الثقافة والثورة

متظاهرون في ميدان التحرير في مصر أثناء ثورة 25 يناير للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية (غيتي)

الثقافة ليست نصوصًا، ولا مكتوبات، ولا محفوظات، ولا مرويات، ولا مرسومات، ولا معزوفات، ولا منظومات، ولا منثورات، ولا محكيات، الثقافة رؤية للمجتمع والاقتصاد والسياسة والحكم والإدارة وروح الشعب وضميره ومزاجه العميق وهُويته وطبعه وشغفه بالحياة وإقباله عليها واندفاعه في تيارها ومكابدته لما يلقاه فيها من يسر وعسر.

الثقافة بهذا المعنى هي شأن المجموع من الناس الذين يشتركون في مجتمع واحد في زمن واحد، ليست فقط شأن مَن يحملون ألقابَ وشارات المثقفين، بل هي شأن عام، الكل فيه شركاء. الثقافة بنية اجتماعية واقتصادية وروحية وسياسية تعلو وتطوي الأفراد مهما كانت أقدارهم ومهما تباعدت مواقعهم. باختصار ثقافة الأمة ينتجها مجموع أهلها، فهم فيها شركاء متضامنون جيلًا وراء جيل، وتتغير الثقافة – بالتدريج – بقدر ما تسود رؤية جديدة على حساب رؤية كانت لها السيادة فيما سبق.

قوة المال والسلطة

الثورة ليست انتفاضات ولا هبات ولا لحظات غضب عام تندلع ثم تخبو عن نصر أو عن هزيمة، الثورة سعي غريزي دؤوب من الأفراد ومن المجموع نحو تحسين أمور معاشهم، وأمور المعاش مدارها على نصيب الفرد من القوتَين: قوة المال، وقوة السلطة، أدرك الناس ذلك أم لم يدركوا، هم يسعون – بالغريزة – نحو الثروة، ونحو القوة، مثلما هم – بالمقدار ذاته من الغريزة – ينفرون من الفقر والضعف.

وقد صدق ابن خلدون – في ص 150 من مقدمته – عندما قال: " إن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له، والرئيسُ إذا غُلب على رئاسته، وكُبح عن غاية عزه، تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده". ويقول: " والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل، وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية".

الثورة بهذا المعنى حركة بنيوية تستوعب المجتمع مثلما المجتمع يستوعب الأفراد بطموحاتهم وتناقضاتهم ومطامعهم وصراعاتهم وقوة تزاحمهم وبأس تدافعهم – الغريزي أو الحيواني – نحو الهدفين الكبيرين: هدف المال أو الثروة، وهدف السلطة أو القوة.

الثورة بهذا المعنى تدافع لا يتوقف على مدار الساعة، وعنها نتجت تحولات الثروة والسلطة، فكم زالت من أيدي طبقات كانت قابضة عليها، وكم تداولت عليها طبقات كانت بعيدة عنها محرومة منها، والدائرة تدور ما دارت عقارب الساعة في ظلمة الليل أو في وضح النهار.

الثقافة والثورة، الرؤية والتغيير، تدافع الجميع مع الجميع على منابع الثروة ومكامن السلطة، هي طبع الإنسان، مطلق الإنسان، وهي وجهة حركته ومسعاه عن غريزة حيوانية، أو عن قصد عقلاني، ومن ثم هي مجمل تاريخه، وتفصيله في آن واحد.

الإنسان المغلوب بالكلية، والمطمئن لنصيبه من الهزيمة، والمستسلم لمشيئة من قهروه وقمعوه، يصفه ابن خلدون بأنه: " صار بالاستعباد آلة لسواه وعالةً على غيره، يتناقص عمرانه، وتتلاشى مكاسبه ومساعيه، ويعجز عن المدافعة عن نفسه، بما كسر التغلب عليه من شوكته، فيصبح مغلوبًا لكل غالب، كما يصبح طُعمةً لكل آكل"، ثم يقول: " إذا غُلب الإنسانُ على أمره، وصار آلةً في يد غيره، لم يكن بقاؤه إلا قليلًا، ثم اندثر – أي انقرض – كأن لم يكن ".

نظام الالتزام

لمثل هذه الرؤية فإن ابن خلدون 1332 – 1406 م، رغم مرور أكثر من ستة قرون على وفاته كان- ومازال- جزءًا أصيلًا من الثقافة العالمية المعاصرة. وقد أدرك هذه الحقيقة مؤسس الثقافة المصرية المعاصرة عبدالرحمن الجبرتي 1753 – 1825 م عندما وصف مقدمة ابن خلدون بقوله: " من اطلع عليها، رأى بحرًا متلاطمًا بالعلوم مشحونًا بنفائس جواهر المنطوق والمفهوم ".

