"درنة" المدينة النازفة.. لماذا أهملها القذافي؟

تساعد فرق الإنقاذ في أعمال الإغاثة في مدينة درنة شرق ليبيا في 18 سبتمبر 2023 بعد الفيضانات القاتلة (الصحافة الفرنسية)

كارثة.. فاجعة.. مصيبة.. هذه الكلمات لا تكفي توصيفا لما أصاب مدينة درنة الليبية، تزامنا مع إعصار دانيال (10 سبتمبر/أيلول الجاري)، المتهم (زورا وبهتانا)، بقتل أكثر من 11 ألف شخص من أهالي المدينة (العدد قابل للزيادة) طبقا لتقديرات الأمم المتحدة، وربما مثلهم في عداد المفقودين. تكشفت خلال الأيام القليلة الماضية فداحة وفظاعة "النازلة" التي حلّت بالمدينة الليبية النازفة، وخلّفت وراءها مئات المآسي الإنسانية الدامية للقلوب. دفعت درنة وسكانها ثمنا غاليا لعشوائية، ودكتاتورية نظام الحكم للعقيد معمر القذافي (1969- 2011)، ومن بعده، صراعات النخب السياسية، و"الميليشيات" المسلحة، التي تتقاتل منذ سقوط القذافي، لاغتنام السلطة وعائدات النفط. الجميع (ساسة وميليشيات)، تحالفوا مع الفساد والإهمال والتردي رغم انقسامهم وتناقضهم. كأنهم تآمروا على "درنة" المنكوبة بهم لإنتاج لهذه الكارثة المفزعة، ودمار المدينة العامرة بالخضرة والجمال والهدوء، ومحو أحيائها، ودفن بنايات بارتفاع 6 طوابق مع سكانها تحت الأنقاض، ومصرع عائلات بأكملها (بعضها مكون من 50 فردا).

إنها مصيبة شنيعة ستترك أضرارا ومخاطر نفسية مؤلمة على الناجين، بفعل الصدمة القاتلة التي فجعتهم في عائلاتهم. فالناجون -ولسنوات طوال قادمة- سيرثون القلق والخوف، والاكتئاب، والأحلام المفزعة في نومهم، فليس سهلا على الإنسان، معايشة لحظات اختطاف الموت للأهل والأشقاء وفلذات الأكباد، في غمضة عين. لم يكن كل هذا بفعل "إعصار دانيال"، فهو كاشف فقط لما هو معلوم من فساد للساسة الذين يتقاسمون البلاد، ولا يعنيهم أمر المواطن الليبي.. بل مصالحهم الذاتية وطموحاتهم وأطماعهم غير المحدودة. فالأعاصير تحدث كثيرا في بلدان العالم، دون هذه الأعداد من القتلى والضحايا والدمار.. هناك دول تهتم بمواطنيها، وتحذّرهم مسبقا، وتؤمّن لهم حياتهم، باتخاذ الاحتياطات اللازمة للحيلولة دون وقوع خسائر بشرية ومادية، أو تقليلها إلى أدنى الحدود. في "ليبيا"، لا دولة، فلا مؤسسات، ولا هياكل إدارية فاعلة.. مناصب وأموال ومناطق نفوذ فقط، موزعة على حكومتين.. تناقض البيانات المعلنة من كلتا الحكومتين كاشف بذاته لغيابهما الفعلي عن الكارثة.

هيئة الأرصاد الجوية الغائبة

الفاجعة دفعت "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية"، إلى لوم السلطات الليبية (الغائبة)، بأنه كان ممكنا تجنب سقوط هذه الأعداد الضخمة من القتلى لو كان لدى ليبيا هيئة أرصاد جوية، تتنبأ بالأخطار، وتحذّر منها لإجلاء السكان وإنقاذهم من هذا المصير المفزع. "درنة" الجبلية المنكوبة، الواقعة على مسافة 807 أميال إلى الشرق من العاصمة الليبية طرابلس، تطل مباشرة على البحر الأبيض المتوسط، الذي يحدها من الشمال، بينما الجبل الأخضر هو حدها الجنوبي.. يخترقها وادي كبير (وادي درنة الشهير)، ويقسمها إلى قسمين. تتمدد المدينة على مساحة 32 كيلومترا مربعا.. يسكنها نحو 100 ألف نسمة. لم تسْلم "درنة" من الأعاصير في مرات عديدة.. لحقت بها خسائر بشرية ومادية، مثلما حدث أعوام 1941، و1959.. لذا أقيم بها في منتصف السبعينيات سدّان (البلاد، وأبو منصور) لحجز مياه الفيضانات والسيول المنحدرة إليها من أعالي الجبل الأخضر. هذان "السدان" عانا الإهمال وافتقدا الصيانة الدورية، طوال العقدين الأخيرين من حكم معمر القذافي، حتى وقوع الكارثة.

