الهزيمة الإستراتيجية قبل الهزيمة الوجودية

مشيعون يحضرون جنازة الجندي الإسرائيلي الرقيب ديفيد بوجدانوفسكي، الذي قُتل في قطاع غزة (رويترز)

يتدفّق "طوفان الأقصى" منذ تسعين يومًا أو يزيد، ويجرف أمامه كثيرًا من القناعات والمفاهيم، والأوهام التي رانت على القلوب والعقول، منذ أن غرس الغرب في قلب الوطن العربي مشروعه الكولونيالي الإحلالي.

ففي الغرب نفسه بات كثير من مثقفيهم ومفكريهم يتحدثون عن أن ما آلت إليه الحرب الإسرائيلية على غزة حتى الآن- بمساعدة الولايات المتحدة، وحلف "الناتو"- هو هزيمة إستراتيجية لإسرائيل.

نعم هي كذلك، كما يتّضح من مجرّد مراجعة سريعة للنتائج، حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها. فقد أخفقت إسرائيل وجيشها، ومنظومتها السياسية والتعبوية والإدارية، في تحقيق أي من أهدافها المعلنة من الحرب، بعد ثلاثة شهور علت فيها أصوات استغاثات جنودها، بل علت فوق صراخهم الرعديد تكبيرات المقاومين المجاهدين.

ما نشهده من صمود وغَلَبَة للمقاومة في الميدان في غزة، وتمسك بالأرض وتراب الوطن من جانب المواطنين، ورفض لأي تهجير قسري أو طوعي  يجعل من "طوفان الأقصى" هزيمة إستراتيجية للغرب، كما هي لإسرائيل

فلا قضت إسرائيل على حماس والمقاومة، ولا هي استنقذت محتجزيها في غزة، ولا هي نجحت في رأب الصدع الاجتماعي المتعمق يومًا بعد يوم داخل كيانها الكولونيالي، ولا هي تستطيع اليوم أن تزيل آثار الهزيمة النفسية التي لحقت بمستوطنين قيل لهم يومًا: هذه هي أرض العسل والسعادة.

إنّ كل ما أنجزته إسرائيل هو التدمير والإبادة الجماعية النابعة من عقيدتها الإجرامية "المقدسة"، قتلًا وإعاقة للأطفال والنساء والمدنيين بعشرات الألوف وأكثر، فأصبحت في نظر كثيرين في العالم دولة مارقة، اللهم إلا في نظر جو بايدن، والصهاينة من شاكلته، عربًا وعجمًا.

هزيمة إستراتيجية للغرب

وهي كذلك هزيمة إستراتيجية للغرب الاستعماري، إذ هو من زرع إسرائيل حيث هي اليوم، وحرص على الدوام على نجدتها في كل خطر، والذود عنها عند كل مواجهة. فقد أرادها دهاقنته، وأرباب خططه ومؤامراته إسفينًا يشق الوطن العربي، ويتسلّط عليه، ويسلط عليه أتباعًا للغرب من أهل الوطن أنفسهم. وهؤلاء ما زالوا يؤدون وظائفهم إرضاء للغرب حتى يومنا هذا.

وقد تعوّدنا نصرة الغربِ إسرائيلَ فيما مضى، لكنهم هذه المرة هبّوا إليها بخُيَلائهم وقادتهم، ونشروا أساطيلهم وطائراتهم في البحار حين رأوا أنّ مستقبل الكيان الإحلالي، ومستقبل الدور الذي يقوم به، بل ومستقبل وجوده، مهددٌ بالخطر، إذ أخذ يهتز ويترنّح أمام حركة مقاومة في بقعة من الأرض، يمتلك أكبر منها بكثير أصحاب المزارع والأموال في أميركا، وغيرها من دول الغرب الرأسمالي. كلهم توافدوا على الكيان ليقولوا: "نحن معكم" إلا من امتلك منهم الجرأة ولم يأتِ.

