البطل والمؤثر والمحظور بين الدحدوح والعزايزة والقسام؟

Two young journalists reporting from the war zone
صحافة الأنا وإن كانت استثمارًا معرفيًا وعاطفيًا لممارسات ابتكارية، فإنها تطرح إشكالات مهنية تتعلق بالمصداقية والحِرفية والضوابط القانونية (غيتي)

حظرتْ منصة "إكس" حسابًا لكتائب القسام، بعد مرور ساعات على إنشائه، يوم الرابع من يناير/ كانون الثاني، بذريعة انتهاك القوانين، وبعد استهجان ومساءلة نشطاء غربيين لإيلون ماسك عن السبب، أخبرهم أنّ المنصة لا تعترف بمن تُدرجهم الأمم المتحدة على قوائم الإرهاب، لتنهال الانتقادات على تناقضه وتواطئه مع حسابات صهيونية عنصرية تتبنى خطابَ الكراهية وتحرض على الإرهاب!

هناك العديد من الحسابات التي تعود لفئات استيطانية تُصنف فاقدة للشرعية القانونية التي تحددها قوائم واتفاقيات الأمم المتحدة، علمًا بأن هناك جهات لم تزل مسجلة في القوائم السوداء، ولكنها ليست محظورة، منها الإيرانية والداعشية، لا بل إن "فتح" نفسها – كما يعيد ويكرر سفيرها في لندن حسام زملط – مسجلة كمنظمة إرهابية، فلماذا يُسمح لكل هؤلاء "الإرهابيين"، بامتلاك حسابات على منصات التواصل، ولا يُسمح لرجالات حماس وكتائب القسام؟!

إنه الخوف من المؤثرين الحقيقيين "المُغَيّبين" عن عالم تعتمد سجلاته الوجودية على منصّات تُفَعَّل بالتبعيةّ لا المتابعة، عبر خلق نماذج وهمية بمواصفات رقمية لا قيمية للبطولة، ولذلك يسارع قراصنة منصات التواصل لقطع الروابط التفاعلية والتأثيرية مع النماذج التي لا تخدم أجندتهم، وغاياتهم من وراء صناعة صحافة بديلة ترفد الماركات الكبرى لأشهر الصحف، بالمهمة المقدسة: خلق مواضيع أخرى – غير حالة الطقس- للتداول، تمامًا كما كتب أستاذ الصحافة البريطاني تيم لوكهيرست (Tim Luckhurst) عن أثر الصحف في الحرب العالمية.

صوّرت المعارك الميدانية والأداء المبهر لجنودها وطريقة إدارتها العمليات القتاليةَ، ثم بثتها عبر قناة الجزيرة وقنواتها على (تليغرام)، مستخدمة التكنولوجيا ضد مخترعيها، مُسقطة بذلك وصايتهم المطلقة على السردية وعلى آلية تصنيف وفرز المعلومات والأحكام، معيدة الاعتبار للحقيقة وأصحابها

انقطاع تيار كهربائي خلال الاستحمام (الشاور) موضوع يجب أن يكون تفاعليًا أكثر بكثير من تسديدة تدمر قلعة ميركافا، هذه هي اللعبة- يا عزيزي- التي من خلالها يعيدون تدوير الأصنام والعبيد بفهلوة خوارزمية، فأنت رقمٌ إذن أنت موجودٌ في "السيستم"، أما "حماس" التي تعيش معنا في نفس الكوكب، وحدها التي تقع خارج عداداته الرقمية، فهل نجح أسلوب الحظر بمصادرة تأثيرها وهي التي برعت باللعب خارج قوانين وميادين اللعبة وحقلها التفعيلي!

بالإضافة إلى العوامل السماوية التي حصنتْ وسائط التفاعل، طوّرت المقاومة نهجًا اختراقيًا لأساليب القمع والاستلاب، فضربت إعلام العدو والإعلام الغربي والمنصات الرقمية ضربة مزدوجة:

خاضت المعركة التفاعلية باستقلالية وجهوزية عبقرية، قائمة على صياغة ونقل الأحداث بأيدي مناضليها، بحيث صدّرتْ روايتها بنفسها، ووثقت التاريخ بلسان أبطاله وليس بلسان لصوصه، كما جرت العادة.

صوّرت المعارك الميدانية والأداء المبهر لجنودها وطريقة إدارتها العمليات القتاليةَ، ثم بثتها عبر قناة الجزيرة وقنواتها على (تليغرام)، مستخدمة التكنولوجيا ضد مخترعيها، مُسقطة بذلك وصايتهم المطلقة على السردية وعلى آلية تصنيف وفرز المعلومات والأحكام، معيدة الاعتبار للحقيقة وأصحابها.

