حسن البنا مفتيًا

حسن البنا.. بين دروع المريدين وسِهام الأعداء
حسن البنا (مواقع التواصل الاجتماعي)

ربما يستغرب العنوانَ كثيرون من أهل الاطّلاع والبحث، فهل يعرف حسن البنا بالإفتاء؟ لقد عرف بأنّه داعية، وخطيب مصقع، وكاتب في المجال الدعوي صاحب عبارة رشيقة، وفكرة مشهورة، سواء اتفقت معه أم اختلفت، فهل يعرف عن البنا اشتغاله بالفتوى؟ وهل كان مؤهلًا لها؟

مما يؤسف له أن كثيرًا مما يصدر عن بعض المحسوبين على الدوائر العلمية في بلادنا، يعتمد على المزاجية، أو الحب والبغض للشخص، دون أن يكلّف المتكلم أو الباحث نفسه عناء البحث بإنصاف وحَيدة، فبغضّ النظر عن موقف هذا أو ذاك من حسن البنا أو جماعته، في الموقف السياسي منها، فإن التعجل بالحكم على البنا بنفي الصفة العلمية عنه، هو تسرّع غير مدروس، ينفيه البحث العلمي النزيه بلا مراء.

عطاء البنا الفقهي

من تتبع كتابات حسن البنا فسيجدها تنوّعت بين عدة مجالات، وقد كان منها الفقهي، سواء البحوث الفقهيّة، أو الفتاوى، فقد كتب في الفقه، عدة مقالات مستمرة منذ عام 1932م، كانت تعدّ النواة لكتاب (فقه السنة) للشيخ سيد سابق- رحمه الله- والذي كتب كتابه، باقتراح من البنا، بعد عشر سنوات من مقالات البنا في الفقه، ليحذو سابق حذوها، وتنوعت بحوث البنا الفقهية ما بين فقه العبادات، والمعاملات.

أما عن نتاجه الفقهي في مجال الإفتاء، فمنذ بدأ الكتابة الصحفية المستمرة، منذ عام 1932م وحتى آخر مجلة أصدرها، وهي مجلة (الشهاب) سنة 1948م، وما بينهما من مجلات أخرى، تولى فيها البنا جانب الإفتاء، ففي مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) الأسبوعية، كان يتولى فيها الإفتاء أسبوعيًا، وهي فتاوى مختصرة، إلا في حالات محدودة، عندما يرد عليه أحد مناقشًا في فتوى أصدرها، فيضطر للرد والإيضاح لما ذهب إليه في فتواه.

أما فتاواه متوسطة المساحة، فكانت في مجلة (الشهاب)، فقد كانت الإجابة غير مختصرة، وغير مطولة، مستدلًا عليها بأدلة الفتوى المعتمدة لدى المفتين، وقد تنوّعت موضوعاتها، وكان البنا وقتها قد بلغ سنّ الأربعين.

أما فتاوى البنا الموسعة، فقد كانت في موضوعات يكثر فيها الجدال، وفي مجلات تعنى بذلك، ففي الفتاوى التي تحتاج لإسهاب، مثل: فتواه عن الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وفتوى الذكر الجماعي والجهر به، وقد انتهى لجوازهما بأدلة فصّلها. وأما المجلات التي كانت ذات طابع تفصيل بحكم خطتها ومنهجها، فقد كانت في مجلة (المنار)، والتي تولى البنا رئاسة تحريرها، بعد وفاة رشيد رضا، وصدر منها تحت رئاسته ستة أعداد، ثم صودرت، وذلك بعدما عهد إليه ورثة رشيد رضا بإصدارها، وكتب له مقدمة العدد الأول منها – مشيدًا بعلمه وفقهه – شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي.

وهذا يعني أننا أمام إنتاج فقهي للبنا، مقارنة بسنوات الكتابة وتعدّدها، وسنوات عمره، فعلى مدار عشرين عامًا، يمكن جمع تراثه الفقهي في مجلد كبير، يقارب الستمِئة صفحة أو يزيد قليلًا، وهو ما يمكن الباحث من تكوين رأي علمي محايد ومنصف عنه، ويتّضح منه رؤيته الفقهية.

