جذور الغضب البلوشي في باكستان

November 30th 2018. People dressed in traditional Kameez tunics, traditional Balochi dress, buy and sell goods and products in the streets near Jameh Mosque of Zahedan, Zahedan, Sistan and Baluchestan province, Iran. (Photo by Saeid Arabzadeh / Middle East Images / Middle East Images via AFP) (Photo by SAEID ARABZADEH/Middle East Images/AFP via Getty Images)
بالقرب من مسجد جامع في زاهدان، زاهدان، مقاطعة سيستان وبلوشستان (وكالات)

نبشَ القصفُ الإيراني- في السادس عشر من الشهر الجاري- إقليمَ بلوشستان الباكستاني، ملفات قديمة جديدة، فكان ملف الغضب البلوشي الباكستاني أساسيًا في عملية النبش هذه، وهو ملف يتشابه في كثير من جوانبه وخلفياته وتداخل الدول المعنية به، مع الملف الكردي في منطقتنا، بحيث لشعوبه تطلُّعاتها ومظالمها وانشغالاتها، مع قدرة كل دولة تضم المكون البلوشي، على توظيفه أحيانًا لصالحها.

وغالبًا ما ينقلب إلى ضده، ليغدو أشبه ما يكون بحقل ألغام، وبرميل بارود، يستخدمه البعض ضد البعض الآخر، لكنه في حقيقته وواقعه يهدد بالانفجار بوجه الجميع في لحظة ما، ما دام أن هذا الجميع، يصرّ على كنسه تحت السجادة، رافضًا الاعتراف به، فضلًا عن التعاطي معه بإيجابية، مما يجعله نهبًا للاستخدام من قبل قوى طامعة بتوتير المنطقة.

فالمعروف أن ما يجمع البلوش والكرد هو رغبتهم في الحصول على حقوق. لكن مع عدم التعاطي بإيجابية على مدى عقود مع هذين الملفين، رأينا تطور المطالبة لدى البعض منهم بدولة خاصة، لاسيما بعد التهميش والحرمان اللذين عاشوهما لعقود للأسف، وهو حرمان في حقيقته عاشته شعوب المنطقة في ظل الاستبداد السياسي أو الحزبي أو سمِّه ما شئت، والذي شمل الجميع، ولم يوفر أيَّ شريحة للأسف.

كان أكثر ما تجلّت فيه عسكرة الملف البلوشي العملية العسكرية التي أمر بها الرئيس الباكستاني الراحل برويز مشرف والتي أسفرت عن مقتل زعيم بلوشي وطني معروف وهو نواب أكبر بوجتي

صاحب عملية الإقصاء والتهميش الافتقار إلى قيادات دَولتيّة حقيقية تنظر أبعد من مصالحها الحزبية والانتخابية والآنية؛ بغية وضع القطار على السكة لصالح الأجيال اللاحقة، عبر الحديث وبشفافية وجرأة مع صناع القرار البلوشي، لمعالجة كل الانشغالات البلوشية العابرة للحدود والتخوم الموضوعة من قبل المحتلين الأجانب، والتي كانت بحق كما وصفها البعض بحدود الدم.

طوال إقامتي في باكستان التي امتدّت لثلاثة عقود اهتممت بالملف البلوشي، إن كان من خلال عملي في الصحافة التي فرضت عليّ ذلك، أو من خلال الرغبة في إجراء مقايسات ومقارنات بينه وبين الملف الكردي، الملف الضاغط في منطقتنا، وفوق هذا رغتبي الشخصية الأكاديمية في قراءة تاريخ هذا الملف، إذ ساعدني في التعرف على متعرجاته وتضاعيفه إخوة باكستانيون بلوش، فترجمت تلك الرغبة إلى إعداد فيلم قبل عقد تقريبًا للتعريف بالقضية، وبخلفياتها التاريخية؛ أملًا في أن يفتح أبوابًا ونوافذ في المساعدة بالمعالجة، والتخفيف من خطورتها المستقبلية ليس على باكستان فقط، وإنما حتى على المنطقة الخليجية؛ نظرًا لوجود البلوش على الضفة الأخرى من الخليج العربي، إذ إن ثمة مصالح بلوشية على الضفتين إن كان من حيث التشاطر العائلي، أو المصالح الاقتصادية.

