ما أُدخِلَ في العقيدة وليس منها

التاريخ الإسلامي- تراث -الوراقون والمكتبات- المصدر ميدجيرني- 2
كثير من علومنا ومعارفنا تحتاج إلى غربلة كُتبها (ميدجيرني)

كثير من علومنا ومعارفنا تحتاج إلى غربلة كُتبها، فالتجديد فيها قد يكون بالتطوير، وإضافة ما تحتاجه من إضافة وتطوير، من حيث التناول، أو من حيث النقد والغربلة، فإن بعض كتبنا التراثية، دخلت فيها موضوعات عند البحث والتمحيص لا نجدها من هذا الفن أو العلم، ودخولها هذا العلم قد يؤدّي إلى أخطاء ومزالق خطيرة، ومن هذه العلوم: كتب العقيدة، فإن هناك موضوعات أُدخلت فيها وعند تمحيصها لا نجدها منها، بل هي أُدخلت من علم آخرَ، وردّها إلى هذا العلم، يؤدي إلى صيانة العقل المسلم العام من الوقوع في هاوية التكفير، أو التفسيق، أو الاختلال المنهجي في التفكير، وربما أدّى إلى التشدد في قضايا لا تحتاج لهذه الدرجة من التشدد.

ولنضرب لذلك بنماذج لموضوعات وضعت في كتب العقيدة، ومكانها الصحيح، ربما كان في كتب الفقه، فالأصل أن كتب العقيدة تتعلق بأصول الإيمان، وما يدخل به الإنسان دائرة الإيمان أو يخرج منها، وما الأفعال أو الأقوال التي تخرجه منها؟ لكن بعض الموضوعات انتقلت من أبواب كالسياسة الشرعية، أو الفقه الفروعي، إلى كتب العقيدة، ويعد انتقالها إليها خطأ يحتاج لاستدراك، وردّ الموضوع لأصله.

المسح على الخفين

من القضايا التي نجدها في بعض كتب العقيدة، قضية المسح على الخفَّين، وقد وضعها الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة والمعروفة بـ "العقيدة الطحاوية"، وقام عدد كبير علماء الأمة السابقين والمعاصرين بشرحها، فنجد من ضمن هذه العقيدة الحديث عن المسح على الخفين، فقال الطحاوي: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر)، ويبرر شرّاح العقيدة الطحاوية وضع الكلام عن المسح على الخفين في العقيدة، بأن المقصود من ذلك مخالفة الشيعة الذين يرفضون المسح على الخفين.

وقال البابرتي أحد شراحها: (إنما ذكر هذا ردًا لقول أهل الرفض، فإنهم أنكروا جواز المسح على الخفين، وهذا وإن كان من أحكام الفقه لكنه لما اشتهرت فيه الآثار ألحقه بالعقائد، دفعًا لإنكار المنكرين).

والحقيقة أن موضوع المسح على الخفين -وغيره من المسائل الفقهية- ينبغي أن يظل في موضعه في كتب الفقه، لأنه بذلك لا يخرج عن دائرة الحديث عن مسألة فقهية، فانتقالها إلى كتب العقيدة، ليس صوابًا، وإن برّر من وضعها بأنها مقصودة للتمييز بين المذهبَين: السني والشيعي، وأن المذهب الشيعي لا يقول بالمسح على الخفين، وأنه حكم متواتر عن النبي، صلى الله عليه وسلم.

من القضايا التي انتقلت من الفقه إلى العقيدة، لكن هذه المرّة من المذهب الشيعي، فقد جعلوا قضية الحكم والخلافة من قضايا العقيدة وأصولها، وهو ما لا يصحّ، فالمسألة فقهية بحتة

إن المتأمل لوجهة نظر الفقه الشيعي سيجده يستند إلى دلالة نص قرآني، بناء على قراءة متواترة في الآية الكريمة، في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) المائدة: ، فكلمة (وأرجلكم)، فيها قراءتان بكسر اللام، وفتحها، فعلى الكسر تكون معطوفة على المسح، وعلى الفتح تكون معطوفة على الغسل، فمن رأى غسل الرجلَين -وهم جميع فقهاء أهل السنة- رأى أن المسح على الخفين يجزئ عنها، لفعل النبي- صلى الله عليه وسلم- والذي رواه عنه جم غفير من الصحابة بلغ حد التواتر، ورأى أتباع الفقه الشيعي أن أرجلكم معطوفة على المسح، فتَمْسَح الرِّجلين ولا تَغْسل، ولا يجزئ عنها غير المسح، وتفاصيل أخرى موجودة في كتب المذاهب الفقهية.

وبغض النظر عن أي الرأيَين أقوى وأرجح، فإن المسح على الخفين وردَ بالسنة النبوية، والتي بلغت حد التواتر كما يقول كثير من الفقهاء والمحدثين، ولكن دلالة الآية لا تمنع من الرأي الذي قال به الشيعة، وإن لم نرجّحه، ولذا يظل رأيًا فقهيًا في دائرة الخلاف الفقهي المبني على نص يحتمل الوجهَين، مهما بلغت قوة وجه، وضعف الوجه الآخر، فتظلّ في دائرة الفقه لا العقيدة.

الحكم والإمامة

من القضايا التي انتقلت من الفقه إلى العقيدة، لكن هذه المرّة من المذهب الشيعي، فقد جعلوا قضية الحكم والخلافة من قضايا العقيدة وأصولها، وهو ما لا يصحّ، فالمسألة فقهية بحتة، تتعلق بالفقه السياسي، ولا تتعلق بالعقيدة، وقد شاركهم في الأمر عدد من كتب العقيدة عند السنة كذلك، فقد انتقلت مباحث الإمامة والحكم إلى كتب العقيدة، كما رأينا في (العقائد النسفية) والحواشي والشروح التي وضعت عليها، ولكن الفرق أن السنة جعلوا الإمامة والحكم في باب الوجوب الفقهي، لكن الشيعة جعلوها في باب العقيدة والأصول.