قلبت حماس الطاولة على المتآمرين الذين يعملون على حرف الوعي عن مساره الفطري السليم الذي ينحاز للمعنى وللأسلوب الرزين، لا لتوافه الأمور التي تُهَمِّش المهم، ولكن كيف؟

صنعتْ حماس ماركة إعلامية خاصة بها، بأسلوب إيحائي "تعبيري وتعبوي" مشحون بالرسائل والدروس، وهي ماركة ليست أقل أهمية من قذائف الياسين، ولها ذات المفعول الذي أطاح بمبدأ الحشد التكنولوجي وضخامة الإمكانات؛ لتغزو البصمة التفاعلية "للإعلام العسكري لكتائب القسام" أرجاء المعمورة.

فترى كل من كان يتجنب إدانة المقاومة، يدافع عنها صراحة، وبدل أن يكون "للقسام" حساب تفاعلي واحد، أصبحت له آلاف من الحسابات التي تعود لمتفاعلين بأرصدة مليونية من المتابعين والمشاهدات، يتناقلون ما ينشره ويحتفون بإنجازاته، بمختلف اللغات والتأملات الإبداعية المدهشة، مما أعاد الاعتبار للبطل كنموذج لا كصنم، مدشنًا مرحلة جديدة للاستقطاب الرقمي قوامها: التأثير القِيَمي، الذي لا يُشبه أبطال الديجتال "المؤثرين الرقميين" الفائضين عن حاجة التداول، وهو ما أرّق العقل الروبوتي، الذي تورط بتكريس المقاومة وترسيخ حضورها عبر تغييبها وإقصائها، فقل لي من عدوك أقل لك من تكون!

معتز العزايزة وَأوين جونز

بعد أن نشر الناشط الفلسطيني معتز العزايزة آراء تهاجم المقاومة، تظاهر الأردنيون؛ احتجاجًا على ظاهرة "المؤثر الرقمي"، مما أثار تساؤل أسامة جاويش في برنامجه على قناة "مكملين" عن عدم ممانعة العرب والمسلمين لدعم مؤثر رقمي بريطاني، مِثْلِيّ الجنس، ومناصر للقضية الفلسطينية هو أوين جونز، بينما يجدون غضاضة باستيعاب العزايزة؟

لا شك أن هناك مرونة يبديها العربي حين يرى صحفيًا غربيًا ينحاز إلى قضيته بتفانٍ تام، خصوصًا إذا تابعتَ حواره مع بيرس مورغان وقارنته بأداء معتز العزايزة مع السي إن إن، فبينما رفض جونز زجّه في خانة إدانة "حماس" محاججًا مورغان بجرائم الاحتلال، إلى الحد الذي أهانه وفضح نفاقه، حضر العزايزة ضيفًا مدللًا على السي إن إن التي سألته: هل تستهدف "إسرائيل" المدنيين مباشرة؟

أجاب: "حين تريد إسرائيل استهداف أحد ما لا يهمها المدنيون المتواجدون في المكان، فهي تقتل الآلاف من أجل شخص"!

طبعًا لن تتوقع من المذيع "الغريب الأطوار" أن يستنكر هذا التمييع، قائلًا: "عندما نبشت إسرائيل القبور وسرقت الأعضاء وتركت جثامين الأطفال لتتحلل في المستشفيات ثم قنصت العجزة والنساء الحوامل قنصًا مباشرًا، واغتالت الصحفيين بطائرات مسيرة، هل كانت تستهدف أحد عناصر حماس؟".

ليس لأن معتز صحفي من غزة، إنما لأن الواجب الصحفي يحتم على صاحبه الانحياز لما لا يمكن أن يُعَدّ مُجرد وجهة نظر أو حيادية، بل قيمة مطلقة كما رآه أرسطو، والالتزامُ به شرفُ المهنة، أما التعبير عن رأي الجبهة التي ينتمي إليها المرء فحق مكفول، لا يجعل من صاحبه صحفيًا، بل ناطقًا إعلاميًا لجبهته، وهناك فرق كبير بين الدورَين، ما دام أنه وراء الأكمة ما وراءها!

الفارق المثير للعجب والأعجاب، هو حضور معتز على قناة الجزيرة مباشر بعد مغادرته غزة، حيث أصبح النموذج الرقمي نابضًا بلغة حية، لغة مختلفة تمامًا عما رأيناه "ما قبل الجزيرة".. فهل ستصنع هذه الأكاديمية معجزة إعلامية جديدة، تهزم بها خوارزميات وروبوتات مارك وماسك؟!

