هل يجوز للدولة تحديد النسل كإحدى سلطاتها على الشعب؟

From young to old faces in row
السؤال الأبرز والأهم هنا: هل من حق السلطة أو الدولة، سنّ قوانين، أو فرض قضية تحديد النسل على المواطنين (غيتي)

في لقاء تلفزيونيّ أفتى الدكتور شوقي علام مفتي جمهورية مصر العربية، في حوار حول موقف الإسلام من تنظيم النسل وتحديده، وقد تحدّث عن تحديد النسل، وأن الصحابة كانوا يحدّدون، وهو ما كان يسمى بـ: (العزل)، وأن الفقهاء نظروا للعزل، على أنه أمر مباح، وأن المباح قد يتحول لواجب، وللدولة أن توجب تحديد النسل، إذا رأت أن الموارد قليلة ولا تكفي.

كثيرًا ما يصرّح بالرأي نفسِه مشايخُ في مناصب رسمية، أو غير رسمية، لكنهم مؤيدون لهذه السلطة، والأمر لا يقف عند مفتي مصر، بل يتبنّاه بعض المفتين كذلك، أو المشايخ في بلدان أخرى، وهنا عدة مسائل تتعلق بكلام المفتي، وبكلام من يتبنّون رأيه، وهو عن حكم تحديد النسل هل هو جائز أم ممنوع؟ وهل الفتوى الصادرة عن مفتي مصر وغيره، مبنية على معلومات واقعية صحيحة، يمكن من خلالها صحة الفتوى؟ ولو صحّت الفتوى بجواز تحديد النسل، هل للدولة سلطة في فرض هذا الحكم الفقهي على أفراد الشعب، أم أنها فتوى شخصية لمن أراد أن يأخذ بها أو يتركها، وليس للدولة سلطة في ذلك؟

آراء المذاهب الفقهية مختلفة في العزل، فأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، يرون ذلك جائزًا مع الكراهة التنزيهية، بشرط أن يكون برضا الزوجة، واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من وافق الجمهور في هذا الشرط، ومنهم من خالفه

حكم تحديد النسل

لقد اختلف العلماء المعاصرون كثيرًا في قضية تنظيم النسل وتحديده، وقد كان جل نقاشهم يدور حول تنظيم النسل، وهو ترك فترة بين كل طفل والآخر، مراعاة لصحة المرأة، ولأهداف أخرى، وهو ما ورد في شأنه أحاديث عديدة، كلها تدور حول ممارسة الصحابة العزل في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم- وجلها تدور روايتها حول هذه الصيغة: "كنا نعزل، والقرآن ينزل". أي: كنا نعزل عن النساء، وهو عدم وصول الحيوان المنوي لرحم المرأة حتى لا يتم التخصيب، وكان ذلك في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – دلالة على إقراره – صلى الله عليه وسلم – ذلك. ولكن ورد حديث قال عنه – صلى الله عليه وسلم -: "ذلك الوأد الخفي". وقد ناقش العلماء والفقهاء هذه الأحاديث؛ محاولين الجمع بين نصوص الإباحة ونصوص المنع.

هذه الأحاديث لا يؤخذ منها مسألة التحديد، بل هي كما نرى متعلقة بتنظيم النسل كما يتضح، فهي مسألة متعلقة بتنظيم عملية الحمل، وليس تحديد "كم طفلًا ينجب؟" ولا أعلم في النصوص القرآنية أو النبوية حديثًا يتعلق بجواز التحديد، ولا بمنعه، بل هي قضية مسكوت عنها تحديدًا، وما ورد في الموضوع عموميات، ودلالات نصوص، يمكن الأخذ منها في قضية الجواز والمنع، كضوابط لذلك، وليست كأدلة صريحة في المنع أو الجواز.

لذا كانت آراء المذاهب الفقهية مختلفة في العزل، فالأئمة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، يرون ذلك جائزًا مع الكراهة التنزيهية، بشرط أن يكون برضا الزوجة، واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من وافق الجمهور في هذا الشرط، ومنهم من خالفه فأجازه بدون إذن الزوجة. وقد فصل في هذه المسألة وتفاصيلها، والجمع بين أحاديث المنع والجواز، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه: (مسألة تحديد النسل.. وقاية وعلاجًا)، فليرجع إليه.

