عالم ما بعد الغرب والتفكير بالتمني

old compass on vintage map
يقوم مفهوم ما بعد الغرب على تغير هيكل القوة في النظام الدولي بصعود روسيا والصين وعدم انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة (شترستوك)

بدأ يشيع في الكتابات العربية مؤخرا -خاصة المتأثرة بالإطار القومي والإسلامي- مفهوم "ما بعد الغرب" أو "أفول الغرب". هذا التفكير ليس جديدا على الذهنية العربية؛ إذ تعود جذوره إلى الحرب الأولي (1914-1918) وامتدت إلى مشارف العقد السادس من القرن العشرين. شهدت تلك الفترة انتشار مفهوم "سقوط الحضارة الغربية"، المستقى من مصادر عدة. تسببت مذابح الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945)، ونطاق الدمار البشري والاقتصادي والعسكري والاجتماعي، في زلزلة الاعتقاد بصحة المزاعم الغربية بتفوقها القيمي والمؤسسي.

ساعد صعود الإسلاميين منذ سبعينيات القرن الماضي والفكرة القومية في الخمسينيات في مجمل المنطقة وتبنيهم لخطابات الهوية أيضا في ترسيخ هذا الفهم، وإن كان هذا الخطاب سائدا أيضا فترة المؤسس حسن البنا (1906-1949) كجزء من مشكل عام شاع في هذه المرحلة .

مع صعود الإسلاميين؛ بدأ التبشير بتفوق النظام الإسلامي على كل من النظامين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة وأوروبا في صياغة أقل ما توصف به أنها تلفيقية جمعت بين محاسن النظامين معا دون إدراك حقيقي بأنهما من طبيعة واحدة.

وعلى الرغم من أن مفهوم نهاية الحضارة الغربية كان محملا بحمولات حضارية؛ فإنه تأثر بتطورات السياسة؛ فقد تأسس -أولا- علي الغزو الاستعماري في مرحلة الاحتلال الغربي للعالم العربي، ثم تعمق بعد أن ورثت الولايات المتحدة كلا من فرنسا وبريطانيا في قيادتها للغرب بعد الحرب الثانية (1939-1945)، وازداد رسوخا في فترة انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي (1991/1990). هنا يمكن الإشارة إلي غزو أفغانستان 2001، والعراق 2003، كما ظلت القضية الفلسطينية ودعم الغرب للكيان الصهيوني حاضرة منذ إعلان دولة اسرائيل 1948 حتى الآن في قلب الموقف من الغرب.

هل نحن إزاء موقف حضاري من الغرب تأسس على الاحتكاك السياسي، أم موقف سياسي تأسس على النظرة الحضارية؟ أظن -والله أعلم- أن الاثنين غذا كلا منهما الآخر، لكن المعضلة كما وصفها د. عز الدين شكري -أستاذ العلوم السياسية والدبلوماسي المصري السابق- أن "الغرب أو بناء مفهوم ما يُدعى الغرب، كان جزءً لا يتجزأ من بناء العرب لصورتهم الذاتية."، وأضيف أن منهج النظر للغرب والهوس به -كما سيتضح في مقالي هذا والمقال التالي- هو من الإشكاليات التي حكمت تفكيرنا في القرن العشرين، والأخطر أنه -أي منهج النظر هذا- لايزال ممتدا في مفهوم ما بعد الغرب أو أفوله بما يربك إلي حد كبير كيفية تفكيرنا في العالم بتطوراته المختلفة وأولويات العمل السياسي.

الإشكالات الأربعة لمفهوم الغرب

الغرب؛ مفهوم كلي شامل لا تاريخي يضم عناصر متباينة وهذه سمة لصيقة بطريقة التفكير في القرن العشرين التي تقوم على الاستقطاب بين ثنائيات متعارضة، وهو أيضا مفهوم اختزالي يستند إلي اليقين المعرفي لأنه يرتبط بالأيديولوجيا: الشرق في مواجهة الغرب، والاتحاد السوفيتي أو الكتلة الشرقية في مواجهة الغربية.