عبودية ديجتال ليست للدحدوح

تريد أن تصل إلى العالم أم تريد أن يصل العالم إليك؟! هل هي الشهرة أم الرسالة؟ اللغة أم الكاريزما التي عادة ما ينفرد بها شخص دون غيره في مجاله، تكرسه آلة أُخطبوطية، تفرضه كنموذج للاقتياد، لا الاقتداء كما يُفترض. إنه استلاب بأساليب خبيثة لبطل بلا بطولة سوى عبودية ديجتال تسيطر على اهتمامات الناس وتُحوّر معاييرهم، فأين وائل الدحدوح من كل هذا؟!

هناك أيقونية مُثُل ورموز، وهناك أيقونية تماثيل وأرقام، أما صحافة "الشوارع" – كما أُطلِقَ عليها قبل اعتماد "صحافة المُواطن"- فأريد لها أن تكون إصلاحية ثورية، ليس ضد الرقابة الحكومية بل ضد القيود الدينية والثقافية، ولذلك يعتبرها خبراء علم الاجتماع أفضل حركة اجتماعية منظمة في تاريخ العالم الحديث، إذ تسخر المواطن لأجندتها، تمامًا على طريقة "مطبخ وائل غنيم للثورة".

ولك أن تتخيل كيف رفض الصفوة في الغرب هذا النوع من الصحافة البديلة وأطلقوا عليه: "الحملات الصليبية المدنية" لطابعها المهيمن، ربما أكثر من سيطرة الجيش والكونغرس على وسائل الاتصال والنشر إبان الحرب العالمية الثانية!

نموذج "وائل الدحدوح" استثناء، فهو ابن الواقع وشهيده، وهو شاهد العيان الميداني، وهو المواطن والصحفي الملتزم حتى في أكثر اللحظات وجعًا ومرارة، لم يوظف رسالته لتصفية حسابات شخصية مع القاتل، كما ذكر هو في مقابلة "إم إس إن بي سي"، إذ تجرد من رأيه وألمه منحازًا لميثاق الشرف المهني: الحق، والأخلاق وقوانين الانتماء للمنظومة والرسالة الإعلامية.. فاستطاع أن يكون سفيرًا وبطلًا للصحافة الشهيدة، ونموذجًا حيًا عن "إنسان غزة" الذي ينهض من الموت ليكمل رحلة الحياة بشغف ووفاء للذين ضحوا في سبيلها، إنه مثال قوي خارق للفلسطيني الأمين حتى وهو غير آمن.

إنه وحْدَة ملحمية تتماهى فيها ومعها فلسطين المقاومة بكل مكوناتها، مما يُكرس الجميع بالنموذج، وليس العكس، أما صانع المحتوى فيفرض ذاتيته السلطوية، بما يشبه "الباراديغم" النموذج القابل للاستنساخ والمحاكاة عبر "الصحفي الأنا- السيلفي"- والذي يراه الباحثان في علم الاجتماع "جيل ماست ومارتينا تيميرمان" ضمن بُعده" الأنثوغرافي" قوةً متجددة – تناسب روح ما بعد الحداثة أو الحداثة الانعكاسية- وموردًا تنظيميًا وخطابيًا، مما سيضطر العالم للتنازل عن "المعيار الذهبي" للصحافة: الموضوعية!

صحافة الأنا وإن كانت استثمارًا معرفيًا وعاطفيًا لممارسات ابتكارية، فإنها تطرح إشكالات مهنية تتعلق بالمصداقية والحِرفية والضوابط القانونية، والخط الفاصل بين الأنا والمجتمع، بينما يرى لوكهيرست أن سيطرة بريطانيا على الصحف الرسمية خلال الحرب سخافة دستورية، وأن الصحافة الشعبية صقلت أوراق اعتماد بريطانيا بنسختها الديمقراطية لا الإمبريالية، لتبشر بطوفان صحافة بديلة منذ تهافتَ مراسلو المؤسسات الصحفية الكبرى إلى المطارات للحصول على صور وفيديوهات من هواتف العائدين من تسونامي، لبثها على قنواتهم.

فهل منصات التواصل واجهة أليفة تخفي وراءها غابة من أحفاد طرزان الجدد، الذين يرتدون البذلات وربطات العنق ويشربون الشامبانيا، ويراقصون حوريات "الكيت كات" ولكنهم لا يعترفون بمرافعات محكمة لاهاي ضد الجرائم الصهيونية؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.