درنة التي كانت

"درنة" التي كانت منارة ثقافية في بعض الأزمنة، عانت تسلل الفكر الجهادي في العقد التاسع من القرن الماضي إلى عقول شبابها، بما أثار حفيظة "القذافي"، واستنفر حملاته الأمنية عليها، لقمع هؤلاء الجهاديين الذي ناهضوه وتمردوا عليه. من هنا أهمل القذافي المدينة حتى رحيله، غضبا لتمرد شبابها عليه، فلم ينشغل بـ "الصيانة" لسديها، رغم احتياجهما الملحّ لها، فهما بُنيا قبل نصف قرن، مثلما تجاهل صيانة شبكة طرق المدينة وجسورها الخمسة المنهارة أيضا. مع ثورة إعصار دانيال انهار السدان بما أدى إلى إفلات 24 مليون متر مكعب من المياه المحجوزة خلفهما.. تضافرت مياه السدود مع الإعصار المندفع صانعين طوفانا متوحشا ومجنونا يقتلع البنايات حتى المكونة من 6 طوابق، ويلقي بها وسكانها إلى الغرق. جاء سقوط القذافي في 2011 ليفتح أبواب المدينة لتنظيمي القاعدة وداعش اللذين سيطرا عليها.. لاحقا قاتلهم "الجنرال" المتقاعد خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي التابع لبرلمان طبرق، لسنوات حتى تمكن في 2018 من تحرير المدينة منهما، ليحل محلهما في السيطرة عليها، ويضمها إلى المناطق الخاضعة لنفوذه وحكومة أسامة حماد حاليا.

القذافي أسقط الملكية ومعها ملك ليبيا إدريس السنوسي، واستولى على الحكم في سبتمبر/أيلول 1969، وحتى مقتله أثناء الثورة الليبية في 2011.. أقام القذافي نظاما للحكم من أسوأ الأنظمة الاستبدادية. أطلق على البلاد منذ مارس/آذار 1977، وحتى سقوطه، مُسمّى الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى.. كأن التسمية كافية لنقل البلاد إلى مصاف الدول العظمى، مثل الولايات المتحدة الأميركية التي ناصبها العداء. لم تكن ليبيا "اشتراكية" كما يشير الاسم الذي هو لمكايدة الغرب، فالقذافي هو الحاكم بأمره.. المواطن ومن ثمّ الجماهير بلا أي قيمة أو دور أو حقوق سواء في زمن القذافي، أو بعده. فالقذافي كان مهووسا بإضفاء ألقاب فخمة على نفسه، فهو الزعيم والأخ العقيد قائد الثورة الليبية، وملك ملوك أفريقيا، وعميد الحكام العرب، وإمام المسلمين، وغيرها. انطلق القذافي مُبدّدا الثروات الليبية من عائدات النفط الذي تمتلك منه البلاد مخزونا ضخما يرفعها إلى المركز التاسع عالميا، للإنفاق على مغامراته ومؤامراته الخارجية، وشراء الولاءات اللازمة له كونه "ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين"، بدلا من الاهتمام بالتنمية.

والحال هكذا، كان طبيعيا ألا ينتبه القذافي إلى تردي البنية التحتية التي شهدت نموا في العصر الملكي رغم الفساد، فلم يؤسس أنظمة صحية وتعليمية وثقافية واجتماعية فاعلة، ولا سعى إلى الاستثمار في البنية الأساسية، ولا اهتم بتكوين مراكز علمية وبحثية فاعلة. ومن الإنصاف الإشارة إلى "النهر الصناعي العظيم"، الذي تبناه القذافي بداية من 1984، إلى اكتماله في 2002، وهو مشروع عملاق لنقل 6.5 مليون متر مكعب من المياه الجوفية العذبة يوميا من 1400 بئر جوفي، إلى أنحاء ليبيا للشرب والزراعة والاستخدامات الأخرى، عبر شبكة أنابيب طولها 3500 كيلومتر. كما وفّر القذافي لمواطنيه دخلا جيدا أشعرهم برغد العيش، دون نهضة عمرانية وخدمية فعلية بالبلاد. هكذا ترك "العقيد القذافي" ليبيا عند سقوطه في حالة يُرثى لها من تدهور للبنية التحتية. لم تكن "درنة" استثناء من هذا الإهمال.. بل نالها نصيب أكبر، غضبا منه عليها، كما أسلفنا.

ليت المصيبة والكارثة الفظيعة التي ضربت درنة توقظ ضمائر الساسة المنقسمين، وتنتشلهم من صراعاتهم، للتآلف، وتشكيل حكومة موحدة تنهض بالبلاد وتقودها إلى الأمام، وتُضمد جراح "درنة" صريعة الاستبداد والعشوائية والفساد والإهمال.. إن أفلتت هذه الفرصة؛ فلا أمل في المستقبل القريب لليبيا.

نسأل الله الرحمة للموتى، والثبات والصبر لذويهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.