ومثلما رد برنجتون مور 1913 – 2005م أصول المجتمع الرأسمالي الغربي إلى القرن الرابع عشر الميلادي في كتابه: " الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية "، فكذلك الأمر، يلزم الاستنارة في قراءة المجتمع المصري المعاصر بإلقاء الأضواء على تجربته التاريخية التي أنتجته وجعلته على ما هو عليه.

بذور الحداثة في المجتمع المصري، سبقت حداثة محمد علي باشا؛ أي سبقت الحداثة التي جاءت مع الاستعمار الأوروبي، حداثة المصريين بدأت من الداخل، من تطورات داخلية، من سعيهم للهدفين الكبيرين: الثروة ثم السلطة، من الضعف التدريجي للسلطتين الحاكمتين: ضعف السلطة العثمانية ذات السيادة العليا منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر، ويُشار لذلك بعام 1658 م، وهو تاريخ العمل بنظام الالتزام، وكان هو جوهر صراع الثروة والسلطة في مصر.

قبله كانت السلطة العثمانية من القوة بحيث تملك بيروقراطية كفؤة لجباية الضرائب في بلد اقتصاده زراعي، لكن فسدت ثم ترهلت هذه البيروقراطية مع الضعف التدريجي في مركز الحكم في إسطنبول، فابتكرت نظام الالتزام، حيث تقام مزايدات على ضرائب عدة قرى، ومن يرسو عليه المزاد يدفع مسبقًا المقررات المالية المستحقة على هذه القرى، ثم يحصلها من المسـتأجرين، وله الفارق بين ما دفعه وما حصله.

ثم استجد نظام "الوسية"، حيث يكون للملتزم مقدار العُشر أو نصف العُشر من أراضي الزمام، ويكون مُعفًى من الضرائب، ويستخدم فلاحي الزمام في زراعته بالسخرة؛ أي بدون مقابل.

هذا النظام – بمرور الزمن – سمح للمصريين، الذين هم ليسوا من مزدوجي الحكم- أي ليسوا من الأتراك ولا من المماليك – بالمنافسة على الفوز بمزايدات الالتزام، وكان هذا أوسع طريق جرت فيه مياه الحراك الاجتماعي للمصريين ومساعيهم للثروة والسلطة.

مثلما كانت جذور الحداثة الأوروبية تعود إلى نشأة المدن، وتشكل الطبقة التجارية والصناعية والحِرفية والمهنية، التي أفرادها ليسوا من الإقطاعيين النبلاء مالكي الأراضي، وليسوا من الفلاحين الأقنان وزارعيها، إنما هم طبقة جديدة ثالثة شقت طريقها بصعوبة من قلب العصور الوسطى إلى اليوم، وهي من قادت تحولات أوروبا والغرب، ثم هي من قادت أوروبا والغرب لاستعمار العالم.

كذلك، كان الأمر في مصر، من نهايات القرن السابع عشر، وعلى امتداد القرن الثامن عشر، كانت طبقة حضرية مصرية جديدة تتشكل، طبقة ثالثة، لا هي من الأتراك، ولا هي من المماليك، لكنها استفادت من ضعف السلطة العثمانية، ثم استفادت من انقسامات وصراعات نخب الحكم المحلي من عصائب المماليك، حيث عاش المصريون نصف القرن السابع عشر، ومجمل القرن الثامن عشر دون سلطة مركزية قوية قابضة كاتمة على أنفاسهم.

طرق مشرعة للثروة

في هذا المناخ السياسي، ودون قبضة الحكم المركزي، وجد المصريون طرقًا سالكة للثروة والسلطة، سواء عبر التنافس على أراضي الالتزام أو الاستئثار بتجارة البحر الأحمر، حيث صادرات آسيا إلى أوروبا وصادرات أوروبا إلى آسيا، فتكونت طبقة مصرية حضرية غنية مسموعةُ الكلمة محسوبٌ لها حساب – وهذا هو الجذر الحقيقي لمعنى الثقافة والثورة – أن تكون لك رؤية للواقع، ثم يكون لك مسعى لنصيبك من الثروة والسلطة.

هذه الطبقة سواء في القاهرة أو مدن الأقاليم أو في الريف كانت في مجملها من العلماء والتجار، العلماء لم يكونوا يستمدون قوتهم فقط من الفقه وعلم الدين وجلال الشريعة وهيبة الجامع الأزهر الشريف، لكن بالدرجة الأولى كانوا يستمدون هيبتهم من مركزهم الاجتماعي والاقتصادي كقوة مستقلة في معاشها لا تتقاضى رواتبها من السلاطين ولا تحصل على رغيفها من المماليك.