أولا: المفهوم لا تاريخي

الغرب مفهوم كلي شامل يستخدم في الصراع؛ لذا فنحن في صراع دائم مع الغرب دون أن ندري أنه في اللحظة التي تم فيها الاحتكاك به في آواخر القرن الثامن عشر فقد صرنا في الغرب والغرب صار فينا. أما إن الغرب صار فينا بمنتجاته الفكرية والتقنية ورأسمالية الاقتصاد فهذا واضح، أما أننا صرنا في الغرب فكما قال إدوارد سعيد -المفكر الفلسطيني المعروف- في كتابه  "الاستشراق" أن "الشرق" أو تأسيس مفهوم ما يُسمى "الشرق"، كان جزءً لا يتجزأ من بناء أوروبا لصورتها الذاتية.

الغرب مفهوم كلي شامل يضم عناصر متباينة، لكن الأهم أنه كان هناك مشروع حداثي مستوحى من الغرب تم التعامل معه والتفاوض عليه دائمًا من قبل الدولة في المنطقة بمؤسساتها، وعدد من الفئات الاجتماعية. لم نكن إزاء حداثة واحدة بل حداثات متعددة في الغرب، كما أن التفاعل معها أنتج أيضا في الواقع العربي بل والعالمي تطبيقات متعددة لها، كما خلقت تجاورا وامتزاجا وتداخلا بينها وبين ما يطلق عليه التقليدي أو الأصيل.

ثانيا: الثنائيات المتعارضة

الغرب في مواجهة الشرق والإسلامية في مواجهة العلمانية والاشتراكية في مواجهة الرأسمالية والقطاع الخاص في مواجهة العام والأصالة في مواجهة المعاصرة …إلخ. هكذا كثرت المفاهيم ولكن ما يحكمها أنها لا تاريخية، كلية وشاملة -كما قدمت- وذات طبيعة أيديولوجية. الأيديولوجي تعبير عن النقاء الفكري؛ وهي إذ تقدم تفسيرا شاملا للكون والحياة وموقع الإنسان منهما؛ إلا أنها من طبيعة صراعية لأنها تتأسس على مواجهة الخصوم الأيديولوجيين؛ الآخرين الأغيار.

هي تحتاج إلي الثنائيات المتعارضة وتصدر عنها مع أن الواقع دائما على خلاف هذا النقاء الفكري. من يخرج عنها فهو منشق -كما في تجربة الاتحاد السوفياتي- بالرغم من أن المنشقين كانوا يبحثون عن تطبيق مثالي أو أفضل لها. في الغرب كانت المكارثية في أحد مظاهرها بحثا عن النقاء الأيديولوجي، وفي عالمنا العربي تم استدعاء مفهوم الخوارج ولاحقا التطرف والإرهاب أيضا لوصف من يخرج على أيديولوجية الدولة التي هي من طبيعة مختلطة تجمع بين عناصر متباينة. الجميع يبحث عن النقاء الأيديولوجي والتطبيق المثالي بما يخدم الاستقطاب ويغذيه.

ثالثا: الاختزال

منذ الخمسينيات، دفعت السردية المهيمنة عن الغرب باتجاه دمج جميع المجتمعات الغربية في صورة كيان واحد، إمبريالي، ترغب فقط في السيطرة على المنطقة العربية ومواردها، ومنع العرب من تطوير أنفسهم والوقوف على أقدامهم -على حد قول الكاتب والمفكر عز الدين فشير في مقاله.

يشمل هذا التعريف -الذي بدأ قوميا وتطور مع المفكرين الإسلاميين- تعريفًا لـ "الثقافة الغربية" باعتبارها ثقافة مادية، تفتقر إلى الروحانية، وفي أغلب الأحيان منحلة أخلاقيًا ولا تتحلى بالشهامة والتضامن، وتهيمن عليها الأنانية والانسياق وراء رغبات الجسد وحساب المصالح بشكل بارد.

