التحولات الثقافية للقضية الفلسطينية.. أي تغيّر هو؟

شعار فتح وحماس
ليس هناك عيب في تعدد الرؤى الثقافية الفلسطينية، التي تنعكس على الأداء السياسي، لكن الخطر أن تنزلق إلى صراع بدلًا من الاستفادة من توزيع الأدوار لصالح القضية (الجزيرة)

يلمس الناس سريعًا أي تحول سياسي أو عسكري، في أوقات الحروب والنزاعات، فالأمور قد تنقلب بين عشية وضحاها، فيتغير نظام من ملكي إلى جمهوري، أو ينهزم جيش في ميدان معركة، أو تميل الكفة لصالح طرف من المنخرطين في حرب أهلية.

لكن التحولات الاجتماعية والثقافية تأخذ وقتًا طويلًا، ولا يمكن رصدها بين يوم وآخر، فهي ثاوية في الأعماق، وترتبط بالقيم والرؤى والتصورات، التي إن كان الشعور بتغيرها بطيئًا، فإنها الشيء الذي يبقى مستقرًا ومؤثرًا لزمن مديد.

نقطة مركزية

على مدار قرن من الزمن شهدت القضية الفلسطينية تحولات ثقافية، كانت بمنزلة المحطات الفارقة فيها، التي حددت في النهاية إدراك الفلسطينيين قضيتَهم، وكذلك إدراك المجتمع العربي المحيط بهم، والذي تفاعل بدرجات متفاوتة مع أشواق الفلسطينيين إلى الحرية والعدالة والاستقلال، وسعيهم إلى استعادة أرضهم السليبة.

لكن هذا التغير الثقافي الذي استغرق وقتًا طويلًا حتى يظهر على السطح، لم ينهِ طوال سريانه، التصورات المستقرة والمستمرة في أذهان العرب ووجدانهم، باتخاذ هذه القضية لدى قطاعات جماهيرية عربية معتبرة نقطةً مركزيةً، ينجذبون إليها بوعيهم ومشاعرهم، لاسيما أن هذه القضية لم تعرف في أي مرحلة من المراحل برودًا وجمودًا وقعودًا، يجعل بوسع المنشغلين بالسياسة، أو المرتبطين بالمصالح الوطنية الأصيلة، الانصراف عنها، وتنحيتها جانبًا.

ورغم توالي الأجيال العربية بمرور الزمن، فإن قضية الشعب الفلسطيني ظلت معروضة بقوة، تفرض نفسها، تارة من باب "الحس المشترك" لأصحاب هُوية واحدة أو متجانسة، على الأقل، وأخرى من زاوية التأثير المباشر لهذه القضية على المصالح الوطنية لكل دولة على حدة.

إما لامتداد العدوان الإسرائيلي إلى هذه الدول، خاصة ما تُعرف بدول الطوق، أو إدراك أنظمة الحكم المتعاقبة أن جزءًا لا يُستهان به من الرأي العام في كل دولة عربية، يحدد علاقته بالسلطة السياسية بناءً على موقفها من الفلسطينيين، وإن اختلفوا أحيانًا في مقاربتهم لقضيتهم، بين مقاومة مسلحة أو مدنية، أو دخول في تفاوض؛ أملًا في أن تجلب لهم مبادرات واتفاقيات السلام المطروحة، حقوقهم الضائعة، أو حتى من يطلبون حالة من السكون، تجعل مصالحهم مع الإسرائيليين أو منافعهم منهم جارية.

هذا الاختلاف الفلسطيني في حد ذاته موزع على خلفيات ثقافية، لا يمكن نكرانها، تحديدًا بين أيديولوجية يسارية رافقت نضال الفلسطينيين عقودًا من الزمن، ثم أيديولوجية إسلامية راحت تتصاعد منذ ثمانينيات القرن العشرين، لتواصل ما بدأته، بشكل آخر، على يد الشيخ أمين الحسيني في ثلاثينيات القرن نفسه.