وتسرب ذلك لبعض كتابات الفكر الحركي السني، فرأينا هذه العبارة عند الشيخ حسن البنا، حيث يقول: (والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع)، وقد حاول الشيخ القرضاوي أن يوجه كلمته، بأنه ربما قصد فروع العقيدة، لكن الجملة منصوص فيها على كلمة العقائد والأصول.

وربما كان الدافع لقول البنا ذلك، هو ما رآه في زمانه من إنكار لوجود الحكم والسياسة في الإسلام، لكن مواجهة إنكار فرائض، أو واجبات في الإسلام، لا تعني أن ننقلها من موضعها الفقهي للموضع العقدي، حتى كتب الدكتور محمد عمارة عن ذلك، وأنه تسرب من الفكر الشيعي، وأعتقد أن عمارة أيضًا جانبه الصواب، فلم يكن البنا على اطّلاع على الفقه الشيعي آنذاك، فكلامه كان في رسالة المؤتمر الخامس وقد كان سنة 1939م، ولم يكن وقتها هناك تواصل فكري بين المصريين والفكر الشيعي إلا عند القليل جدًا منهم.

وقضية الحكم لا صلة لها بالعقيدة، إلا من حيث المقصود بالحكم، أي: التشريع، من يشرع للناس، كما في آيات: (ومن لم يحكم بما أنزل الله)، و(إن الحكم إلا لله)، فالحكم هنا مقصود به الحكم الشرعي، ومن يملك التشريع للناس في دينها، لكن الحكم بمعنى الإدارة للشعب في الاختيار وغيره، فهو في باب السياسة الشرعية، أي: باب الفقه والفروع، وليس من باب الأصول التي تدخل في باب الإيمان والكفر، أو الاعتقاد.

وخروج المسألة من الفقه للعقيدة، جعل بعض الأفكار تتشدد في قضية الحكم، وطلب الحكم، والسعي إليه، على جميع المستويات، سواء من أيدوا السلطة ورأوا حرمة الخروج عليها، وشددوا فيها، حتى لو كان خروجًا سلميًا، وبين من رأوا السعي للحكم، لأنه في باب الأصول والعقائد، وغياب الحكم معناه غياب ركن مهم، وهو مهم بالفعل لكنه في بابه، وهو باب الفروع، والواجبات الفقهية لا الواجبات العقدية، التي تتعلق بالإيمان والكفر.

التوسل بالصالحين

من أشد القضايا خلطًا في هذا الباب، ما يقوم به البعض بإدخال موضوع التوسل إلى الله بالصالحين من الأموات، كأن يدعو شخص الله- تعالى- متوسلًا إليه بجاه النبي- صلى الله عليه وسلم- أو ببركة الولي الصالح فلان، فهذه مسألة فقهية بحتة، يقال فيها: جائز أو غير جائز، حلال أو حرام، لكنها ليست من قضايا العقيدة التي يقال فيها: كفر أو إيمان، والخلط الذي يجري فيها، هو تحويل مثل هذه المسألة الفرعية إلى العقيدة، فيقال عنها: شرك، وهي قضية خلافية بين الفقهاء، تتكافأ فيها أدلة الجواز مع التحريم، لكنها لا تدخل في باب الاعتقاد. وذلك لأن المسألة ليست متعلقة بدعاء غير الله، بل بدعاء الله- تعالى- لكن الداعي توسل إلى الله بأحد الصالحين من خلقه.

الحلف بغير الله

قريب من هذه المسألة أيضًا، مسألة الحلف بغير الله، كأن يحلف الإنسان بالكعبة، أو بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أو برحمة أبيه أو أمه، فهي قضية فقهية، يقال فيها: جائز أو غير جائز، لكنها لا تدخل في باب الشرك بالله- تعالى- أو في باب الاعتقاد، لأن من يحلف هنا لا يجعل من حلف به في مقام الله – تعالى – بل أراد أن يحلف بشيء له قيمة عنده كي يصدقه الناس، ولو كان هذا الحلف في باب العقيدة والإيمان والكفر، ما جعل الفقهاء الحلف بالطلاق يقع أو لا يقع حسب نية الحالف، هل قصد الطلاق أم لا؟ لأنه لو كان الحلف وقتها كفرًا، لأفتوا بأن الزوج الحالف مرتد أو كافر، وبالتالي تذهب القضية هنا للتفريق بين الزوجين، وليس لوقوع الطلاق أم لا. والنماذج في هذا الباب كثيرة جدًا.

نزول المسيح، وخروج الدجال

ومن المسائل التي رفض الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله- أن يدخلها في كتابه عن العقيدة الإسلامية: نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان، والدجال، فقال: (تركنا ما لم يثبت إلا بأخبار الآحاد، كنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، وكأخبار المسيخ الدجال، فإننا – وإن كنا نقبلها، ولا نردها كما قررنا في صدر كلامنا – لا نضيفها إلى أصل العقيدة الذي يعتبر منكره كافرًا).

هدفنا من المقال، ليس حصر القضايا التي دخلت العقيدة وكتبها، وليست منها، بل الهدف ضرب نماذج لبيان كيف يمكن أن يتم الإضرار بالبحث العلمي حين يدخل فرع علمي في آخر، وبخاصة إذا تمَّ البناء على هذا الخطأ، وأدى إلى مزالق خطيرة في الأمة، تؤدي إلى التكفير أو التفسيق أو التبديع، بينما هي مسألة تحتمل أن يختلف فيها الباحثون.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.