القضية الفلسطينية بعين مغايرة.. تشريح ثقافي ضروري

معرض فلسطين الدولي للكتاب في دورته الـ13،تحت شعار "75 عامًا من النكبة إلى الدولة باقون" ( الأناضول)

ظلّ علماء السياسة وقتًا طويلًا كلما عجزوا عن تفسير ظاهرة أو واقعة أو حدث ما، أو وجدوا فيه أثناء التفسير جانبًا غامضًا لا ينجلي في يسر، أو معقدًا لا يتهادى دون مشقة، عزوا ذلك إلى أسباب ثقافية. لذا ظلّ البُعد الثقافي للظواهر السياسية أشبهَ بالذريعة الخفية، أو الحجّة المنسية، أو السبب الذي يُركن إليه حين تتعطّل الأسباب الأخرى أو تتعذّر.

لكنّ الباحثين المختصين في الثقافة السياسية، المهتمّة بفحص المعرفة والقيم والاتجاهات التي تسهم في صناعة الظاهرة، والالتفات إليها، والتعامل معها، استطاعوا مع الأيام أن يجعلوا من هذا الحقل الفرعي في علم السياسة واحدًا من الأطر التي يُحال إليها بشكل راسخ في التفسير والتأويل، ابتداءً من فهم أساليب التنشئة السياسية لمن يصعدون إلى اتخاذ القرارات العليا، وصولًا إلى تحليل الخلفيات الثقافية للجماعات المتفاعلة في المجال العام.

مفهوم الثقافة

وما زاد من حجيّة المستندين إلى الثقافة في التفسير أن الثقافة اتّسعت في فهم الباحثين والكتّاب وقطاع مؤثر من الرأي العام، فلم تعد قاصرةً على المنتج في الآداب والفنون بمختلف أنواعها وألوانها، إنما تمتدّ من الناحية النظرية لتطوي تحت أجنحتها جانبًا مهمًا من العلوم الإنسانية، بل الطبيعيات أيضًا، كما أورد لورد سنو في محاضرته الشهيرة، ومن الناحية العملية أو الميدانية تضمّ الطقوس ومختلف طرق العيش، بما يجعل لكل إنسان ثقافته، مهما كان بسيطًا أو مهمّشًا.

إن الثقافة "كل معقد" أو "مركب" بوسعه أن يحل في كل تصرف أو موقف أو مسألة أو قضية أو ظاهرة، ويسري في تاريخ الأمم كما يسري الدم في العروق، بل قد يكون هو الروح التي لا نراها، لكن دونها لا يمكن للجسد أن يبقى حيًا، يسعى بين الناس.

وَفق هذا التصور الواسع والمتعدّد لا يمكن أن تغيب الزاوية الثقافية في النظر إلى القضية الفلسطينية، في ظل التناول والتداول الذي يحيلها كلية إلى مسائل سياسية وعسكرية واقتصادية وتاريخية ودينية، تشكل الإطار التفسيري لها، أو الأسباب الجامعة لفهم طبيعتها، وتتبع مسارها، وتوقع مآلاتها.

وحين نتحدث في هذا، فإننا نقصد أمرًا أوسع من الاقتصار على الآداب الفلسطينية، لاسيما تلك التي تصنف على أنها "أدب مقاومة"، من شعر وقصص وروايات ومسرحيات، وأوسع كذلك من الفنون التمثيلية من مسرح ودراما وسينما، وكذلك الفنون التشكيلية من الرسم إلى النحت.

ففي كل هذه الأنواع هناك تعبير عن القضية بطرق متعددة، عميقة وثرية من الناحية الفنية، أو مباشرة تنشغل بالتسجيل والتحريض والكيد للعدوّ. وما أُنتج في هذا الخصوص غزير، لا ينقطع، ولا يخف، مع استمرار القضية ملتهبة، ما تكاد تهدأ حتى تفور من جديد.

تأويلات مفرطة

لكن البُعد الثقافي للقضية يرسو في أعماق بعيدة، يمكن التعبير عنها بالآداب والفنون، لكن جوهرها يظل في حاجة ماسّة إلى من يفتش عنه بإخلاص ودأب، ويزيح أي غبار يتراكم فوقه، فينجلي واضحًا أمام العيون والآذان، وقبلها الأفهام، التي عليها أن تُدرك أن عمق القضية الفلسطينية ثقافي الطبع والتطبع.

هذا الإدراك يساعد صاحبه على أن ينفذ خلف الطبقات العلوية أو التي تطفو على السطح، حيث الأحداث الصغيرة التي تقع كل يوم، بل كل ساعة، جراء الاحتكاك المستمر، وأغلبه هجوم عدواني من مستوطنين أو جنود للجيش الإسرائيلي، وصد ورد من قبل الفلسطينيين، سواء كانوا مقاومين أو من المواطنين العاديين الذين لا يُتركون لحظة واحدة دون استفزاز.

فالبعد الثقافي موجود خلف التصرفات اليومية التفصيلية، التي تشمل ألوانًا من العنف الرمزي والمعنوي والمادي، أو حتى الحوار الذي يتم على المستوى العلوي في تفاوض السياسيين على الطاولات الباردة، أو على المستوى الأدنى في علاقات العمل والتجارة والتبادل اللفظي في الميدان الساخن، على ما فيه من هجوم بذيء أو ملاينة وتحايل، أو حتى الإيماءات والإشارات، بل والصمت على مضض.