أزمة موارد أم أزمة إدارة؟

هذه النظرة الأولى للمسألة من حيث الرأي الفقهي بعيدًا عن تدخّل الدولة، فهل لدى الدولة أسباب تدعوها لدعوة المواطنين لتحديد النسل، والاكتفاء بعدد معين؟ إن بعض رجال السلطة، وبعض مشايخ الدين، يصطفون في المسألة مع السلطة، متذرّعين بأن الموارد قليلة، وللأسف نرى المسالة تفتقد الدقة والموضوعية، فإن معظم هذه الدول التي ينادي شيوخها بالتحديد استجابة لمطالب الدولة، نجد أن السلطة نفسها قد تهدر الموارد فيما لا نفع له للمواطن، فمثلاً تسرف في تشييد مباني لن يستفيد بها المواطنين، أوترفع رواتب فئة معينة، وبهذا يجري الإسراف في جهة، والتقتير في أخرى، وعند طلب التضحيات يكون ذلك مطلوبًا من الشعوب فقط ودون تقدير للأولويات.

ما يدل على تسييس الأمر، وخروجه عن الجانب العلمي الواقعي، أن دعاة التحديد أنفسهم، لم يحددوا النسل، فالمفتي صاحب الفتوى لديه أربعة أولاد، وقد بدأت برامج تحديد النسل في مصر منذ هذا التاريخ، أي: أن الداعين للتحديد الآن، ولدوا وعاشوا في ظل برامج توعوية تبث للتحديد، فهل نفّذوها؟!

ثم إن العالم الغربي شكواه الدائمة: قلة الموارد البشرية، وانخفاض عدد الشباب والمواليد لديه، ولذا سميت قارتهم بالقارة العجوز، فهي بحاجة دائمة للبشر، بينما لا يشكو من الزيادة السكانية سوى الدول النامية، وليس لقلة الموارد، بل للفساد المستشري في التعامل مع الموارد، ودليل ذلك: أن من أهم مصادر الدخل المصري تحويلات العاملين بالخارج، فالأزمة ليست أزمة موارد طبيعية وبشرية، بل أزمة إدارة. وما يقال عن مصر يقال عن جل العالم العربي والإسلامي.

هل للدولة سلطة في تحديد النسل؟

ويأتي السؤال الأبرز والأهم هنا: هل من حق السلطة أو الدولة، سنّ قوانين، أو فرض قضية تحديد النسل على المواطنين، كما ذهب إلى ذلك مفتي مصر؟ إن بعض المشايخ في الفتوى لا يحسنون التفرقة بين ما هو خاص وما هو عام في القضايا المتعلقة بالفرد والسلطة، ومساحات الالتقاء والافتراق فيهما، وهو مبحث شائك يتعلق بمتى يتحول الشأن الخاص لشأن عام، والعكس، ومن ذلك: قضية الإنجاب، فالزواج والإنجاب والطلاق، قضية فردية تتعلق بالفرد، ولا تتدخل الدولة هنا، سوى ببرامج التوعية، وضبط الإجراءات الثبوتية في ذلك، وتيسير ذلك للمواطنين، وليس المنع أو الإدارة له، لأنه أمر يختلف من فرد لآخر، وليس له حكم واحد يمكن أن يسري على  الجميع، لأن حكم الفرد في ذلك ينتقل من الإباحة للحرمة، مرورًا بالوجوب والاستحباب والكراهة، إذ يتعلق بحال الشخص لا حال المجموع.

وتفكير السلطات المصرية في هذه المسألة قديم، منذ جاء الحكم العسكري لمصر، والتفكير مستمر فيها، ولذا كانت فتاوى الجهات العلمية الراسخة ثابتة في ذلك، مميزة بين ما هو خاص بالفرد، وما هو خاص بالمجتمع أو الأمة، ومن ذلك: بيان مجمع البحوث الإسلامية بمصر، سنة 1965م، فيما يتعلق بقضية تحديد النسل، فقال في بيانه:

(الإسلام رغب في زيادة النسل وتكثيره، لأن كثرة النسل تقوي الأمة الإسلامية اجتماعيًا وحربيًا وتزيدها عزة ومنعة. إذا كانت هناك ضرورة شخصية تحتم تنظيم النسل فللزوجين أن يتصرفا طبقًا لما تقتضيه الضرورة، وتقدير هذه الضرورة متروك لضمير الفرد ودينه).

عند حديث مجمع البحوث عن تحديد النسل بالنسبة للمجتمع، وهي هنا مسألة عامة، وليست فتوى تتعلق بالفرد فقال: (لا يصح شرعًا وضع قوانين تجبر الناس على تحديد النسل بأي وجه من الوجوه). وهو ما انتهى إليه كثير من علماء الشرع والفتوى، بأن مسألة الإنجاب، من حيث المبدأ، ومن حيث العدد، هي من القضايا المتعلقة بالشخص، وقراره، وإذا كان الفقهاء الذين أباحوا العزل، اشترطوا رضا الزوجة، لأنه حق مشترك بين الزوجين، فمعناه: أنه حق خاص بالزوجين، وليس متعلقًا بالسلطة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.