الإمام الشافعي وضرورة التمييز بين الشكل والمضمون (3)

الشافعي اتجه بالدراسات الفقهية في كتاب الرسالة اتجاه "العقل العلمي الذي لا يكاد يُعنى بالجزئيات والفروع" (الجزيرة)

برهنت في مقالين سابقين على أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت. 204هـ) كان من أهل الحديث، وقد اتبعت -لإثبات ذلك- منهجية تتأسس على 3 أسس: السياق، والتلقي، ونظرية الشافعي حول حجية الحديث. وهذه الثلاثة ترجع إلى عامل خارجي يتمثل في عنصري السياق والتلقي، وعامل آخر داخلي هو أفكار الشافعي وتصوراته حول مسألة مركزية في التمييز بين من سُموا أهل الحديث ومن سُموا أهل الرأي.

أما هذا المقال، فسأخصصه لنقد وجهة النظر الأخرى التي تظن أن الشافعي من أهل الرأي. والفكرة المركزية هنا أنه لا بد من التمييز بين المضمون أو موضوع الحِجاج من جهة، وبين الشكل وأدوات الحجاج من جهة أخرى، وعدم التمييز بينهما ربما أوقع في الالتباس فأدى إلى الحكم على الشكل مع تجاهل المضمون الذي هو أساس التمييز وهو الفيصل في الحكم على كلا الفريقين. فالشافعي -رضي الله عنه- قد نصر حُجيَّة الحديث (أو الأخبار النبوية) وثبَّت مكانته في الاجتهاد الفقهي، متوسلا بطريقة أهل الرأي في الحجاج والاستدلال، وهي الطريقة التي لم تتوفر لأصحاب الحديث أنفسهم، لعدم ملاءمتها لتكوينهم وطريقة تفكيرهم من جهة، وعدم اشتغالهم بالعلوم العقلية من جهة أخرى. فمن وقف على أسلوب الشافعي في عرض أفكاره وطريقة استدلاله ظن أنه من أهل الرأي، ومن وقف عند أصول (أو تنظيرات) الشافعي من جهة، وعند تطبيقاته (أي فقهه وفروعه التي بناها على تلك الأصول) من جهة أخرى، توصل -بيسر- إلى أنه من أهل الحديث. ولبيان هذه الفكرة سأناقش -في ما يأتي- 3 مسائل: تصنيف العلماء للشافعي قديما، وتصنيفه حديثا، والبعد التنظيري في رسالة الشافعي.

لعل مصطفى عبد الرازق أول من رأى في رسالة الإمام الشافعي نمطا من التفكير الفلسفي، وذلك في سياق تأريخه للفلسفة الإسلامية، للرد على أطروحة بعض المستشرقين الذين نفوا وجود فلسفة إسلامية أصيلة

المسألة الأولى: تصنيف العلماء للشافعي قديما

لا أعرف أحدا من القدماء صنف الشافعي ضمن أهل الرأي، سواء كان هذا الرأي حجازيا أم عراقيا. وقد عبر الشافعي عن نفسه -في مواضع كثيرة- بأنه ينبذ الرأي فقال مرة: "لست أخالف إلا من خالف سنة رسول الله" صلى الله عليه وسلم، وقال أخرى: "ولكن الله تَعَبّده (أي عمر بن الخطاب) والخلقَ بما شاء على لسان نبيه، فلم يكن له ولا لأحد إدخال (لمَ) ولا (كيف)، ولا شيئا من الرأي على الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رده على من يعرفه بالصدق في نفسه، وإن كان واحدا" أي وإن الخبر خبر آحاد. وقال أيضا: "ولا نترك لرسول الله حديثا أبدا، إلا حديثا وُجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يخالفه". وقد نقل مصطفى عبد الرازق نفسه أنه عندما عاد الشافعي إلى بغداد سنة 195هـ وكان في الجامع نيف و40 حلقة أو 50 حلقة، ما زال الشافعي يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم: "قال الله وقال الرسول، وهم يقولون قال: أصحابنا، حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره". وحين ورد الشافعي العراق وصفه حسين الكَرابيسيّ -وكان من أهل الرأي- بقوله: "ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه".

وقد أدرك أحمد وأهل الحديث ممن نقلت أقوالهم في المقال الأول -من هذه السلسلة- أن كتاب الرسالة يخدم مذهبهم في الحديث والتفقه به، وقد كان أحمد يتخير من كتب الشافعي فيقول: "عليك بالكتب التي وضعها بمصر"، لأنها -في رأيه- أحكم من تلك التي وضعها في العراق، وهذا كاف لبيان أنه لا صلة للتمييز بين قديم الشافعي وجديده بمسألة التمييز بين أهل الحديث وأهل الرأي، كما قد يوحي كلام عبد الرازق، إذ قوة الشافعي وتأثيره إنما يرجع إلى كونه مشى على طريقة الفقهاء في التفقه والاستنباط من جهة، وعلى طريقة المحدثين في الاحتجاج بالحديث من جهة أخرى، وبهذا خالف الشافعي طريقة فقهاء أهل الرأي، كما ارتفع عن درجة "فقهاء الحديث" الذين تحدث عنهم الحاكم النيسابوري (ت. 405هـ) ممن فقههم قائم على الحديث فقط.

