باكستان.. انتخابات بلا عمران خان

ميدان - عمران خان
تجري الانتخابات في ظروف صعبة للغاية إثر توتر العلاقة مع زعيم حزب "الإنصاف" عمران خان الذي أُقيل من الحكم (رويترز)

أيام تفصلنا عن انتخابات حامية الوطيس في باكستان المقررة في الثامن من فبراير/ شباط الحالي، لتفرز لنا برلمانًا فدراليًا وأربعة برلمانات محلية، تدير الأقاليم الباكستانية الأربعة، والتي تشكل أكثر من رُبع مليار نسمة.

لكن هذه الانتخابات تجري في ظروف داخلية وإقليمية ودولية صعبة للغاية- لاسيما مع الفجوة التي حصلت بين العسكر الذين حكموا البلاد أكثرَ من نصف عمرها، إثر توتر العلاقة مع زعيم حزب "الإنصاف" عمران خان الذي أُقيل من الحكم، ثم تم إدانته وسَجنه، وهو التقليد الغالب بين العسكر والسياسة على امتداد تاريخ باكستان، بأن يسبق إقالةَ أي رئيس وزراء منتخب توترٌ في العلاقة، ثم حرمان من العمل السياسي يصحبه النفي والإبعاد غالبًا، ربما باستثناء حالة عمران خان الذي كان من نصيبه الحرمان من المشاركة السياسيَّة مع السَّجن.

عمران خان.. الغائب الحاضر

الحكم على زعيم حزب "الإنصاف" عمران خان بالسَّجن عشر سنوات مع وزير خارجيته سابقًا شاه محمود قريشي بتهمة تسريب وثائق تخص أمن الدولة، أثار حفيظة المؤيدين والمتعاطفين مع الحزب، وزاد من الشقة بين الحزب الممثل للطبقة الشبابية، وبين الدولة العميقة الممثلة بالعسكر، لاسيما أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ باكستان التي يتهم فيها رئيس حكومة بتسريب وثائق تخصّ أمن الدولة.

كان عمران خان ووزير خارجيته قد سرَّبا للعلن برقية واردة من السفير الباكستاني في واشنطن تفيد بتهديد حكومة خان، ما أدَّى إلى إقالته وتنحيته عن السلطة، وبدأ على إثرها يروج عمران خان وجماعته أن الجيش أزاحه عن السلطة بأوامر أميركية، ونظرًا لرواج نظرية المؤامرة وتحديدًا فيما يتعلق بالتدخلات الأميركية في باكستان التي خبرها الباكستانيون على مدى تاريخهم القصير، فإن تصريحات خان قد لقيت رواجًا، وقبولًا، خاصة وسط الشريحة الشبابية، حيث انتشرت كالنار في الهشيم.

المعركة الانتخابية على ما يبدو، ستكون بين حزب "الشعب الباكستاني" بزعامة بيلاول بوتو وزير خارجية باكستان سابقًا، ونجل بي نظير بوتو، وبين حزب "الرابطة الإسلامية" بزعامة نواز شريف العائد من لندن بعد حرمان من العمل السياسي سنواتٍ بقرار قضائي

ربما لو لم يتم تسريب الوثيقة، فإن مسألة قبول التورط الأميركي في إزاحته لن تكون بالمستوى الذي حصل بعد تسريب الوثيقة، فقد سبق أن اتَّهم غالبيةُ رؤساء وزراء باكستان السابقين ومن بينهم نواز شريف وبي نظير بوتو أميركا بتنحيتهما عن السلطة، حين أقدم الجيش على ذلك.

وما زلت أتذكر حين قالت لي بي نظير بوتو في مقابلة صحفية، بعد إقالتها الثانية في عام 1998: إن من أقالها شركة يونوكول الأميركية، وذلك لتفضيل بوتو يومها شركة بريداس الأرجنتينية على يونوكول في الحصول على مشروع مد أنابيب الغاز من تركمانستان إلى باكستان والهند عبر الأراضي الأفغانية.

بعد أيام على هذ الحكم بالسجن عشر سنوات، أُضيف إليه سجن لـ 14 سنة مع زوجته بشرى، وذلك بتهمة بيع هدايا تلقاها من رؤساء دول، وهو الأمر الذي يعارض القوانين التي تحكم مسلكيات كبار رجال الدولة.

حرمان عمران خان من العمل السياسي، وسجنه عشر سنوات، قد يدفعان الكثير من الناخبين الباكستانيين إلى التصويت له، خاصة وسط الشريحة الشبابية التي ترى في إقالته وحرمانه ثم سجنه ظلمًا واضحًا له، ولذلك لا يستبعد البعض أن يحقق نجاحًا في الانتخابات، بينما تتخوف شريحة منهم من عمليات تزوير للانتخابات، وهو ما قد يزيد من التّوتر السياسي والاجتماعي في البلاد، مما سيلقي بتداعيات سلبية على البلاد ومستقبلها.

