إرهاب المستوطنين وضرورة وجود إستراتيجية دفاعية

3-أسيل جندي، البلدة القديمة، مستوطنون متدينون يتجولون في البلدة القديمة(الجزيرة نت)
مستوطنون يتجولون في البلدة القديمة (الجزيرة نت)

إن ما جرى في الأيام والساعات الأخيرة في مخيم نور شمس في طولكرم من اقتحام الجيش، وقتل الفلسطينيين، ليس حادثًا منفصلًا عن سياسة الاحتلال، وإرهاب المستوطنين المتزامن في الضفة الغربية، والذي تمّ انتهاجه بشكل غير مسبوق من الحكومة الإسرائيلية الحالية، ولكنه يأتي بوتيرة مرتفعة في ظل استغلال انشغال الرأي العام بما يجري في غزة من جهة، وفي سعي لكسر كل ما يمكن أن يشكل حالة دفاع عن المجتمع الفلسطيني أمام الاقتحامات العسكرية وإرهاب المستوطنين.

مع الأسف باتت عشرات المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية عرضة بشكل ممنهج لإرهاب المستوطنين بإيعاز من حكومة الاحتلال في ظل ضعف وأحيانًا انعدام أية آليات دفاعية، ولعلّ الاعتداءات التي شهدتها مناطق عقربا قرب نابلس والمغير قرب رام الله، والطرق بين أريحا ورام الله، وسكان قرية البادية قرب مسافر يطا وبلدات قرب طوباس، مثل يعبد والسيلة الحارثية وغيرها من هجمات مكثفة للمستوطنين على الفلسطينيين وبيوتهم وعرباتهم، تشير إلى تزايد هذا الخطر، وضرورة وجود آليات دفاع ضد هذه الاعتداءات الهمجية والمخططات مِن ورائها.

صار مشهد اعتداءات وعربدة وإرهاب المستوطنين تجاه المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية مشهدًا يوميًا حاضرًا في حياة الشارع الفلسطيني في معظم مدن وقرى الضفة الغربية، وقد ازداد هذا التغوّل مع عدم وجود فعل دفاعي حقيقي من السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الأمنية، عن أبناء شعبها بشكل يردع المستوطنين الذين تحولوا إلى مجموعات منظمة، وليس مجرد أعمال فردية، وهو الأمر الذي يذكّر بالتنظيمات الصهيونية الإرهابية التي ارتكبت المجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني قبيل وخلال عام 1948.

لقد بات المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية مشاعًا أمام إرهاب المستوطنين، في ظلّ إضعاف كل أدواته الدفاعية، وفي ظل غياب أي دور حقيقي للسلطة الفلسطينية بصفتها الجهة المسؤولة عن حماية الفلسطينيين والمؤسّسة الأكثر تنظيمًا في مواجهة هذا الإرهاب، حيث إنّ السلطة الفلسطينية باتت متّهمة بأنّها ساهمت في إضعاف قدرات المجتمع في الدفاع عن نفسه، وفي ذات الوقت لم تقم بتفعيل أجهزتها الأمنية في الدفاع.

وفي هذا السياق، فإن السلطة من خلال عدة سبل قامت بالعمل على إضعاف ومنع انتشار خلايا المقاومة في الضفة، كما عملت على إضعاف حالات مقاومة في جنين ونابلس وطولكرم، وغيرها، مثل: فارس الليل وعرين الأسود وكتيبة جنين، وهي الجهات الفلسطينية المنظمة التي كانت تؤدي دورًا جوهريًا، وتتنامى من أجل هدف أساسي هو مواجهة مشروع المستوطنين في الضفة الغربية، وعليه مع وجود نيّات مبيتة لحكومة الاحتلال ومستوطنيه، وفي ظل ضعف الحالة الدفاعية، كان من الطبيعي أن تزداد هجمات وإرهاب المستوطنين.

تصاعد الاعتداءات

وفقًا لما نشره مركز معلومات فلسطين، فقد شهدت أراضي الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا كبيرًا في هجمات المستوطنين، ووثق مركز معلومات فلسطين معطى خلال الفترة الممتدة ما بين 12 – 18 أبريل /نيسان 2024، حوالي 129 اعتداءً تنوعت بين إطلاق النار المباشر على المواطنين الفلسطينيين، بالإضافة إلى حرق الأراضي والمنازل والمركبات المدنية، والاقتحامات المتكررة للمدن والقرى الفلسطينية.