حين الحديث عن الغضب البلوشي في باكستان، تبرز أمامنا قضيتان هامتان وحساسّتان، لهما علاقة بتنامي هذا الغضب وهذا التمرد، ومع عسكرة القوى الحاكمة وحتى السياسية الباكستانية لهذا الملف تزداد خطورة الانفجار وقوته ومداه ورقعته الجغرافية، وكان من آخر تجليات تلك العسكرة للأسف، تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني المؤقت أنوار الحق كاكر الذي خرج عن طوره، وفقد أعصابه في مؤتمر صحفي في العاصمة إسلام آباد، حين قال: على هؤلاء النسوة المحتجّات على اختفاء أقاربهن لدى الأجهزة الأمنية، أن يعلمن أن أبناءهن وإخوانهن قاتلوا ضد الدولة الباكستانية.

كان أكثر ما تجلّت فيه عسكرة الملف البلوشي العملية العسكرية التي أمر بها الرئيس الباكستاني الراحل برويز مشرف والتي أسفرت عن مقتل زعيم بلوشي وطني معروف وهو نواب أكبر بوجتي، حين اقتحمت مقره في بلوشستان أواخر أغسطس/ آب من عام 2006، وهو ما سمّاه بوجتي نفسه يومها بأنه يوم شبيه بـ 9/11 لبلوشستان، فقد ظن الكثيرون أن عصر العمليات العسكرية الباكستانية قد ولى، بعد أن تعرض الإقليم منذ عام 1948 تاريخ بدء هذا الصراع إلى خمس عمليات عسكرية، ولكن مع حصول هذه العملية العسكرية التي استهدفت زعيمًا بلوشيًا وطنيًا بحجم بوجتي، فقد  ضاعف ذلك من خطورة التمرد البلوشي الذي تقوده الجماعات البلوشية، ومنحها شرعية وحاضنة اجتماعية جديدة، ودعمًا للأسف في عملياتها المستهدفة لمؤسسات الجيش والدولة لاحقًا، الأمر الذي فاقم من المشكلة، وزاد من تداعياتها، ولا تزال باكستان تدفع ثمن تلك العملية العسكرية، وربما ستظل تدفع ثمنها لفترة طويلة.

التهميش السياسي والاقتصادي

يعد إقليم بلوشستان أكبر الأقاليم الباكستانية جغرافية، إذ تُشكل مساحته 43.6% من مساحة باكستان، لكنه الأقل سكانيًا. تحاذي حدودُه كلًا من أفغانستان وإيران، ويتمتع الإقليم بطبيعة طبوغرافية صعبة للغاية، مما جعله مركزًا وموئلًا لعصابات التهريب، حتى أطلق على مثلثه الذي يلتقي فيه مع أفغانستان وإيران، بالمثلث الذهبي لعصابات التهريب، ونشطت فيه أيضًا جماعات بلوشية إسلامية إيرانية مقيمة في إيران، تسعى لانتزاع حقوقها، كما نشطت أيضًا جماعات بلوشية قومية باكستانية ومقيمة في الجانب الإيراني، لانتزاع حقوقها في باكستان.

