الفساد وقد تسرب للأحزاب في المغرب!

المغرب العربي لا يزال يعاني افة الفساد
الفساد إذا تسرب للأحزاب فهذا معناه استحالة التنمية والديمقراطية، فالتنمية مع الفساد، خطان لا يلتقيان، والديمقراطية مع أحزاب فاسدة، مستحيلة (الجزيرة)

لا تزال مقدمة ابن خلدون صالحة لزماننا وكاشفة للأسباب الحقيقية التي تقف وراء انحطاطنا وفشل نهضتنا. فصاحب المقدمة أمسك بمعادلة تنطبق على أوضاعنا التي حولها الفساد إلى خراب، عجزَ عن إصلاحه العديد من المبادرات التي كلفت خزينة الدولة أموالًا طائلة من دون أن تنفرج الأزمات ويتراجع الفساد الذي ضيع على البلاد، فرص الانتصار على فيروس مدمر للاقتصاد ومُصادر للتنمية.

الفساد يتسرب للأحزاب

أسباب النزول كما يقول الفقهاء هو التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات، وهو مؤسسة دستورية بالمغرب، الذي كشف عن اختلال في صرف الدعم المالي الذي تتلقاه الأحزاب السياسية من الدولة، وهو ما دفع بالجمعية المغربية لحماية المال العام إلى مطالبة النيابة العامة باستدعاء الأحزاب السياسية المعنية؛ لفتح تحقيق قضائي حول الخروقات التي شابت وضعيتها المالية.

والغريب أن هذه الأحزاب التي يفترض أن لها مسؤوليةً كبرى في محاربة الفساد ودورًا هامًا في تخليق الحياة العامة، لم يرُقها التقرير الذي عرّى واقعًا مزريًا، انتعش فيه الفساد، وطغت فيه توجهات انتهازية وتحول فيه العمل السياسي إلى مصعد لقطف الامتيازات وخدمة الأغراض الشخصية.

وبدلًا من أن تسارع الأحزاب السياسية المعنية بالتقرير إلى فتح تحقيق داخلي لتحديد المسؤوليّات واتخاذ ما يلزم من قرارات، اتّجهت إلى انتقاد  المجلس الأعلى للحسابات، متهمة إياه بالتركيز على الأحزاب السياسية، وإبرازها كما لو كانت البؤر الوحيدة التي يغزوها الفساد.

انحدار وخراب

إننا أمام انحدار غير مسبوق، ينذر بخراب عام. فالأحزاب السياسية التي فشلت في تدبير شفاف لمالية حزب سياسي، كيف لها أن تدير دفة بلاد بأكملها؟ وهذه حقيقة، تضع البلاد في أزمة حقيقية. فمن جهة خوّل الدستور للأحزاب السياسية تأطير المواطنين، إذ نص الفصل السابع منه على أن: "تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية"، ومن جهة أخرى انفض الناس عنها؛ لكونها لم تعد تعني لهم شيئًا يحملهم على الانخراط في صفوفها، وخاصة الشباب الذي يمثل القاعدة العريضة في المجتمع.

فالأرقام التي يعلنها العديد من مراكز الدراسات مخيفة، كما هو حال المعهد المغربي لتحليل السياسات. حيث سجلت نسبة عدم المشاركة في الأحزاب السياسية عام 2022 حوالي 96 في المائة لتنتقل صعودًا في السنة الموالية إلى 98 في المائة.

وهذا دستوريًا يُسائِل الأحزاب السياسية عن الأدوار المنوطة بها، والحال أنها إذا أصبحت مرفوضة من المواطنين ولا تحظى بقبولهم لتمثيلهم والدفاع عن قضاياهم، فهذا يطرح مشروعية وجود هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسية في الساحة المغربية التي تجاوزت 34 حزبًا سياسيًا.

ففي أنماط سياسية عديدة، الأحزاب التي لا تحصل على ما مجموعه 4 في المائة من مجموع الأصوات، تحل نفسها أو تندمج في أحزاب أخرى، وليس في هذا ظلم لهذه الأحزاب؛ فشرط العتبة، يصون المجال السياسي من إغراقه بطفيليات لا تعمل إلا على تمييع العمل السياسي.

وحتى لا نذهب بعيدًا فالجارة موريتانيا الغارقة في تعددية سياسية واسعة، فاقت المائة حزب سياسي، وضعت قانونًا جديدًا للأحزاب السياسية، يقضي بحل كل حزب لم يتمكن من تجاوز عتبة 1 في المائة. إذْ لا بد من سن قوانين تكبح هذه التعددية المرضية التي لا علاقة لها بحرية التنظيم ولا بالديمقراطية المفترى عليها.

فهناك من الأحزاب السياسية في المغرب، من لم تتمكن من الحصول على مقعد واحد في البرلمان طيلة حياتها، وهناك أحزاب بينها وبين الوصول إلى إدارة الشأن العام مسافات ضوئية.

والحال أن هذه الصورة القاتمة لوضع الأحزاب السياسية، ساهمت فيها الأحزاب نفسها التي كلما برزت في صفوفها خلافات سياسية، عالجتها بانشقاق وتفريخ حزب جديد.