قد يكون هذا صحيحا لو نظرت إليه من زاوية معينة؛ لكن للمفارقة فإن الكتابات الي نقدت الغرب -مثل إدوارد سعيد وإسماعيل الفاروقي ولاحقا عبد الوهاب المسيري- والتي مثلت ذخيرة فكرية وسياسية، للقوميين والإسلاميين لدعم نظرتهم للغرب، أقول إن هذه الكتابات قد تأسست -إلي حد كبير- على المشاريع الفكرية الغربية التي نقدت الحداثة.

هؤلاء الأعلام ومن أتوا بعدهم ونقدوا الغرب وحداثته تعلموا في جامعات الغرب، والأهم فإنهم تصدوا لسؤال لا أظنه بات مطروحا في الزمن المعاصر -إلا في الأطر الفكرية- وهو سؤال النهضة. سؤال النهضة تم التخلي عنه في مرحلة ما بعد الاستعمار إذ هيمن سؤال التنمية كمتطلب أساسي للدفاع عن الأمة. أما في الزمن المعاصر فقد حل النمو الاقتصادي محل الجميع.

رابعا: الاستناد إلي اليقين المعرفي

حيث يمكننا اعتماد وحدات تحليل مستقرة على مدى زمني طويل. الدولة كانت وحدة التحليل الأساسية في السياسة، والمجتمع وحدة كلية كما في التحليل الرأسمالي، لكن يمكن النظر إليه كطبقات متماسكة -كما في التحليل الماركسي.
ساعد الاستقرار النسبي الذي تميز به القرن الـ20 في ديمومة طرق التفكير فيه. استمرت الحرب الباردة -على سبيل المثال- نصف قرن تقريبا (1945-1990)، أما نصفه الأول فقد اتسم بالصراع بين ألمانيا البازغة وحلفائها وبين القوتين الأساسيتين في النظام الدولي -فرنسا وإنجلترا- ولم نشهد إلا في أواخره ثورة صناعية جديدة -الثورة المعلوماتية.

مع اليقين المعرفي لا ندرك سيرورة المفاهيم وتطورها، بل تتعامل معها في شكلها النهائي، ويصبح الهدف أو المقصد هو الوصول إلي معاييرها الكلية الشاملة أي المنتج النهائي، فلم نعد زاء نهايات مفتوحة بل محطة واحدة ووحيدة يجب أن يصل إليها الجميع. في الانتفاضات العربية تم إدماج مطالب النساء في المطالب العامة للحراك. ساعد على ذلك الحضور النسائي الطاغي. تخطينا بذلك طريقة عمل الحركات النسوية التقليدية التي تأثرت بالتسويات الغربية وتبنت منظورها.

مع ماسا أميني في إيران (2022) شهدنا تطورا جديدا؛ إذ كانت مطالب النساء -خاصة فيما يتعلق بحرية الزي- مدخلا للمطالب العامة المتعلقة بالحرية والكرامة والعيش الكريم.هكذا؛ نحن بصدد اشتراك في القيم لأنها إنسانية عامة، وتعدد في مداخل وطرق تحقيقها. لم يعد الغرب في مواجهة الشرق ولا الأصالة في مواجهة المعاصرة. المفاهيم لم تعد مصمتة جامدة لا تاريخية كلية وشاملة بل في حالة سيرورة دائمة ويعاد تعريفها باستمرار.

مفهوم ما بعد الغرب

صدر من أيام لزميلنا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية -جامعة القاهرة وأستاذ العلوم السياسية بعدد من الجامعات العربية والأميركية- نصر عارف كتاب حمل عنوان "عالم ما بعد الغرب"، وهو يمثل نموذجا بدأ يشيع في التفكير العربي وإن اختلفت مرجعياته.

يسيطر على هذا التفكير علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي في حقبة انفرادها بالنظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة، لذا فإنه ينطلق من عدد من المقولات الفكرية التي شاعت في هذه الفترة أو أسست لها مثل: نهاية التاريخ لفوكوياما وصدام الحضارات لهنتتجتون.