كتب البنا في الفقه، مقالات مستمرة منذ عام 1932م، كانت تعدّ النواة لكتاب (فقه السنة) للشيخ سيد سابق- رحمه الله- والذي كتب كتابه، باقتراح من البنا، بعد عشر سنوات من مقالات البنا، ليحذو سابق حذوها

مؤهلات البنا للإفتاء

ما عن مؤهلاته العلمية للإفتاء، فإنّ ما يشترط في القائم بالفتوى من شروط علمية فقد كانَ متوافرًا في البنا، وبخاصة في فتاوى العامة من الناس التي يعنون بها، ويراسلون المجلات الإسلامية، وقتذاك بأسئلتهم، فهي مسائل يكثر طرحها في جل المجلات آنذاك، وجل العلماء الذين يستفتيهم العامة. وقليل جدًا من الفتاوى ما يمثل أسئلة النخبة، أو ما يحتاج إلى اجتهاد جماعي، والذي مكانه الطبيعي المجامع والجهات المعنية بذلك، ولم يكن يتطرّق إليه البنا، بل يحيله إلى جهاته تلك.

فالبنا خريج كلية دار العلوم، وهي كلية تعنى بدراسة الشريعة واللغة العربية وآدابها، إضافة إلى تمكنه من الاستشهاد بالقرآن الكريم، حفظًا واستظهارًا، واستدلالًا، فما يتطلب من المفتي في مثل هذه القضايا، إذا تأملناه وجدناه حاضرًا بقوّة عند البنا، ومن يطلع على مقالاته التي كتبت في التفسير، والتي لا تخلو من آيات أحكام، نجد حسّه الفقهي موجودًا بقوة، فبالرغم من أنه لم يفسر القرآن كاملًا، بل لم يفسر سوى ثلاث سور كاملة فقط، وهي: الفاتحة، والحجرات، والمجادلة، ثم فسر آيات مختلفة من القرآن من سورة البقرة، وغيرها من سور القرآن، ومع ذلك يلتقط كل قارئ منها ملكة الفقه لديه عند مروره بآيات الأحكام.

وكذلك في السنة النبوية، فقد شرح عدة أحاديث، وكتب مقالات في مصطلحه، ما يدل على تضلعه في هذا العلم، وقد كان والده أحد أهم علماء قرنه في علم الحديث، وكتب والده في مقدمة ترتيب وشرح مسند الإمام أحمد: أنه كان في نيته كتابة مجلد يترجم فيه للإمام أحمد بن حنبل، ولكن الوقت لم يسعفه، وأنه عهد بذلك لابنه حسن، دلالة على ثقة الأب بقدرة ابنه العلمية في هذا الميدان.

وكذلك بقية العلوم المطلوبة من المفتي، كالاطلاع على المذاهب الفقهية الأربعة، بل وبدا في بعض فتاواه اطلاعه على مذهب الظاهرية، وبخاصة كتاب (المحلى) لابن حزم، واطلع مبكرًا على (الموافقات) للشاطبي، وبدا ذلك في مواضع متعددة من رسائل البنا.

فتاوى غير مذهبية مراعية الخلاف المذهبي

كانت فتاوى البنا لا تعتمد مذهبًا محددًا، فلم يكن البنا متمذهبًا في فتاواه بالمعنى الحَرفي للتمذهب، ولم يكن ضد المذاهب، أو ممن يدعون للتنصل منها، بل كان يرى الجمع بين الأمرَين، بالاطلاع المذهبي الكبير على المذاهب الأربعة، والإفتاء بما يترجح لديه، وقد كان متأثرًا في ذلك بمدرستين مهمتين نال قسطًا وافرًا منهما، مدرسة: الشيخ محمد رشيد رضا، ومدرسة: الشيخ محمود خطاب السبكي، وبخاصة في كتابه: (الدين الخالص)، وقد كان كتابه ينقل المذاهب الأربعة بأدلتها، ويرجح في كثير من القضايا الرأي الذي يميل إليه، وإذا لم يرجح بين الصحيح والضعيف من الأدلة لكل مذهب، فيكون أقرب للترجيح.