حتى مايو / أيار 1998 لم يكن الإقليم تحت الأضواء الإعلامية العالمية، ولكن مع التفجيرات النووية الباكستانية التي جرت في منطقة تشاغي بالإقليم، برز اسم الإقليم إلى الواجهة الإعلامية العالمية، وتبع هذا مطالبة الأحزاب السياسية والقومية البلوشية بحقوق سياسية واقتصادية، نتيجة الشعور بالغَبن في تهميشها من قبل ما توصف بالأغلبية البنجابية التي تمثل 60% من سكّان باكستان، وتعدّ لاهور عاصمة إقليم البنجاب، وتحظى بقصب السبق في الحكم وتقرير مصير باكستان، وقد انعكس هذا التهميش السياسي على الجانب الاقتصاديّ، فظهر هذا في كل اللقاءات التي أجريتها مع قادة بلوش قوميين وإسلاميين، الذين التقيتهم خلال فترة وجودي في باكستان، إذ كانوا يعبرون عن غضبهم وتبرّمهم من الحال الذي وصلوا إليه، ولعلّ مصنع ذلك كله جامعة بلوشستان التي زرتها غير مرة، فلمست حجم الغضب والغبن الذي يشعر به البلوشي إزاء حالة التهميش التي يعيشها سياسيًا واقتصاديًا، ومعلوم أنّ هؤلاء الطلبة هم الذين سيكونون قادة الفكر والرأي والقرار مستقبلًا.

أما فيما يتعلق بالتهميش الاقتصادي فيظهر في حرمان الإقليم من الغاز الذي ينتجه، بينما يمدُّ الأقاليم الباكستانية الأخرى به، ومما يعزز ذلك المشاريع الاقتصادية الباكستانية العملاقة التي تقوم بها إسلام آباد مشاركة مع بكين في مشروع الحزام والطريق، والمارّ من الإقليم، مما ترتب عليه توسعة ميناء جوادر، والذي يتوقع أن ينافس ميناءي دبي وتشاربهار الإيراني، حيث دخلت الهند على الخط لتوسعة الأخير؛ بهدف إضعاف ميناء جوادر الباكستاني الذي ترى في توسعته خطرًا وتهديدًا عسكريًا، أبعد من التهديد الاقتصادي، ومع هذا كله فإن التوسعة لم تنعكس إيجابًا على السكان البلوش الأصليين، الذين باتوا يرون أن هذه التوسعة، وهذه المشاريع تخدم العرقيات الباكستانية الأخرى، أكثر مما تخدم أهل الإقليم الأصليين، بحيث وفّرت للعرقيات الأخرى فرص عمل جديدة على حساب أهل المنطقة، كما تسببت في الإخلال بالتوازن السكاني والديمغرافي، نظرًا لاستقدام عمال وموظفين باكستانيين من الأقاليم الأخرى ليقيموا على أرض هذا الإقليم، مما قد يهدد البلوش بأن يغدو أقلية مع مرور الوقت، تنعكس مباشرة في الانتخابات المحلية والفدرالية المؤثرة في فرز صناع قرار الإقليم.

هذا الواقع دفع بعض الجماعات البلوشية المتمردة إلى تصعيد العمليات العسكرية ضد القوات الباكستانية، وحتى ضد الشركات الصينية وعمالها وموظفيها، بحيث خطفت منهم وقتلت بعضهم، وذلك من أجل وقف المشروع، وهو الأمر الذي قد يكون له تدخلات، وحسابات إقليمية، وهو ما تعتقده القيادة الباكستانية.

قنبلة المفقودين البلوش

مع تهميش البلوش سياسيًا واقتصاديًا، تأسَّست الجماعات المسلحة البلوشية المتمردة، كتعبير عن هذا التهميش، وسعيًا لاستعادة حقوقها السياسية والاقتصادية كما تعتقد، وبرز معه كالعادة صراع دموي، بدأ في واقعه مع بداية تأسيس باكستان 1948، وتناسل لأربعة صراعات مفصلية معروفة عبر تاريخ الصراع البلوشي الباكستاني، وإن كانت السنوات الأخيرة تراجع فيها، لكنه لم ينتهِ أو يخمد بالكامل، فقد ظل كالجمر تحت الرماد.