لم يكن علماء القرن الثامن عشر في بؤس وفقر وتعاسة مثقفي الدولة الحديثة، إما العمل تحت جناح الحكام فيأكلون ويشربون ويأمنون بطشهم، وإما الفقر والجوع والبطش والقهر. علماء القرن الثامن عشر إلى جانب مراكزهم الفقهية ومناصبهم العلمية ومكانتهم الدينية كانوا ملتزمين ومستثمرين وأصحاب عَقَارات واسعة وأملاك مدرة للأرباح؛ أي كانوا بذور طبقة رأسمالية واعدة.

وحسب الدكتور عبدالعظيم رمضان 1925 – 2007 م في كتابه: " الغزوة الاستعمارية للعالم العربي وحركات المقاومة "، يقول في ص 46: " أما العلماء، فقد دخلوا نظام الالتزام منذ تطبيقه، وزاد عدد الملتزمين منهم بصورة كبيرة، حتى بلغوا قبيل الحملة الفرنسية 307 فقهاء أزهريين ملتزمين. وكان عدد الملتزمين من التجار المصريين قبيل الحملة الفرنسية 57 تاجرًا مصريًا ملتزمًا "، ويذكر أن شيخ الجامع الأزهر الشريف الشيخ عبدالله الشرقاوي 1737 – 1812م كان ملتزمًا، وكذلك كان المؤرخ الشيخ عبدالرحمن الجبرتي ملتزمًا.

هذه الطبقة الحضرية – ذات الطابع المالي والتجاري والطامحة إلى دور سياسي في مناخ ترهلت فيه سلطة الدولة ذات السيادة وانقسمت فيه نخب المماليك ذات السلطة الفعلية – كانت وما زالت، تعيد تعريف الثقافة، كما تعيد تعريف الثورة، الثقافة كبحث عن العدل والحرية والمساواة وحفظ الحقوق والواجبات، والثورة كحائط دفاع عن حقوق المصريين في ثروات بلادهم ومقاليد الأمر والنهي فيها.

لحظة تاريخية استثنائية

منذ تبلورت بذور هذه الطبقة، وهي تعرف مراحل صعود عندما تضعف السلطة المركزية، ثم تتراجع عندما تشتد قبضة السلطة وتستحوذ على الثروة والحكم معًا، ومازالت هذه المعادلة تحكم تطورها، فقد ازدهرت في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، ثم ضعفت في حكم محمد علي باشا ولم تشم أنفاسها إلا مع بداية تفكيك مشروعه وخلخلة قبضته على اقتصاد البلاد.

ثم ازدهرت في ضعف الخديوية، ثم استفادت من تقريب الإنجليز لها من باب النكاية في ذوي الأصول التركية والشركسية، مثلما كانت قد استفادت من تقريب نابليون بونابرت لها من باب النكاية في المماليك، وقد تنفست في عقد التسعينيات من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ثم انكتمت أنفاسها وانسدت عليها سبل التطور في السنوات العشر 2013 – 2023م.

في لحظة استثنائية من التاريخ بدت هذه الطبقة كما لو كانت على موعد مع التاريخ، فاحتشدت في الميادين في يناير وفبراير 2011 م تعيد تعريف الثقافة والثورة في أربع كلمات: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية.

هذه التعريفات الأربعة عرفها المصريون المحدثون أول مرة في صيف عام 1795م أي بعد الثورة الفرنسية بسبع سنوات، وقبل الغزو الفرنسي لمصر بثلاث سنوات.

في ص 387 من الجزء الثاني من تاريخ الجبرتي: " عجائب الآثار في التراجم والأخبار "، وفي تأريخه للعام 1209 الهجري الموافق 1795 الميلادي، يقول عن هذه السنة: " لم يقع فيها شيء من الحوادث سوى جور الأمراء، وتتابع مظالمهم، واتخذ مراد بك 1750 – 1801 م الجيزة سكنًا، وزاد في عمارته، واستولى على غالب بلاد الجيزة، بعضها حصل عليه بالثمن القليل، وبعضها حصل عليه غصبًا، وبعضها حصل عليه معاوضةً ".

ثم بعد أن يتحدث عن ثورة المصريين في ذاك العام 1795م – 1209 الهجري، حيث ذكر عبدالعظيم رمضان في ص 41 من كتابه المذكور أعلاه أن " البعض يضعها في مقام الماجنا كارتا ". وقد جمع المؤرخ الدكتور عماد الدين أبوغازي بينها وبين ثورة 23 يوليو 1952م على أساس أن كلتا الثورتين حدثت في شهر يوليو ولكل منهما أثر كبير في تاريخ مصر الحديث.

عبدالرحمن الجبرتي أسس – في تاريخه – لثقافة المواجهة على جبهتين: جبهة الطغيان الداخلي، وجبهة الغزو الخارجي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.