ولا ننسى أنّ معلمه الأول، كان والده المحدث والفقيه المعروف الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، الشهير بالساعاتي، والذي بوّب مسند أحمد تبويبًا موضوعيًا، وشرحه كذلك، وكثير من تبويبه وشرحه تتضح فيه النفحة الفقهية، فعنْه تعلم البنا الابن، وتأثر بطريقته في العرض، وعدم التعصب المذهبي.

غير أنّ البنا تجنب الوقوع في بعض المزالق التي رأى شيوخه وقعوا فيها، فرغم تلمذته الفقهية على الشيخ السبكي والشيخ رشيد رضا، إلا أنه خالفهما في اتجاهين منهجيين في فتاواه، وفي عمله الدعوي بشكل عام، فقد كان السبكي متوسعًا في مسألة البدعة، ويحكم على كثير من المسائل ببدعيتها، كما نرى ذلك في كتابه: (الدين الخالص)، وفي كتب الجمعية الشرعية، مثل: (هذه دعوتنا) للشيخ عبد اللطيف مشتهري، ولما توفي السبكي كتب البنا نعيًا له، بعنوان: عزاء لآل خطاب، كتب فيه مخالفته للسبكي في هذه المسألة، فقال: والخلاف بيننا، أن الشيخ السبكي يرعى مواجهة البدعة على الفور، ونرى أنها على التراخي، أي: تحتاج لجهد يبذل ويصبر عليه.

وخالف رشيد رضا، في فتاواه، فيما يتعلق بصدامه مع الأزهر وشيوخه في عدد من المسائل، وبخاصة في مسائل العقيدة، والتقليد المذهبي، فلم يدخل البنا طرفًا في أي صراع فقهي في فتاوى أو مسائل علمية مع الأزهر، ولم أجد بعد استقرائي كلَّ فتاوى البنا، وكل من انتقدوه في حياته، أيّ هجوم حادّ بسبب فتوى، وإن خالفه البعض في بعض المسائل والآراء، لكنه كان في باب النقاش الهادئ جدًا.

فتاوى تراعي الواقع

كما يلاحظ على جلّ الفتاوى التي صدرت عن حسن البنا، أنها كانت فتاوى تراعي الواقع من حيث الموضوعات، ومن حيث طريقة العرض، ومن حيث الخطاب الفقهي، فلم يستدعِ مسألة لا وجود لها في الواقع، ومن ذلك بحثُه وفتواه الفقهية عن موضوع تحديد النسل، وقد كان في عام 1938م، مما جعل الشيخ القرضاوي يذكر هذه الفتوى في باب الفتوى المنضبطة، رغم أنّ الحديث عنها كان مبكرًا جدًا، ولم يكن العالم العربي قد شغل بالموضوع كما رأينا فيما بعد.

وكذلك بحثُه الذي ألقاه في محاضرة في جمعية الشبان المسلمين سنة 1929م – والتي كانت عن: (القمار ومضارّه) – حيث جمع فيه بين عقلية الفقيه والداعية والمصلح الاجتماعي في آن واحد، في واحدة من أهم المحاضرات لداعية عن القمار، والحديث عنه من جوانبه المختلفة.

النقد الفقهي والأصولي عند البنا

يضاف لمؤهلات البنا الفقهية للإفتاء، لمحة مهمة، لا يلتفت إليها من درسوا الرجل وفقهه، سواء من أتباعه أو خصومه، وهو: امتلاك البنا ملكة النقد الفقهي والأصولي، فالرجل رغم وفاته صغيرًا (42 عامًا)، ورغم قلة ما جمع له من تراث علمي، فإن ما توفر ونشر، ينبئ عن عقلية نقدية واعية، وليس نقده لمجرد النقد، بل هو نقد من داخل تقدير هذا التراث، وفي إطار تطويره، وعدم الوقوف عند مسائل وقضايا، التسليمُ التام لها، سيوقعنا في مشكلات فكرية وفقهية.