المعركة الانتخابيّة بين شريف وبوتو

في الثامن من الشهر المقبل يتنافس 19 مرشحًا على المقعد النيابي الفدرالي أو المحلي الواحد، وهي أعلى نسبة في تاريخ الانتخابات الباكستانية القديمة، فقد تنافس عام 2017، سبعة عشر مرشحًا على المقعد الواحد، لتزيد بذلك نسبة التنافس عن انتخابات عام 1971 بـ 280%.

المعركة الانتخابية على ما يبدو، ستكون بين حزب "الشعب الباكستاني" بزعامة بيلاول بوتو وزير خارجية باكستان سابقًا، ونجل بي نظير بوتو، وبين حزب "الرابطة الإسلامية" بزعامة نواز شريف العائد من لندن بعد حرمان من العمل السياسي سنواتٍ بقرار قضائي.

أما عمران خان وحزبه "الإنصاف" المحرومون من العمل السياسي بقرار قضائي أيضًا، فيشاركون في الانتخابات من خلال قائمة المستقلين، إذ بلغ عدد مرشحي عمران خان 236 المنافسين على مقاعد البرلمان الفدرالي، فزادت نسبة المرشحين المستقلين للانتخابات الحالية لـ 63%، بعد أن كانت 53% في الانتخابات الماضية، لعب المستقلون دورًا في تشكيل الحكومات المحلية السابقة من انتخابات 2018، فكانوا بيضة قبان حقيقية في هذه الانتخابات.

وبحسب مركز جالوب لقياس الرأي فإن نسبة دعم عمران خان تراجعت من 60% في العام الماضي إلى نسبة 57% بحسب الاستطلاع الذي صدر في العاشر من شهر يناير/ كانون الثاني، بينما زادت نسبة دعم نواز شريف في نفس الفترة من 36% إلى نسبة 52%، أما حزب "الشعب الباكستاني" فقد تراجعت نسبة دعمه من 36% إلى نسبة 35%.

نواز شريف الذي يتحدّر من إقليم البنجاب أكبر الأقاليم الباكستانية، والأكثر حضورًا في عملية صناعة القرار زادت شعبيته في الإقليم بحسب الاستطلاع من 57% إلى 60%، ويبلغ شريف من العمر 74 عامًا، وكان قد تولى رئاسة الحكومة لأول مرة عام 1990، ويبدو أن العسكر مرتاحون لعودته من لندن، لاسيما أن التحدي الاقتصادي كبير أمام باكستان، وبمقدور شريف أكثر من غيره التعاطي معه، نظرًا لخلفيته التجارية. وفي حال فوزه بالانتخابات سيكون رئيسًا لوزراء باكستان، للمرَّة الرابعة في تاريخه وتاريخ باكستان.

سبق للمحكمة العليا أن مهّدت الطريق لعودته في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، من خلال تبرئته مما نسبته إليه في السابق، فرفعت عنه الحرمان من التعاطي السياسي، ليعود الآن من لندن ويشارك في الانتخابات وربما يقود البلاد خمسَ سنوات مقبلة.

تراجعت نسبة ترشيح المرأة في الانتخابات الحالية عن الدورات الماضية، إذ لم تتجاوز نسبتها 4.77% من نسبة المرشحين، مما حرمها من بلوغ العتبة التي حددتها لجنة الانتخابات، وهو السقف الأدنى لضرورة مشاركتها كمرشحة والتي تبلغ 5%، فحزب عمران خان بلغت مشاركة المرأة فيه 8%.

أما على صعيد الشريحة الشبابية التي تتراوح بين 18- 25 سنة، فقد تراجعت النسبة بين مشاركة 19% في انتخابات 2018، إلى مشاركة حزب "الإنصاف" مثلًا بنسبة 17% من الشباب، أما حزب "الشعب" فكان أعلى منه، حيث بلغت النسبة 18%، لتتراجع نسبة مشاركة شباب حزب "الرابطة الإسلامية" بزعامة نواز شريف إلى 13% فقط.

الشباب والثقة بالنظام السياسي

لعلَّ الأهم فيما يتعلق بشريحة الشباب ليس تمثيلهم أو عدم تمثيلهم في هذه الانتخابات، وإنما تراجع الثقة على ما يبدو في العملية الانتخابية، وهم يرون الحرمان السياسي الذي يعانيه بشكل متكرر قادة سياسيون، مثل نواز شريف، واليوم عمران خان ومن قبلهما بي نظير بوتو وشخصيات سياسية أخرى، ناهيك عن التهم التي وجهت لعمران خان وتسببت في سَجنة بقضيتين؛ الأولى: هي تسريب أسرار دولة وتحدثنا عنها، وكانت عقوبتها السجن عشر سنوات، والثانية: تلقيه هدايا من رؤساء دول خلال فترة حكومته، ثم قيامه ببيعها.

وهو الأمر الذي تسبب بفقدان الطبقة الشبابية الداعمة له، الثقةَ بالنظام السياسي والانتخابي في باكستان، وهو ما سيكون له تداعياته الخطيرة والعميقة ربما على الأمن والاستقرار الباكستانيين.

