الرواية في مصر.. إمبراطورية الفوضى والتفاهة والمال الأسود

ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ
ملحمة الحرافيش من روائع الروائي نجيب محفوظ (مواقع التواصل الاجتماعي)

في الزمن الذي كانت فيه "جامعة القاهرة " تحتفظ بما تبقى لها من هيبة أكاديمية، كان قسم اللغة العربية بكلية الآداب يضمّ أساتذة يمارسون النقد التطبيقي، ويطبعون الكتب وينشرونها حاوية رؤاهم المهمة.

من هؤلاء الدكتور "سيد حامد النساج" صاحب الدراسة المهمة حول القصة القصيرة في مصر، في حقبة الستينيات، وهذه الدراسة صدرت عن دار المعارف منذ سنوات. وكان الدكتور" شكري عياد "يكتب النقد بين الحين والآخر على صفحات مجلة "الهلال".

 قوى شريرة

وانتهى هذا الزمن ومات الأكاديميون المحترمون، وأصبح "سوق الرواية والقصة" في مصر مباحًا للعامة والدهماء ومستباحًا من قوى شريرة، لا تخدم الأدب ولا ثقافة المجتمع، بل هي طامعة في عضوية الكيانات الجامعة للكتاب بأطيافها، مثل: "اتحاد الكتاب " و"نادي القصة ".

ومن غير الأكاديميين الذين كتبوا النقد الأدبي وأفادوا المبدعين الراحل "فاروق عبد القادر"، و"يحيى حقي" و"رجاء النقاش "، وكان المبدعون يعرفون قيمة هؤلاء الكبار، ويتعلمون مما يكتبون في الصحف.

وابتداءً من تسعينيات القرن الماضي، تغيّر المشهد الروائي والقصصي في مصر، تعثرت مجلات وزارة الثقافة، وأصبحت تصدر فصلية بعد أن كانت منتظمة الصدور شهريًا، وصدرت تعليمات "العولمة الثقافية الأميركية "، وضخت المخابرات الأميركية "، من خلال الجامعة الأميركية بالقاهرة" حشودًا من شباب "الاستشراق" لدراسة اللغة العربية.

ونشط قسم الترجمة والنشر في الجامعة المذكورة، بل إن جائزة باسم الكاتب الرائد "نجيب محفوظ" أنشأتها الجامعة، لتسيطر على "سوق الرواية"، وتجعل الشبان الطامحين في "العالمية المتوهمة " يكتبون وَفق المطلوب أميركيًا، وبالتالي يحصلون على لقب "كاتب عالمي"؛ بمعنى أنه كاتب تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية وغيرها.

 أعمال أدبية بائسة

ورغم أن هذه "الترجمات " لا تخرج من "سور الجامعة "، وإن خرجت فلا تتجاوز حدود "العينة العشوائية" التي يحتاجها الباحثون لاختبار فروضهم العلمية، ولا تطرح لعموم القرّاء في نيويورك أو برلين أو باريس، إلا أن الكتّاب الطامعين في "العالمية المتوهمة " بلعوا الطعم، وصدقوا أنهم عالميون، وأن القارئ الغربي يعرفهم ويقرأ أعمالهم البائسة!

ولحق الدمار الأميركي بالرواية المصرية الراسخة، التي أرسى دعائمها "نجيب محفوظ"، وجيله من الروَّاد، فتحولت من عمل إبداعي هادف إلى الوعي بحركة المجتمع، ومحاولة فهم خباياه ودراسة شخوصه وشرائحه الاجتماعية، إلى عمل يهتم بالجسد الأنثوي "المقهور!"

وهذه مصيبة جعلوا لها عنوانًا هو "كتابة الجسد"، وصدرت مئات الروايات والقصص التي تحتوي حكايات عن علاقات جنسية غير طبيعية، وعن "الختان" الذي قتل "الأنوثة" لدى فتيات الريف، ووجد هذا الموضوع نقادًا يكتبون وينظّرون له ويعتبرونه "ثورة " في عالم الأدب، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبارى ـ الذكورـ في كتابة قصص تحكي عن تعرّضهم للتحرش والاغتصاب في حقول القصب، والبوادي المصرية.

 كتابة الأقليات

ووجدت هذه النوعية من القصص الآذان المصغية "كلها آذان فرنسية وأميركية "، ووجدت الحفاوة النقدية، وضخّت "فرنسا أموالًا رهيبة وكذلك "ألمانيا" لدعم "كتابة الأقليات"، والمقصود بها الكتابة عن "الأقباط" و"النوبيين" و"العربان "، وهي أقليات لها ثقافات خاصة، لكنها في ظل العولمة الأميركية ـ الأوروبية، تحوّلت إلى موضوع استثماري، ثقافي.

وتحول الكتّاب الذين يكتبون عن واقع هذه الأقليات إلى "تَرْزية أدب"، يفصّلون الروايات والقصص على مقاس "المترجم الغربي "، وانحسرت هذه الموجة مع مطلع الألفية، عقب الغزو الأميركي للعراق، وتراجع المفكّرون "المخابراتيّون" من نوعية "فوكوياما " عن مقولات "نهاية التاريخ" والسيطرة الأبدية للسيد الأميركي على العالم، وقيام فرق "المقاومة المضادة للعولمة الأميركية" بتنظيم نفسها، في دول أوروبية، مثل: "السويد" و"بريطانيا" وداخل أميركا نفسها، ونجاحها في التصدّي لهذا "الخطاب الهمجي" المغلف بعبارات عن "حرية الجسد، وحرية الأقليات .."، وفضح جوهره الاستعماري المعادي للبيئة والحياة والبشرية.