وحين يصبح المشروع الاستعماري مهددًا بالسقوط في مرحلة الهزيمة الإستراتيجية، فإن المستعمر يصبح أشرسَ في هجماته، وأقسى في ردود فعله. ولعل أبرز مثال على ذلك ما قامت به الولايات المتحدة، وما ارتكبته من مجازر في فيتنام، ذهب ضحيتها ثلاثة ملايين فيتنامي، حين أدركت أن هزيمتها الإستراتيجية- أمام ثوار الفيتكونغ وصمود "هوتش منه" في هانوي- ستصبح عما قريب هزيمة وجودية، فما لبثت أن رحلت تاركة وراءها طائراتها وأسلحتها وعملاءها، ليواجهوا مصيرهم المحتوم، مثل كل عملاء الاحتلال حين ينهزم ويرحل. والأمثلة على مثل ذلك كثيرة، ولا يتّسع مقال كهذا للتَّعداد.

وليس غريبًا ولا محيرًا، والحال هذه، أن تشارك قوات الغرب وجنوده في الحرب على غزة، وليس مفاجئًا ولا غريبًا أن تكون الغاية النهائية للحرب- التي يريدها الغرب وإسرائيل، وهي أداته الإجرامية وآلة حربه الميدانية- هي الإبادة الجماعية لأهل غزة وتهجيرهم، فالبحث جارٍ الآن في دوائر الكونغرس مع المسؤولين الإسرائيليين عن أفضل السبل لتهجير سكان غزة لأميركا، وتشجيعهم على الرحيل.

لكن ما نشهده من صمود وغَلَبَة للمقاومة في الميدان في غزة، وتمسك بالأرض وتراب الوطن من جانب المواطنين، ورفض لأي تهجير قسري أو طوعي – رغم استشهاد وإصابة قرابة مئة ألف أو يزيدون حتى الآن- يجعل من "طوفان الأقصى" هزيمة إستراتيجية للغرب، كما هي لإسرائيل.

هزيمة للنظام العربي

كما أن "طوفان الأقصى" هزيمة إستراتيجية للنظام العربي: السياسي والاجتماعي، وللمنظومة الفكرية، والحزبية العربية.

فقد ارتبط قيام بعض الكيانات العربية دولًا، بالمشروع الكولونيالي الإحلالي حتى قبل الإعلان عنه كيانًا مستقلًا على أرض فلسطين. وظل ذلك الارتباط يتعزز ويتقوى برعاية الدول الغربية، إلى أن أصبحت العلاقة الطبيعية مع إسرائيل إحدى ركائز استمرار النظام العربي، وحمايته ممن قد يهددونه من داخله ومن خارجه.

في البداية، وبعد هزائم الجيوش العربية عام 1948، ظلّ النظام العربي يتشدّق بنصرة قضية فلسطين، ويستغلها كي يسوّق شعبيته في الداخل وكي يتَرَزَّق بها بعض أقطابه. ومن لحظة قيام إسرائيل حتى عام 1967 ظلت الجبهات العربية هادئة في الأغلب، فيما عدا فترة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين وصلت القوات البريطانية، والفرنسية، والإسرائيلية إلى بورسعيد، ولولا رفض الرئيس الأميركي إيريك إيزنهاور آنذاك- وقد أصبحت بلاده سيدة الغرب خلفًا لبريطانيا- لما انتهى العدوان بالسرعة التي انتهى بها.

وبعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 المدوية، ساد لدى العرب مصطلح "إزالة آثار العدوان"، وظلت الجبهة المصرية مشتعلة فيما كان يعرف بحرب الاستنزاف، إلى أن عبر الجيش المصري قناة السويس، وحطّم خط بارليف عام 1973.

ومع أن أداء القوات المصرية كان نصرًا لا يمكن لمنصف أن يماري فيه، فإن نظام أنور السادات كان امتدادًا للنظام العربي الرسمي، الذي استولدَه الاستعمار الغربي، وجعله بمثابة غشاوة استقلال خادعة تعمي عيون وبصائر الشعوب العربية، وتطمس على قلوبها فتغفل عن واقعها المرير.