وبحسب التقرير تباينت أعداد الاعتداءات من مدينة لأخرى، ففي رام الله بلغت الاعتداءات 30 اعتداء، أي ما نسبته 23%، مقارنة مع مدن الضفة الغربية المحتلة الأخرى، وسجلت مدينة نابلس 21 اعتداءً، أي ما نسبته 16% من مجموع هجمات المستوطنين على القرى والمدن الفلسطينية، وفي الخليل سُجِّل 19 اعتداءً، بينما تقاسمت 8 مدن فلسطينية 61% من اعتداءات المستوطنين بواقع 78 اعتداءً خلال أسبوع واحد.

وبحسب إحصاءات إسرائيلية حديثة فإن عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ارتفع بنسبة 3% في عام 2023. ووفقًا لتقارير إحصائية منها تقرير دائرة الإحصاء الفلسطيني، فإن أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، تتراوح بين 700 و800 ألف مستوطن، ومن المعلوم أن نسبة غير قليلة تصل إلى قرابة 35% هم من الحريديم المتشددين دينيًا، وكذلك نسبة أخرى مقاربة لهم من الصهيونية الدينية، فيما يشكل المستوطنون العلمانيون حوالي 30%، وهذا يشير إلى أن أغلبية المستوطنين هم من التيار التوراتي المتشدد الذي يفرخ باستمرار مجموعات عنيفة تقود إرهاب المستوطنين في الضفة الغربيّة.

صار مشهد اعتداءات وعربدة وإرهاب المستوطنين مشهدًا يوميًا حاضرًا في حياة الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية، وازداد مع عدم وجود فعل دفاعي حقيقي من السلطة الفلسطينية ومؤسساتها

هناك جزء كبير من هذا التيار يعتبر أن الضفة الغربية هي جزء من أرض إسرائيل، كما أن هذا التيار ساخط على عدم تبني الجيش الإسرائيلي، هذا الخيار بشكل كامل، وبالتالي فإن هذا التيار يعمل مع جيش الاحتلال في أماكن تقاطع الأهداف، ويرى أنه لا بد أن يقوم بالعمل بنفسه سواء الأعمال الإرهابية ضد القرى والإنسان الفلسطيني، أو ضد الأراضي الزراعية الفلسطينية، سواء بالمصادرة والسرقة، أو بالتخريب للمحاصيل واقتلاع الأشجار في أماكن أخرى.

إن الأمر الذي شكل مزيدًا من الخطورة على هذه الحالة، أن عددًا كبيرًا من أفراد الجيش في الضفة الغربية هم من خريجي المدارس الدينية، وبالتالي بات هناك نوع من التوليفة بين الجيش والمستوطنين، حيث يسهل الجيش أعمال المستوطنين، ولا يجد مشكلة في قيامهم بالهجوم على المدنيين الفلسطينيين بدون سبب، أو في سياق الرد على أعمال المقاومة.

ومع وجود أشخاص مثل إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش في الحكومة الائتلافية للاحتلال، وزيادة وزن كتلتهم الانتخابية في الكنيست، فقد تم تسليح المستوطنين واستخدامهم كأداة ردع وطرد وترهيب للمدن والقرى الفلسطينية، وباتت هذه المجموعات مدعومة رسميًا من حكومة الاحتلال، وتترافق مع عمليات الجيش الإسرائيلي؛ أي أنها باتت جزءًا من الخطط الميدانية للجيش الإسرائيلي.

قبل وبعد الطوفان

بدأ إرهاب المستوطنين بشكل بارز قبيل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقد ظهر ذلك جليًا في هجماتهم على حوارة في 2023. ومع دعم الحكومة والأحزاب السياسية الإسرائيلية لإرهاب المستوطنين، ووجود غطاء ديني لهم مع فتاوى من الحاخامات تحثّ المستوطنين على الإرهاب والاستيلاء على الأراضي وطرد السكان وحتى قتل الأطفال، فإنه لا توجد أية متابعة قانونية لأعمال المستوطنين، ولا لوائح اتهامات ولا لجان تحقيق.