وفي القيعان البعيدة ترسو الثقافة مؤسِسة ومؤثِرة ودالة طوال الوقت على ما يسري في أوصال القضية الفلسطينية، فقيام إسرائيل في هذا المكان بالذات، وتفضيله على أماكن أخرى كانت مقترحة أمام اليهود مثل الأرجنتين وأوغندا، إنما تم على أساس ثقافي ذي جذر ديني، تحمله نصوص قديمة، ويلهب الأخيلة بتأويلات مفرطة عن "أرض الميعاد".

رؤية مضادة

وحين يتصدى الفلسطينيون لهذه الفكرة فإنهم أيضًا يتوسلون برؤية ثقافية مضادة، تتكئ على استدعاء اللغة التي كانت سائدة في الزمن القديم، والآثار المتروكة في المكان من رسوم ونقوش وحفريات، علاوة على الطقوس التي كانت يمارسها الناس، والطعام والشراب الذي كانوا يتناولونه، والأزياء التي يرتدونها، وذلك عوضًا عن التاريخ، الذي لم يكن علمه قد قام بعد.

ومع الاستدعاء تنتعش الذاكرة، فتصبح هي في حد ذاتها مخزنًا ثقافيًا، ينهل منه الحاضر المعيش الكثيرَ من الحكايات والوقائع التي أنتجتها الأخبار المتلاحقة، وتطل وجوه الشخصيات التي أسهمت في صناعة الأحداث، عبر أشكال متعددة من النضال والمقاومة، المسلحة والمدنية وحتى بالحيلة والصمت. وعلى وقع هذه الذاكرة التي تزداد امتلاء، بلا انقطاع، يحدد كثير من الفلسطينيين مواقعهم ومواضعهم الآنية.

في الوقت نفسه فإن هذا التضاد في الاستدعاء أو استعارة الماضي خلق مع الزمن هُويتين متصارعتين، لكل منهما مركز متماسك، يشد البقية إلى ما يؤمن به، أو يعتقد فيه، أنه سبب التماسك والاستمرار والبقاء. وقضية الهوية ثقافية بامتياز، سواء في المعرفة التي تنطوي عليها، أو القيم التي تخلقها، ثم التوجهات التي تطرحها، ودونها لا يمكن أن نفهم المسار الذي سلكه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

استدعاء البعد الثقافي

وإلى جانب الذاكرة والهوية، يأتي الإدراك الفلسطيني ليرسخ هذا البعد الثقافي. فلو أننا أجرينا استطلاعَ رأي حول الطريقة التي يفهم بها الفلسطينيون الصراع ضد الإسرائيليين فسنجد أن الثقافة موجودة فيه بطرق مختلفة، كامنة وظاهرة، وما بين هذين الحدَّين من أشكال عديدة. فأي فلسطيني سيحدثك عن الأرض والأهل والعقيدة الدينية أو الهوية الوطنية، كمحددات رئيسية لفهم للصراع الدائر، فإن استفضت في نقاشه حول كل هذا فستجد إفاداته تتهادى مغموسة في الثقافة.

وينطبع كل هذا على مختلف العلوم التي يدرسها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، فما التاريخ سوى سجل معاناته، وما الجغرافيا سوى المكان الذي عليه أن يتشبّث به، وما علم النفس سوى ملء الإرادة بالاستجابة التي تكافئ التحديات، وما الاجتماع سوى الناس الذين يرزحون تحت احتلال يضغط عليهم بقسوة، لكنهم لا يستسلمون، وما الاقتصاد سوى إدارة العيش البسيط بما يجعل الناس قادرين على التحمل، والاستمرار في مخيماتهم وبلداتهم ومدنهم.

أما العلوم السياسية فهي بالنسبة لهم خادمة للقضية، بأبعادِها: المحلي، والإقليمي، والدولي، وليست شيئًا غير ذلك. ولا يدور علم القانون إلا عن الحقوق المهضومة للشعب الفلسطيني، والواجبات التي على الاحتلال أن يقوم بها. وحتى النقد الأدبي لا يخلو من استحضار القضية، بشكل دائم، في ظل استعمال السياقات العامة في التفسير والتأويل.

ولا تبتعد العلوم الطبيعية من هندسة وكيمياء وفيزياء عن خدمة مشروع المقاومة، كما دلت على ذلك الحرب الأخيرة، التي رأى فيها العالم كله كيف وظفت فصائل المقاومة هذا العلم في خدمة قدرتها على حفر الأنفاق، وصناعة السلاح، فيما يبقى علم الطب أيضًا حاضرًا ليمنع زيادة نسبة الوفيات المبكرة للأطفال، لأنهم المقاومون في المستقبل، وإطالة عمر العجائز حاملي الحكايات التي تنتقل من جيل إلى جيل.

إن كل هذا يفرض على كل من يقوم بمقاربة للقضية الفلسطينية ألا يُهمل البعد الثقافي في نظرته أو وصفه أو تحليله، لأن الثقافة ثاوية تحت كل شيء، وسارية في كل شيء، وستحضر بشدة في الطريق إلى حل المعضلة في النهاية.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.