لقد كان أنور السادات يؤمن- كما يؤمن معظم أرباب النظام العربي- بأنّ العرب عاجزون عن مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وبأن 99% من الأوراق بيد واشنطن. وهكذا يصبح الحديث عن مواجهة إسرائيل وهزيمتها في الميدان عبثًا، فتوقفت المدافع وانكشف الأمر، إذ كانت الحرب حرب تحريك، وليست حرب تحرير باتفاق وتنسيق مع الأميركيين. وما لبث السادات أن طار إلى القدس المحتلة، وأصبح في نظر الغرب- ووسائل إعلامه- بطلًا سيتبوأ الصدر في التاريخ، لو لم يقتل في احتفال بذكرى حرب أكتوبر.

ومنذ ذلك اليوم الذي ارتمى فيه رئيس أقوى وأكبر دولة عربية في أحضان الغرب- علنًا وجهارًا- أصبحت مواقف أنور السادات وسياساته قدوة لمعظم العرب على الصعيد الرسمي، فنزع غيره عن نفسه الغطاء الذي أخفى حقيقته لسنوات طويلة، وهرول الجميع إلى بيت الطاعة الأميركي وصالحوا، بل أصبحت العلاقة مع إسرائيل درع حمايةٍ وأمنٍ للنظام الرسمي العربي، ولو على حساب الفلسطينيين وقضيتهم.

وتبخّرت كل شعارات التضامن والعمل العربي المشترك، بل أصبح مفهوم العمل العربي المشترك هو كلَّ عملٍ يجمع مَن يطمحون للارتباط بالكولونيالية الغربية وخدمة مشاريعها، وإسرائيل على رأسها، ولو على حساب الشعوب وحياتها الكريمة. ومن هؤلاء للأسف طامحون صغار من أهل فلسطين نفسها جعلوا التنسيق الأمني مع الاحتلال طوقَ نجاتهم الوحيد، وتنصّلوا من كل فكر حر، أو عقيدة مقاومة.

ثم جاء "طوفان الأقصى" ليجرف كل تلك الأوهام، ويعرّي ويفضح كل من جعلوا من الغرب إلهًا ووليًا من دون الله، وهذه- لعمرك- هي الهزيمة الإستراتيجية التي تسبق الهزيمة الوجودية.

هزيمة إستراتيجية للنظام الاجتماعي والفكري العربي

قد يتساءل المرء إما مشككًا أو متحيرًا: "إذا كان الاستقلال الذي يتشدّق به النظام العربي الرسمي، غشاوة استعمارية تُلَفِّعُ وتُخفي الحقيقة، كما يزعم كثيرون ومنهم صاحب هذا المقال، فما ذنب المجتمعات العربية المغلوبة على أمرها، وهي لم تنل استقلالًا حقًا، ولا حرية جوهرية، كما يريدها الله لخلقه، وكما فطرهم عليها؟"

فهل يُنال الاستقلال هبةً؟ وهل تُعطى الحرية منحةً؟ يقول لنا التاريخ؛ إنها تُنتَزَع انتزاعًا، فالدنيا تحركها وتوجهها سُنن التدافع، من تراخى عنها تخلف، ومن هوى في قعرها أَسِنَ واختنق.

لقد غفلنا طويلًا عن حالنا فلم نجرؤ على أن نسأل ونُسائِل ونطالب بحريتنا أفرادًا وجماعات. رسخوا في عقولنا أن الولاء لمن يتربع فوق الناس، فنسينا أن الولاء الأول لمن خلق الأكوان والناس والجوهر والمعنى، وجعل الناس أحرارًا بالفطرة، وأن كل الولاءات في المجتمع لا بد أن تستمد مشروعيتها من ذلك الولاء الأول.

