بل هي أيضًا انعكاس للقيم والعادات التي تنتقل عبر الأجيال، مما يساهم في تذكيرنا بجذورنا وتعزيز ارتباطنا بها.

وهناك بعض الشخصيات التاريخية التي تتجاوز أهميتها حدود الشعوب أو الأمم التي تنتمي إليها، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من تراثنا الإنساني المشترك.

من ناحية أخرى، تشكل الاكتشافات العلمية العظيمة جزءًا هامًا من هذا التراث، حيث تعكس تقدمًا معرفيًا لا يعيقه حدود جغرافية، ليصبح ملكًا للبشرية جمعاء.

يعد الفيلسوف اليوناني أفلاطون، أحد أعظم الفلاسفة في التاريخ، واحدًا من تلك الشخصيات الاستثنائية، حيث تجاوزت أفكاره وفلسفته الحدود الزمانية والجغرافية لتصبح مصدر إلهام للبشرية بأسرها. كما تعتبر إسهاماته الفلسفية من أعظم ما أنتجه الفكر البشري، حيث تمكن من صياغة أفكار ومفاهيم تجاوزت عصره تفاعل معها الناس عبر القرون. ومع ذلك، وعلى الرغم من أهمية أفلاطون التاريخية وتأثيره الكبير، إلا أن مكان قبره ظل لغزًا من بين الألغاز التاريخية التي استمرّت في إثارة اهتمام العديد من الباحثين والعلماء على مرّ السنين.

حل اللغز

كانت محاولات العثور على مكان قبر الفيلسوف اليوناني أفلاطون جزءًا من جهود البحث الأثري المستمرة، حتى نجح العلماء أخيرًا في حل اللغز والكشف عن موقع دفنه. جاء ذلك تزامنًا مع اكتشاف مجموعة من المخطوطات عند جبل فيزوف، الذي يحتفظ في بطنه ببركان هو الأشهر في التاريخ، حيث أطلق عليها "برديات هيركولانيوم المتفحمة". والتي كانت تُستخدم في العصور القديمة كوسيلة للكتابة والتوثيق. في النهاية، كشفت البرديات أن أفلاطون دُفن في حديقة الأكاديمية في أثينا، المدرسة التي أسّسها عام 387 قبل الميلاد.

هذا الاكتشاف المهم جاء من خلال جهود الباحث الإيطالي"جرازيانو رانوكيا" من جامعة بيزا، أثناء عرض النتائج متوسطة المدى لمشروع بحث "المدارس اليونانية". باستخدام تقنيات وأساليب جديدة، ساعدت الباحثين على استقراء أكثر من ألف كلمة، وهو ما يمثل حوالي ثلاثين بالمائة من النصوص المحترقة.

وما يزيد من أهمية هذه المخطوطات أنها كشفت أيضًا تفاصيل حول حياة أفلاطون، حيث تشير إلى أنه تم بيعه كعبد في جزيرة إيجينا في وقت مبكر من حياته، ربما في عام 404 ق.م، عندما غزا الإسبرطيون الجزيرة، أو في عام 399 ق.م، بعد وفاة سقراط.

ثوران بركاني مدمر

فى عام 79 م بينما كان سكان المدن الواقعة جنوب نابولي، مثل بومبي وهيركولانيوم وستابيا، منشغلين بأنشطتهم اليومية، وقع ثوران بركاني عنيف وغير مسبوق. تدفقت الحمم البركانية والرماد والصخور المتوهجة بكثافة على المناطق المحيطة، مما أدى إلى غمر كل ما واجهه، من منازل وحتى الأشخاص. وقد نتج عن هذا الثوران البركاني المأساوي مشهد مدمر قام بتوثيقه الكاتب الروماني بليني الأصغر في رسالتين كتبهما إلى صديقه كورنيليوس تاسيتوس، المؤرخ الروماني الشهير. وأحد أشهر الكتّاب في العصور القديمة.

في هذه الرسائل، وصف بليني الأصغر الأحداث المؤلمة لثوران فيزوف، بما في ذلك وفاة عمه الأكبر، المؤرخ والفيلسوف ورجل الدولة الروماني بليني الأكبر، الذي توفي اختناقًا في ستابيا بينما كان يحاول تقديم المساعدة لسكان المدينة الذين توافدوا على الشواطئ هربًا من الحمم البركانية والرماد.

يقدم هذا التوثيق التاريخي لمحة عن حجم الدمار الذي أحدثه بركان فيزوف، وكيف أدى إلى دفن مدن بأكملها تحت الرماد والحمم. كما أن شهادة بليني الأصغر تُظهر مدى تأثير هذه الكارثة على حياة الناس في تلك المناطق، وكيف واجهوا واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرًا في التاريخ القديم.

قصر البرديات

اكتشاف برديات هيركولانيوم كان أحد أكثر الأحداث الأثرية أهمية في العصر الحديث. هذه البرديات اكتُشفت في أنقاض قصر مدفون تحت الأرض يُعتقد أنه كان مملوكًا لوالد زوجة يوليوس قيصر، لوسيوس كالبورنيوس بيزوكيسونينوس، وتشكل مجموعة من حوالي 1800 مخطوطة، ويرجح العلماء أن كاتبها هو الفيلسوف فيلوديموس وجميعها قد تفحم نتيجة ثوران بركان فيزوف، إلى جانب آلاف الآثار الأخرى. يعود اكتشاف هذه البرديات إلى القرن الثامن عشر أثناء أعمال التنقيب في المنطقة، وأُطلق عليها اسم "برديات هيركولانيوم" نسبةً إلى المدينة التي دُفنت فيها.

كانت المحاولات الأولية لقراءة هذه البرديات صعبة للغاية؛ بسبب تفحمها، حيث تحولت معظم اللفائف إلى رماد متفحم، مما جعل عملية استعادة المعلومات المحفوظة فيها شبه مستحيلة. ومع ذلك، وبفضل التقدم العلمي الهائل الآن، أصبح من الممكن للباحثين قراءة محتوى هذه البرديات بشكل لم يكن متوقعًا من قبل.

ولا تزال هذه البرديات تخبئ الكثير من الأسرار والدهشة والمعرفة للبشرية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.