وفي استطلاع للرأي أُجري أخيرًا في باكستان، شارك فيه 2050 مستجوَبًا، وضع أكثر من 74% منهم ثقتهم في مؤسسة الجيش من ضمن ثماني مؤسسات تم اختيارها في عملية الاستطلاع، بينما برزت لجنة الانتخابات العامة الأقل ثقة في كل هذه المؤسَّسات الثماني، وتصدّرت المحكمة الباكستانية العليا المرتبة الثانية بحيث حصدت نسبة 58%، بينما جاءت الأحزاب السياسية في المرتبة الثالثة.

مثل هذا الاستطلاع يعكس مدى فشل المؤسسة التي ترعى الانتخابات العامة وتنظمها وتعلن نتائجها، وبالمناسبة كان المشمولون بالاستطلاع تتراوح أعمارهم بين 18، 35 سنة؛ أي من شريحة الشباب.

عنف ما قبل الانتخابات

يتخوّف الكثيرون من موجة عنف قد تؤثر على مسيرة الانتخابات، لاسيّما مع تَكرار الحوادث العُنفيّة التي شملت معظم الأحزاب المشاركة قبل أيام، وعلى رأسها حزب "الإنصاف" بزعامة عمران خان، وحزب "الرابطة الإسلامية" بزعامة نواز شريف، وحزب "الشعب الباكستاني" بزعامة بيلاول بوتو، وكذلك حزب "العوام القومي" يساريّ التوجّه، بالإضافة إلى أحزاب إسلامية، وكثير من الأحزاب المناطقيّة.

هنا لا بد من أن تتنبه الحكومة الانتقالية المشرفة على هذه الانتخابات لمخاطر هذه التهديدات، ومعها قوى الأمن، فقد اغتيل مرشح لحزب "الإنصاف" بزعامة عمران خان بمنطقة باجور القبلية، وتبعه مقتل أربعة مؤيدين للحزب في تفجير لفعالية انتخابية بمنطقة سيبي، وتكرر ذلك في كراتشي، وكذلك في منطقة شمال وزيرستان القبلية حين استُهدف مرشح مستقل لكنه نجا بأعجوبة، وتعرض مرشح تابع لحزب "الرابطة الإسلامية" بزعامة نواز شريف لمحاولة اغتيال في تربت بمنطقة بلوشستان، لكنه نجا منها، وإن كانت مثل هذه الحوادث معهودة في الانتخابات الباكستانية، ولكن يظل الخوف والقلق مسيطرَين على الشارع الباكستاني من إمكانية تطورها وتدهورها.

تحديات داخلية وخارجية للحكومة المقبلة

يقف على سُلّم أولويات تحديات الحكومة الباكستانية المقبلة، الواقع الداخلي، لاسيما المتعلّق بالنظام السياسي، وطريقة التعاطي مع مؤيدي عمران خان الغاضبين والقادرين على تعبئة الشارع الباكستاني في كل لحظة، بما يعرقل ويعيق عمل ونشاط أي حكومة باكستانية، بالإضافة إلى تحديات اقتصادية بعد تراجع الروبية الباكستانية بنسب مخيفة، وخوف رجال المال والأعمال على مصير أعمالهم وتجارتهم.

لذا قد يكون مجيء نواز شريف المنحدر من هذه الطبقة، رسالة طمأنة لهم، وللاقتصاد الباكستاني، بالإضافة إلى دوائر المال والأعمال العالمية، فقد قدّر صندوق النقد الدولي التضخم في باكستان لعام 2023 بـ 29.2% بعد أن كان في العام الذي سبقه 12.1%، بينما انهار حجم الناتج المحلي في عام 2022 من 6.1% إلى .5% لعام 2023، وسيبقى التحدي الدولي مهمًا وحساسًا جدًا، من حيث الموازنة بين العلاقات الباكستانية مع الصين وأميركا والهند وروسيا، في ظل احتدام التنافس بين هذه القوى الدولية والإقليمية، الذي وصل إلى حروب مباشرة أو غير مباشرة بينها، وبالتالي فإن باكستان تقف في عين العواصف الدولية.

لكن بغض النظر عمن سيفوز في انتخابات الثامن من فبراير/ شباط فإن السياسة الخارجية الباكستانية من نصيب وحصة العسكر، ولا يمكن أن يسمحوا لأي رئيس وزراء بالاقتراب من الخط الأحمر، والذي كان بارزًا في اقتراب عمران خان من روسيا عشية غزو أوكرانيا، فانقلب العسكر عليه، مما أدى إلى غضب أميركا منه، والمشاركة في الإطاحة به، كما يعتقد عمران ومؤيدوه، ولذا فأي صدام مقبل بين العسكر ورئيس حكومة باكستان مرتبط بهذه الحساسية المفرطة، حيث يرى العسكر أنهم الضامن لوجود وبقاء باكستان، ومثل هذه المفاصل أدوات لهذا الضمان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.