هذا الجو المتوتر والمتصاعد خلق ردّات فعل لدى السلطات الحاكمة في إسلام آباد، التي لجأت إلى الاعتقالات، فشملت حالات الاختفاء القسري والذي قدّرت أرقامه منظمات حقوقية بلوشية حتى عام 2013 بـ 8 آلاف مفقود، وفقًا للمعايير التي وضعتها منظمات حقوقية أممية، لكن موقع صوت البلوش قدّره بخمسة آلاف مختفٍ، بينما تقول التقديرات الحكومية الرسمية إن العدد لا يتعدى 2700 مفقود، وبغض النظر عن العدد، لكن تبقى معالجته أمرًا مهمًا، إذ إنه بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر بوجه الجميع وفي أية لحظة.

ردّت منظمات حقوقية بلوشية وحتى نخب بلوشية نسوية وغيرها على ذلك بمظاهرات واعتصامات أمام البرلمانات المحلية في الأقاليم الباكستانية الأربعة المعروفة، بالإضافة إلى البرلمان الفدرالي في إسلام آباد، لكن دون جدوى، وقد رأت هذه المنظمات الحقوقية أن حالات الاختفاء القسري هذه، إنما تستخدم كأدوات ترهيب من أجل إسكات مطالبات الشعب البلوشي بحقوقه السياسية والاقتصادية.

بلوشستان منذ البداية لم تكن راغبة بالانضمام إلى باكستان عام 1948 حين انفصلت عن الهند، وعزز من هويتها أنها كانت إمارة مستقلة بذاتها قبل تأسيس باكستان، مما خلق شعورًا لدى القيادة الباكستانية وصناع القرار فيها، أن البلوش ربما يكررون ما حصل في انفصال بنغلاديش عام 1971، حين تسببت بهزة باكستانية كبيرة، ولا تزال، ولذا فالقيادة الباكستانية تتصرف مع البلوش وطموحاتهم وفقًا لتلك التجربة المريرة التي عايشتها، ولذا يتحتم على الطرفين الاعتراف بالمشكلة، والسعي الجاد لمعالجتها وفقًا للواقع والمصلحة.

الحل في صالح الدولة الباكستانية

بدون شك فإن التركيز الاقتصادي الباكستاني القادم سيكون على ميناء جوادر ومشروع الحزام والطريق القادم من الصين عابرًا باكستان إلى الخليج العربي، ولذا فإن الغضب البلوشي قادر على عرقلة هذا المشروع الذي تعوّل عليه الميزانية الباكستانية بشكل كبير، وتعوّل عليه في تمتين علاقاتها الصينية، وفرض نفسها كقوة إقليمية حقيقية، من خلال التحكم بمعابر ومسارات اقتصادية دولية، خصوصًا أن باكستان تعيش ظروفًا اقتصادية صعبة، فكيف إن تم استهداف مثل هذا المشروع الاقتصادي الحيوي المهم؟، وهو ما سيضر بعلاقاتها مع الصين الحليف الإستراتيجي والحيوي في المنطقة، في مواجهة خصوم ومنافسين وأعداء إقليميين كثر.

ونحن نرى الطريق العالمي الذي تسعى أميركا إلى فرضه عبر خصم باكستان التقليدي وهو الهند، ولذا فإن تسوية هذا الغضب في صالح باكستان على المديات كلها: القريبة والمتوسطة والبعيدة. ولعل أكثر الملفات الضاغطة في ذلك هو ملف المفقودين قسريًا، بحيث يقترح البعض أن تُقام محاكم خاصة تنظر في القضية بكل أبعادها، وتصدر أحكامها المرضية والمقنعة للجميع، الأمر الذي ينبغي أن يتبعه معالجة لكل الانشغالات البلوشية على المستويات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لمنع استغلال هذه التوترات من قبل قوى إقليمية ودولية تتربّص بباكستان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.