قيل لنا؛ إن ما يجمعنا هو الولاء الوحيد لأقطارنا فتشتَّت هُويتنا وأصبحنا عاجزين عن إدراك معاني الأمة الجامعة، عاجزين عن الإلمام  والتصور الشامل لجغرافيتنا المتصلة، والوعي العميق بتاريخنا الواحد.

قيل لنا؛ إن أقوى عرى هُويتنا هي العروبة قبل الإسلام، أو هي الإسلام قبل العروبة، فتشتّت أفكارنا ومفاهيمنا، ونسينا أن نفْي أحدهما عن الآخر تنصرم به عرى الهوية، وتتشتت معه شعوبنا، لذا يُسْتهان بها كما هو حالنا اليوم. أوَ لسنا – نحن العربَ – من حملنا الرسالة للعالم بقيادة رسولنا الأعظم والخاتم؟

انبهر كثير من مفكرينا ومثقفينا بالآخر غربًا وشرقًا، فقالوا لنا؛ إن السبيل الوحيد لنهوضنا هو أن نذوب في العالم من حولنا، وأنه لا يمكننا أن نصمد وننتصر ونستعيد كرامتنا وموقعنا، أمةً عزيزةً بين الأمم، من دون اللحاق بركب الغرب وقيمه.

قيل لنا؛ إن العلم الحديث والدين لا يلتقيان فتهافتنا وتاهت أجيالنا، تبحث في العالم حولها عن فرصة للعمل والدراسة وتحقيق الذات، ثم لا هي عادت للديار، ولا الديار نهضت بها وظفرت.

نعم، هي غشاوة استقلال واهم تسيطر على العقول والقلوب، وتفرق الأمة أشتاتًا حتى أصبحت المجاهرة بحبّ إسرائيل وارتفاع أعلامها في أوطاننا شجاعةً يحمد عليها أصحابها، ويتغنى بها شعراء الاسترزاق، وحتى بعض رجال الدين من الجموع الخائفة.

ثم جاء اليوم "طوفان الأقصى" ليكشف ويعري ويفضح ويحفز ويعيد الوعي ويجدد مناطات التكليف.

ها هي فئة قليلة حوصرت في شِعْب غزة تُربي أجيالًا مختلفة عما ألفناه، فهي لا تمنّي النفس بهجرة لا إلى شرق ولا إلى غرب. يُستشهَد الطفل والرضيع والابن والابنة والزوج المعيل، وتقول الأم؛ الحمد لله.

يقصف المنزل فيعودون للصمود والرفض فوق الحطام، لا نكبة ثانية ولا هجرة أخرى.

يحاصرهم ذوو القربى قبل الأعداء فيصنعون سلاحهم البسيط، ويرمي أحدهم، موقنًا بأن الرامي هو الله ربه، فتصبح آلة الحرب الجبارة صيدًا سهلًا يتعجب من فعله الناس! ولو كان الرامي غيرهم لاستعصى عليه الصيد.

يقاتلون ولا ينتظرون من جيوش الاستقلال الموهوم نصرًا، بل هم يعتبون على إخوانهم في الإسلام والعروبة الذين يشاهدون أطفال غزة في الأكفان وجثثهم في الشوارع وبطونهم خاوية ولا يفعلون شيئًا لإغاثتهم ونصرتهم. فهل سمعتهم يومًا يشتمون أو يُفْحِشون قولًا؟ لسان حالهم يقول دومًا: اللهم اهدِ قومنا فإنهم غافلون.

لقد تربّى هؤلاء الناس في غزة على الحمد، فلا يقولون إلا خيرًا، ولا يريدون إلا ما يرضي الله فهو في عقيدتهم: " جهاد نصر أو استشهاد".

عسى أن تستخلص الأمة من "طوفان الأقصى" العِبرة فتتحرر، وإلا فهي هزيمة وجودية بعد الهزيمة الإستراتيجية. والله غالب على أمره.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.