وبالطبع في ظل التوجه الانتقامي لحكومة الاحتلال بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول وتوزيع السلاح على المستوطنين في الضفة الغربية، فقد كان متوقعًا أن تتوسع رقعة عربدة المستوطنين.

شهد عام 2023 أكثر من 340 نشاطًا استيطانيًا من توسيع البؤر الاستيطانية، أو الاستيلاء على أراضٍ جديدة في الضفة والقدس. (منذ بداية عام 2023 وحتى السادس من أكتوبر/تشرين الأول 139 نشاطًا استيطانيًا، ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول حتى 20-4-2024 أكثر من 134 نشاطًا).

كما شهد ذات العام أكثر من 2500 اعتداء من المستوطنين على الأهالي، وقد زادت بشكل كبير في الآونة الأخيرة (منذ بداية عام 2023 وحتى السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1402 اعتداء، ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول حتى 20-4-2024 أكثر من 1238 اعتداء).

وقد تم تهجير أكثر من 1800 فلسطيني من 19 تجمعًا سكنيًا كنتيجة مباشرة لاعتداءات المستوطنين، هذا بحسب تقارير أممية. وهناك ⁠أكثر من 11 شهيدًا على يد المستوطنين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول في الضفة الغربية.

قرية المغير نموذجًا

يمكن للقارئ تخيل مشهد من 1500 مستوطن معبّئِين أيديولوجيًا ومدججين بالسلاح، يطوفون داخل أزقة قرية المغير الفلسطينية، ويشعلون النار في 40 منزلًا وسيارة، ثم في وقت لاحق يزداد عددهم إلى 2500، ويطلقون الأعيرة النارية على أي فلسطيني يصادفونه.

وهذا ليس حال قرية المغير وحدها، بل إن قرى المزرعة وسنجل وترمسعيا وسلود والجلزون وغيرها قرب رام الله، وبلدات بورين، ودوما، واللبن الشرقية ومجدل بني فاضل، وعقربا، وجوريش، وجالود، والساوية، وقصرى قرب نابلس، باتت مسرحًا لجرائم المستوطنين. وأمام هذا النموذج الذي لا يرغب أي فلسطيني بتكرره تبرز الحاجة لوجود إستراتيجيّة دفاعية.

إستراتيجية دفاعية

إنّ تفكيك البنى المقاوِمة في الضفة، وعجز السلطة عن حماية المجتمع الذي هي مسؤولة عنه، جعلا المستوطنين يرتعون بدون حسيب، وعليه فإن هذا الواقع غير مقبول، وإذا استمر بهذه الوتيرة، فإن تجرؤ المستوطنين سيزداد، وعليه فإن كل أبناء الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقواه الحية مدعوّون إلى إيجاد آليات للدفاع عن المجتمع الفلسطيني في الضفة، ومنع المستوطنين من الاستفراد بأية قرية أو بلدة، كما أن سياسة تدفيع المستوطنين الثمن عن إرهابهم والتي سادت لفترة ما في الضفة قد أدَّت إلى ردع نسبي لهم.

إن لجان الحماية الشعبية لأهالي كل بلدة وقرية يمكن أن تكون نواة مهمة في الدفاع عن القرى والبلدات أمام هذا الإرهاب المتصاعد، كما أن عدم دفاع العاملين في الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية عن أهلهم وذويهم أمام هجمات المستوطنين يعد تقاعسًا، سيكونون هم أحد ضحاياه مع تزايد تغوّل المستوطنين.

ومع تزايد تسليح المستوطنين وتوسع تنظيماتهم الإرهابية، فإن الدفاع عن القرى والبلدات الفلسطينية وتزويدها بكل إمكانات الدفاع بات ذلك ضرورة ملحة، وعلى كل الأجسام الفلسطينية أن تتولى مسؤولياتها أمام هذا الخطر الداهم، وفي ذات السياق لا ينبغي التعويل على النداءات الغربية، وبعض العقوبات الشكلية بحق جرائم المستوطنين، فهي لا تشكل رادعًا لهم أبدًا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.