الهوس بالغرب يجعل من مواجهة الغرب أولوية دون أن ترى في أي خندق تقف، وهذا ربما يفسر الاحتفاء بالصين وروسيا دون امتلاك معايير كافية للنظر إليهما

يقوم مفهوم ما بعد الغرب على تغير هيكل القوة في النظام الدولي بصعود روسيا والصين وعدم انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة عليه، ويأخذ قوة دفعه من انتهاء الأفكار الكبري وتراجع دور التنظيمات الدولية. يري نصر عارف أنه يمكن اعتبار اللحظة التاريخية التي يجعل بدايتها الأزمة المالية 2009 وما أعقبها "نهاية لنظام القطب الواحد، ونهاية للتفرد الغربي بإدارة شؤون العالم، وتحديد معاني الشرعية الدولية، وفرض السلام العالمي حسب المصلحة الأوروبية الأميركية. ومن ثم يفتح هذا الموقف الباب واسعا أمام السيناريوهات المستقبلية لهيكل النظام الدولي القادم، وطبيعة قيادته.

علي الرغم من توصيفه لهذه الحالة بالسيولة؛ فإنه يري أنها سوف تقود إلى 4 ظواهر دولية هي:

  1. تراجع مفهوم النظام الدولي ومعه تراجع دور المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومن ثم رفع القداسة عن مفهوم الشرعية الدولية، وتسمية الأشياء والأفعال بمسمياتها التي هي شرعية غربية لا دولية.
  2. ظهور نظم إقليمية قوية قادرة على تحقيق السلام الإقليمي، وحل النزاعات بين أعضائها، والمحافظة على مصالحها، والحيلولة دون تدخل القوى الدولية في شؤونها.
  3. الانفصال بين العولمة الاقتصادية والتكنولوجية من جانب، والعولمة السياسية من جانب آخر؛ فالأولى سوف تستمر وتتوسع، وتتراجع الثانية إلى حد الزوال. انتقال القوة الاقتصادية والتكنولوجية إلى الشرق سوف يؤدى على المدى المتوسط إلى تحرير الاقتصاد والتكنولوجيا من التوظيف السياسي الذي تعود عليه العالم الثالث من الدول الغربية في أوروبا وأميركا.
  4. تصاعد دور الفاعلين الدوليين من غير الدول على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بحيث ستكون هناك قوى مؤثرة في تفاعلات النظام الدولي ومستقبله من شركات وكيانات غير الدول مثل الشركات الأمنية الكبرى.على رغم ما يبدو على هذا الخطاب من متابعة للتطورات في هيكل النظام ورصد لبعض الظواهر المستجدة فيه؛ فإنه -في تقديري- يصدر عن نفس الإشكالات التي أثارها مفهوم الغرب، ويضيف إليها عددا من التساؤلات:

أولا: هل ستكون منطقتنا أفضل في هذه الحقبة؟ أقول منطقتنا لا حكوماتنا، وحتى لا أقع في الاختزال المخل أقول: ما تأثير هذه التطورات على فئات المجتمع المختلفة وليس على المجتمع باعتباره كتلة واحدة؟
قد يستفيد من هذه التطورات الرأسمالية والشركات الكبيرة ولكن الاقتصاد الخاص الصغير والمتوسط قد يضار -كما شهدنا في بعض الدول الأفريقية- حيث قضى مزيد من حضور الصين في اقتصاداتها على المزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة، وهذا ينقلنا للنقطة الثانية.

ثانيا: مفهوم ما بعد الغرب يحمل بعدا تبشيريا بأن صعود قوى دولية اخري بخلاف الولايات المتحدة وأوروبا يحمل قدرا من الخير للبشرية، لكن أحد متطلبات التعامل من هذا الصعود هو امتلاك رؤية نقدية للتجربة الصينية سياسيا واقتصاديا، وعدم الاحتفاء بمزيد من حضور روسيا في المنطقة. حمت الصين وروسيا نظام الأسد من الشرعية الدولية -أو على حد قوله من الشرعية الغربية- باستعمال حق النقض في مجلس الأمن، وساعدت الأخيرة نظام بشار الأسد في إبادة شعبه، ولكنه يرى أن تدخل روسيا في سوريا نهاية للشرعية الدولية بالمعني الغربي، وبالطبع فغزوها لأوكرانيا مشروع بحجة حفاظها على أمنها القومي.