فالبنية الحزبية، بنية انقسامية، يغلب عليها الطابع الشخصي أكثر مما تتحكم فيها المؤسسة الحزبية التي يفترض فيها أنها غرست ثقافة متينة ودربت أعضاءَها على ميزة العمل الجماعي، والارتباط بالمبادئ لا بالأشخاص مهما كان وضعهم الحزبي.

فالثقافة السياسية التي كرستها الأحزاب السياسية – بتعبير إخواننا المشارقة -"خربانة"، وتخترقها الولاءات والاصطفافات التي تتحول عند الأزمات إلى معاول هدم وتخريب لبنية الحزب عبر التوجه رأسًا إلى انشقاق، ما دامت أرض الله واسعة، كما يقولون.

الدولة أضعفت الأحزاب

هذا الواقع المُبتئس، لم تكن الدولة بعيدة عن المساهمة في إنتاجه. ففي الوقت التي كانت فيه الأحزاب السياسية الوطنية مرتبطة بالشارع ومعبرة عن تطلعاته ومصالحه، لم تكن الدولة مرتاحة لقوة الأحزاب وجماهيريتها وعملت على إضعافها بكل الطرق.

ففي سنوات الرصاص التي حاولت هيئة الإنصاف والمصالحة طي صفحتها المظلمة، لم تكن الأحزاب السياسية التاريخية كالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والقوى اليسارية عمومًا على وئام تام مع النظام السياسي، بل كانت العلاقة متوترة ولم تكن السجون حينها تخلو من قيادات ومناضلي تلك الأحزاب. فإضعاف الأحزاب السياسية والتدخل في قراراتها من قبل السلطة، أنتج واقعًا ضعيفًا، مترهلًا وفاقدًا للمصداقية. وهكذا فقدت هذه الأحزاب ثقة الناس وانفض الجمْع من حولها وأصبحت عبئًا على الوطن.

قبل أكثر من شهر بقليل ودّع المغاربة، رمزًا وقائدًا استثنائيًا -إلى رحمة الله- هو المجاهد محمد بنسعيد آيت يدر، الذي يحكي في مذكراته أنه حينما عُرض التعديل الدستوري للاستفتاء سنة 1996، قررت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي كان الراحل الرمز، أمينًا عامًّا لها، التصويت بلا على التعديل الدستوري، فما كان من وزير الداخلية السابق إدريس البصري، وبنبرة لم تخلُ من تهديد، إلا مطالبة الراحل بنسعيد بالتراجع عن موقف المنظمة، وإلا فهناك من سيستجيب ويعلن التصويت بـ"نعم".

وفعلًا تمكن تدخل السلطة من شق المنظمة عبر ولادة قيصرية وإغلاق جريدة "أنوال" الناطقة باسمها. وهذا مثال من تدخلات كثيرة، قربت أحزابًا وأبعدت أخرى، لتجد الدولة نفسها أمام مأزق خطير، يتمثل في غياب دور الوسيط النزيه بينها وبين الشعب.

استحالة التنمية والديمقراطية مع الفساد

كان على الأحزاب السياسية أن تلتقط الرسالة من تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فتبادر إلى تنظيف فنائها من الأعشاب الضارة لا أن تدخل في سجال؛ دفاعًا عن أوضاع تحوم حولها شبهات كثيرة.

فالفساد إذا تسرب للأحزاب، وهو بلا شك تمكن من بعضها، فهذا معناه، استحالة التنمية والديمقراطية في ظل الفساد. فالتنمية مع الفساد، خطان لا يلتقيان والديمقراطية مع أحزاب ضعيفة وفاسدة، بدورها مستحيلة ومتعذرة.

ففي دستور 2011 الذي جاء عقب الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، نص على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، والآن يتم الكشف عن اختلالات مالية وإدارية خطيرة واختلاس أموال عمومية، كما في شأن التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية التي تم فتح تحقيق مع رئيسها السابق الذي كان يستعد للهجرة إلى بلد لا تربطه بالمغرب أية اتفاقية تعاون قضائي.

والحال أن هذه النازلة سجلت بين 2010 و2019؛ أي في الحقبة التي تولى فيها حزب العدالة والتنمية إدارة الشأن العام، حينها أطلق رئيس الحكومة عبارته الشهيرة: "عفا الله عما سلف" بخصوص ملفات فساد سابقة، تتعلق باختلاس أموال طائلة من مؤسسات عمومية. وهي عبارة مع ضعف المراقبة والتفتيش، أطلقت يد الفاسدين في المال العام. وهكذا يواصل الفساد طريقه، ليولد أزمات ويعطل مشاريع التنمية، ويرهن بذلك لسنوات مستقبل الأجيال القادمة.

لا حل مع الفساد غير الإرادة لمحاربته بدون هوادة. فليس ثمة وصفة سحرية، ومن أراد معرفة إيقاف زحف الفساد الذي لا يُبقي ولا يذر، فليعد لتجربة رواندا، هذا البلد الجريح الذي استطاع بعد حرب أهلية عصفت بمليون مواطن من أبنائه، في صراع بين أقلية التوتسي وأغلبية الهوتو أجّجه المستعمر الفرنسي السابق، أن ينهض من جديد، وينطلق بخطوات ثابتة نحو تنمية حقيقية، تعوض الإنسان الرواندي عن السنوات العجاف التي ذاق فيها القهر والفقر وغياب الطمأنينة والأمان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.