المال الأسود

ولكن "مصر" كانت على موعد مع "المال الأسود" وهو المال الناتج عن التجارة في الآثار المصرية القديمة، وهي تجارة "مليونيّة ومليارية" تمارسها جماعات منظمة، وعن التجارة في المخدِّرات وغيرها من الأنشطة غير القانونية، وهذا المال غير الشرعي وجد في نشر الكتب مجالًا لاكتساب الشرعية "تبيض الأموال"، واختار عددًا من أنصاف المتعلمين وجعلهم يديرون "شركات النشر" التي تخصصت في نشر "التفاهة " وكل ما لا علاقة له بالأدب، منذ أن نشر "فلوبير" وبلزاك" و"تولستوي" و"ديستويفسكي " أعمالهم الأولى!

وتشكلت "مجموعات قنص "- من أنصاف المبدعين "بقايا العولمة الثقافية الأميركية"، وأنصاف الأكاديميين "يحملون الدكتوراه بشقّ الأنفس "- واتّحدت مع أصحاب "المال الأسود" وأسسوا دور نشر، وسيطروا على لجان جوائز الدولة "عبر شبكات الفساد في وزارة الثقافة"، وأشاعت هذه المجموعات حالة من السيولة والفوضى وانعدام القيمة والمعنى، وأغرقت السوق المصرية بكتب ضخمة الأحجام، تافهة المضامين، ومنحت الجوائز لأصحاب هذه الكتب، وهذا جعل كثيرين من ناشئة الكتَّاب يقبلون على هذا النوع من الكتابة، ليضمنوا الفوز بالجوائز المالية  التي تمثل طوقَ نجاة من قبضة الأزمة المالية الطاحنة التي تعصف بالطبقة المتوسطة المصرية منذ سنوات.

خلطة سحرية

وعلى مستوى آخر، انهارت دور النشر الحكوميّة التي كانت تنشر الأعمال التي كتبها الروّاد ومن بعدهم "جيل الستينيات " مثل "دار الهلال " التي كانت لها سلسلة مشهورة: "روايات الهلال " تقدم الأعمال المهمة العربية والمترجمة عن لغات أوروبية، وكانت توزع في كل العواصم العربية، و"دار المعارف" التي كانت تنشر روايات ""توفيق الحكيم" و "طه حسين"، و"مكتبة مصر" التي كان يملكها "سعيد جودة السحار"، وكانت تنشر أعمال "نجيب محفوظ".

وتحول المشهد الروائي المصري إلى "الفوضى والتفاهة "، وتعَمْلق نوعٌ من الكتّاب والكاتبات، يزعم أنه يقدم "التاريخ " برؤية روائية، وهذا النوع يجمع بين البؤس واللصوصية والتفاهة في "خلطة سحرية" تلقى قَبول المراهقين والقرَّاء المبتدئين الباحثين عن "متعة الإنجاز"، ويريدون قراءة أعداد كبيرة من الكتب؛ ليشعروا بأنهم أصبحوا مثقفين، يقرؤُون الروايات ويشربون القهوة، ويسمعون "فيروز" وينطقون الحكمة على "فيسبوك"!

هذا ما جرى في المشهد الروائي المصري، وهذا يعني أن كل الذين نقرأ عنهم ويصفهم الناس بأوصاف "الروائي الكبير" ويحصدون "الجوائز" المحلية والعربية والأميركية – "المعولمة بالطبع والخاضعة لأجندة المخابرات الأميركية " – يختلفون عن الروائيين المخلصين لفنّ الرواية.

وقيمة الأدب الإنساني أنْ يهتم بدراسة المجتمع وفهمه فهمًا يهدف إلى تحقيق التقدم، ومن المهم الإشارة هنا إلى كتاب ترجمه المترجم المصري الراحل "طلعت الشايب "، وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، بعنوان: "من يدفع للزمار"، ذكر فيه تاريخ بداية تشكيل قسم الأدباء والفنانين في المخابرات الأميركية، عقب الحرب العالمية الثانية، وتشكيل مؤسسات منها "نادي القلم الدولي "؛ بقصد توظيف هؤلاء في الحرب الباردة، وحرب الأفكار والأيديولوجيا.

ومازال هذا القسم يعمل بجد ونشاط، ويقوم بدوره في تجنيد أدباء وفناني العالم الثالث المشتاقين للقب "عالمي"، والطامحين في قضاء أسابيع سعيدة في ضيافة هيئة ثقافية أميركية أو أوروبية ونشر مقالات عنهم في "واشنطن بوست "، وغيرها من الصحف الكبرى في أميركا وأوروبا.

ومن المهم القول أيضًا؛ إن "إمبراطورية التفاهة " سوف تنهار، بفعل "محور المقاومة" في الوطن العربي، وسوف تزول عصابات "العولمة الثقافية "، وسوف يزول أدباء العولمة وينساهم الناس في الغد القريب.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.