من ذلك: نقده لجل ما كتب ونشر عن البدعة، وقد كانت موضوعًا مثار نقاش دائم بين المشايخ، ففي فتوى له عن جواز الذكر الجماعي، وقد ناقشه أحد المشايخ، رادًا عليه بأنه بدعة، فردّ البنا في جمل قصيرة، لكنها تدل على اطلاع واسع على الموضوع، ورؤية نقدية له، فكان من جوابه قوله:

(ولكني أحب أن يلاحظ: أن هذا البحث – بحث البدعة والسنة – من أعضل البحوث في أحكام الإسلام، لا يقطع فيه ببادئ الرأي، بل لا بد من نظر دقيق، وإحكام تام في القواعد والتطبيق، وكم زلَّت فيه أقدام الفحول من السابقين واللاحقين.

ما تعريف البدعة الدقيق المضبوط؟ وما أنواعها؟ وما حكم ما له أصل من الدين وأُدِّيَ بكيفية لم يُنص عليها؟ وما حكم فعل ما تركه النبي، صلى الله عليه وسلم؟ وما الفرق الواضح بين البدعة الحقيقية والمصالح المرسلة؟ وهل لا يتغير حكم البدعة باختلاف الظروف والمقتضيات؟

كل هذه أبحاث تتناول البدعة والسنة، خاض فيها العلماء، وتشعبت آراؤهم فيها تشعبًا لا بد أنك تعلمه، وتحس ثقل وطأته، كما يحسه كل من عالج هذا الموضوع علاجًا صحيحًا.

وبعد هذا، فهل يكفي الاتفاق على تحديد هذه الموازين لحسم الخلاف بين الناس في الحكم على ما يحدث من الأمور؟ إن ذلك كله لا يكفي، فإن أنظار الناس تختلف في التطبيق؛ أكثر مما تختلف في وضع القواعد والأصول.

أرأيت يا أخي كيف أن هذا البحث مضلة الأقوام، ومزلة العقول والأفهام، والناس فيه بين مُفْرِط ومُفَرِّط، اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل، والتسديد في القول والعمل.

لقد قرأتُ كثيرًا عن البدعة والسنة، وقرأت ما كتب الشاطبي وابن الحاج وغيرهما، ولكن كل ذلك لم يلهم نفسي الطمأنينة إلى الحكم على كثير مما يسميه الناس بدعًا، بهذه البدعية المطلقة، وبهذا الوعيد الشديد).

فقد كتب البنا هذا الكلام وعمره لا يتجاوز (26) عامًا، فدل على تمكن الرجل من الملكة الفقهية، والنقد الفقهي والأصولي في سن مبكرة، وامتلك جرأة الإعلان بهذا الرأي، الذي ربما يخشى بعض الكبار من أهل العلم من إعلانه، أو التصريح به.

فتاوى احتاط فيها البنا

ورغم تيسير البنا في كثير من الفتاوى، إلا أنه كان في قضايا المرأة أكثر تحفظًا واحتياطًا، فقد كان يرى في توجهه الفقهي وكذلك في حياته الخاصة، الاحتياط في قضايا المرأة، وهو ما نراه في حوار مطول مع البنا في مجلة (النذير) عن المرأة ولباسها، ثم في مقالاته في مجلة (المنار) عن المرأة المسلمة، وقد كان له أكثر من مقال عن لباس المرأة، وقد جمع مقالات (المنار) في كتيب: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وليته جمع مقالات مجلة النذير، ليتضح الكثير من رأي البنا كذلك، ولعلها لم تصله. وكذلك كان البنا في حياته الخاصة، يميل للاحتياط الفقهي في قضايا المرأة، كما نقل لي بعض بناته، رحمهنّ الله.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.