تعدد الرؤى

لا يوجد عيب في أن تتعدد الرؤى الثقافية الفلسطينية، التي تنعكس لا محالة على التصور والأداء السياسي بنسب متفاوتة، لكن العيب يكون فادحًا وغاية في الضرر، حين لا تقف الأمور عند حد التعدد، أو الاختلاف الطبيعي، إنما تنزلق إلى انقسام أو شرخ كامل، يجعل الهُويات الثقافية الفلسطينية في حال صراع شديد، بدلًا من أن تستفيد من توزيع الأدوار، وتحصد النتائج الإيجابية التي تترتب على التنوع الثقافي والاجتماعي الخلَّاق.

وتنجذب الخلفيات الثقافية العربية نحو هذه "القضية المركزية"، وفق إدراك متواصل لقطاع واسع من المثقفين والرأي العام، ويراها كل طرف من موقعه الثقافي أو خلفيته الفكرية، فاليساري يرى فيها وجهًا للنضال ضد القوى الرأسمالية المتوحّشة التي تسعى إلى الهيمنة والاستحواذ، وتتجبّر دون تحسب ولا ورع ولا رادع، متكئًا في رأيه هذا على الحبل السري الغليظ بين الولايات المتحدة الأميركية، قائدة العالم الرأسمالي، وبين إسرائيل، التي يُنظر إليها على أنها مجرد واحدة من أدوات الغرب في منطقة الشرق الأوسط.

والإسلامي يربطها بالطبع بنصوص وتأويلات وتفسيرات وروايات دينية، واردة في القرآن الكريم والحديث النبوي، عن موقف اليهود القدامى من الأنبياء موسى، وعيسى، ومحمد، عليهم السلام، وما ورد في التوراة والتلمود من نصوص تبرّر الحرب والسلب والاستيلاء على أرض الغير. وفي قلب هذا تقع قضية "المسجد الأقصى" وحوله "القدس" التي هي المركز في قضية فلسطين برمّتها، خاصة لدى الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية.

وحتى بعض الليبراليين العرب لا يمكنهم أن يفكّوا ارتباط القضية الفلسطينية بقضايا الحرية والكفاح من أجل الاستقلال وتقرير المصير وحقوق الإنسان، لذا نجدهم يقاربونها من هذه الزوايا، وبعضهم مخلص في مقاربته هذه إخلاصًا شديدًا.

تجاذبات وتفاعلات

من أجل هذا نجد اتّفاقًا بين أصحاب الخلفيات الثقافية العربية، التي تتعاطى السياسة من باب واسع أو ضيّق، مع القضية الفلسطينية في أوقاتها الحرجة، أي حين يكون هناك عدوان على الشعب الفلسطيني، لاسيما إن كان عدوانًا مفرطًا، يصل إلى حد "جرائم الحرب" أو "الإبادة الجماعية" كما يجري في قطاع غزة الآن.

ولا يقف المنتمون إلى هذه الثقافات العربية المتنوعة خلف جدران عالية تفصلهم عن مماثليهم في الساحة الفلسطينية، بل هناك الكثير من نقاط التماس، بل التفاعل، الذي يجري بين الطرفين، أخذًا وردًا، وينشئ نوعًا من التغذية المرتدة أو الارتجاعية، التي تجعل القضية الفلسطينية محل نقاش ثقافي لا يفتُر.

وتحاط هاتان الدائرتان الثقافيتان بدائرة أوسع تمتدّ إلى العالم كله، ففضلًا عن أتباع الثقافة السياسية الإسلامية في العالم المسلم الممتد من غانا إلى فرغانة، يوجد بالطبع يساريون وليبراليون في كل مكان، ويقاربون القضية الفلسطينية من المنظور نفسه تقريبًا الذي يراها منه الذين هم على شاكلتهم في العالم العربي، وإن زاد الفريق الآخر عليهم في الدرجة بفعل الانتماء القومي، والقرب الجغرافي، والإحساس بالتأثير المباشر أحيانًا، وكثير منه مترتّب على "الأذى الإسرائيلي".

وقد قرَّبت "ثورة الاتصالات" الرهيبة التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، ويتضاعف حضورها وتأثيرها بمرور السّنين، من هذه الدّوائر، وخلقت بينها أشكالًا من التجاذبات والتفاعلات، التي رأيناها طوال الشهور التي استمر فيها العدوان الإسرائيلي الراهن على قطاع غزة، والتي تعدَّت حدود الظاهرة لتكون تحولًا ثقافيًا عالميًا كبيرًا في مقاربة القضية الفلسطينية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.