نحن بصدد هيمنة للغرب ككيان موحد وعدائي مع رفض عالمية بعض مكونات قيم الشرعية الدولية بحجة توظيفها السياسي. هذا المفهوم للغرب يجعلك ترفض بعض منجزاته التي قد تتخذ طابعا عالميا؛ فهم يعتبرون حقوق الإنسان شأنا غربيا بالأساس، بناءً على قيم غربية، وهو جزء لا يتجزأ من أجندة "العولمة الغربية". أتساءل هل يتضمن تبني مفهوم ما بعد الغرب انحيازا لقيم التسلطية الروسية والدكتاتورية الصينية؟ وهل في صعودهما تعزيز لهذا النمط من الحكم؟

ثالثا: الهوس بالغرب يجعل من مواجهة الغرب أولوية دون أن ترى في أي خندق تقف، وهذا ربما يفسر الاحتفاء بالصين وروسيا دون امتلاك معايير كافية للنظر إليهما.

طورت في كتابي الأول بعد السجن (2015-2019) الذي حمل عنوان "سردية الربيع العربي ورهانات الواقع" (صدر عن دار المرايا بالقاهرة 2021) منظورا لتقييم مدى تأثير صعود الصين ومزيد من حضور روسيا في المنطقة على السردية الأساسية التي أطلقتها الانتفاضات العربية والتي جوهرها هو البحث عن الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية. بالطبع لا يمثل مفهوم مابعد الغرب انحيازا ضد الانتفاضات العربية؛ لكن صديقنا د. نصرعارف يجعله كذلك. يقول في مقدمة كتابه: "جاءت انتفاضات الربيع العربي, وتدخل الغرب بشراسة وعنف وبصورة تفتقد الشرعية الدولية للتخلص من النظم التي يعتبرها عاصية له، ودائرة خارج أفلاكه، وفي مقابل ذلك تدخلت روسيا لإنقاذ سورية من هذا المصير، ثم بدأ الرئيس بوتين يستخدم طموحات الرئيس التركي أردوغان لإرباك حلف شمال الأطلسي."

رابعا: يتضمن هذا المفهوم خلطا بين نهاية النظام الدولي ذي القطب الواحد وبين نهاية الغرب بالمعني الحضاري. يقول صديقنا نصر: "عادت الحرب الباردة مرة أخرى بين كيانات متمايزة حضاريا وثقافيا، وعلى أسس ظاهرها اقتصادي وجوهرها حضاري."أتساءل معه ما هو الجوهر الحضاري في التجربة الصينية؟ وهل تكفي رطانات بوتين الحضارية التي أطلقها في مواجهة الغرب مع غزوه لأوكرانيا لنتحدث عن جوهر حضاري للتنافس بينهما؟ والأهم هل يمكن للصين وروسيا أن يتخلصا من الطبيعة الرأسمالية للاقتصاد؟ وهل بصعودهما نستبدل رأسمالية الدولة برأسمالية السوق؟ أسئلة تستحق المتابعة الشديدة.

أنا أدرك أن هناك صراعا على المعايير التي يجب أن تحكم عمل المؤسسات الدولية، وفي المجالات المختلفة كالإنترنت والتغير المناخي والتجارة الدولية، ولكنه صراع ليس من طبيعة حضارية؛ بل تغلب عليه المنافسة السياسية والبحث عن تحقيق المصالح الاقتصادية. هل كان هناك خلاف بين الاتحاد السوفيتي والغرب في الجوهر الحضاري أم كانا من طبيعة واحدة من حيث الاستناد على التقدم المادي ورغبة في سيطرة الإنسان على الطبيعة، وإن اتخذوا مظاهر متباينة من جهة التعبير الاقتصادي والسياسي عنها ونحن بصدد تجربة مماثلة؟

قد يتصور من يطالع مقالي هذا أني أدافع عن استمرار هيمنة الغرب على العالم، لكن ما أبحث عنه هو فهم أفضل للعالم يسمح لنا بإعادة التفكير في أجندتنا السياسية، وهو ما سيكون همي في المقال القادم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.