وممن اعتنى بذكر قائمة بأصحاب الحديث: أبو بكر بن قتيبة (ت. 276هـ) وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري، ومع ذلك أغفلا ذكر الشافعي، سواء ضمن أهل الرأي أو ضمن أهل الحديث، مع أن ابن قتيبة تتلمذ على الإمام المحدث إسحاق بن راهويه (ت. 238هـ) الذي صحب الشافعي. أما الحاكم فقد أدرج أحمد بن حنبل ضمن "فقهاء الحديث"، ثم نقل عن الشافعي تقديره لأحمد وبيان مكانته في بغداد، ومع ذلك أهمل الحاكم ذكر الشافعي ضمن القائمة. ولكن إهمال ابن قتيبة والحاكم لذكر الشافعي في قوائمهما ليس دليلا على شيء في الواقع، لأمور:

  • الأول: أن ابن قتيبة صنف الشافعي -في كتاب آخر- ضمن من وصفهم بـ"قوم من الفقهاء" إلى جانب المحدث إسحاق بن راهويه، وفي كتاب ثالث ذكر ابن قتيبة مسألة ثم قال: "وإلى هذا يذهب الشافعي ومن سلك طريقه. وأما أصحاب الرأي فيرون …"، ما يعني أنه أدرجه ضمن أصحاب الحديث. وكان ابن راهويه تلميذ الشافعي يتنقص أصحاب الرأي، ويلهج ببيان "قبيح أقاويلهم والتنبيه عليها"، وكان يقول: "نبذوا كتاب الله تعالى، وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم، ولزموا القياس"، وكان يستدرك عليهم، ويتبع طريقة أستاذه الشافعي في سَوق الأمثلة لبيان عدم اتساق منهج أهل الرأي، وهو ما تابعه فيه -أيضا- تلميذه ابن قتيبة.
  • الثاني: أن الحاكم أشار -صراحة- إلى أنه اختصر القائمة، فأهمل أسماء أناس كان حقهم أن يُذكروا في طائفة أهل الحديث، منهم الترمذي (ت. 279هـ) وغيره.
  • الثالث: من الواضح أن الرجلين لم يريدا حصر قائمة بعلماء كل فريق، بل إن الحاكم كان واضحا في الحديث عن "فقهاء الحديث"، وهو تعبير يحيل -في رأيي- إلى نوع معين من أنواع علوم الحديث هو "فقه الحديث"، وهو أخص من مسألة أصحاب الحديث بمعنى المذهب الذي نتحدث فيه هنا.

المسألة الثانية: تصنيف العلماء للشافعي حديثا

لعل مصطفى عبد الرازق (ت. 1947) أول من رأى في رسالة الإمام الشافعي نمطا من التفكير الفلسفي، وذلك في سياق تأريخه للفلسفة الإسلامية، للرد على أطروحة بعض المستشرقين الذين نفوا وجود فلسفة إسلامية أصيلة. وراح يبحث عن تطور التفكير الفلسفي -في الإسلام- خارج حقل الفلسفة بمعناها الاصطلاحي. وقد اتسع هذا التوجه -فيما بعد- مع تلامذة عبد الرازق، ومن أبرزهم علي سامي النشار (ت. 1980)، ثم مع من جاء بعدهم من تلامذتهم. لم يكن عبد الرازق صريحا في نسبة الشافعي إلى أهل الرأي، ولكن يمكن أن نلمس في كلامه 3 أفكار مركزية قد توحي بذلك:

  • الفكرة الأولى: تقرير عبد الرازق اختلاف الشافعي عن أهل الحديث، فنشأته "لم تكن -من كل وجه- نشأة أهل الحديث ولا استعداده استعدادهم".
  • الفكرة الثانية: أن الشافعي مال -في العراق- إلى أهل الحديث ثم انتقدهم في مصر. فقد ناصرَ أهل الحديث في العراق حين كان متأثرا بمذهبهم، ووضع كتابه "الحجة" -الذي يمثل مذهبه القديم في العراق- للرد على أهل الرأي، ولكنه -في مرحلته اللاحقة في مصر- أكثر الرد على الإمام مالك بن أنس، ومن كتاباته المصرية تَشَكل ما عُرف بمذهب الشافعي الجديد. ومن هذه الصورة يخلص عبد الرازق إلى أن الشافعي أكمل -في مذهبه الجديد- "النقص الذي وجده لدى المذهبين"، وقرّب الشُّقة بينهما. قال عبد الرازق: "قد لا يكون بعيدا عن غرض الشافعي في وضع أصول الفقه أن يُقرب الشقة بين أهل الرأي وأهل الحديث، ويمهد للوحدة التي دعا إليها الإسلام".
  • الفكرة الثالثة: أن كتاب "الرسالة" للشافعي يوضح ملامح "نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام، من ناحية العناية بضبط الفروع والجزئيات بقواعد كلية، وإن لم تغفل جانب الفقه". ويمكن تلخيص مظاهر التفكير الفلسفي في كتاب الرسالة في 4 خصائص، استخرجتها من مجموع كلام عبد الرازق، وهي:
  1. وضع قانون كلي يضبط الجزئيات، فقد عُني الشافعي "بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها".
  2. الاتجاه المنطقي إلى وضع الحدود والتعاريف، فالشافعي "أخذ ينقض بعض التعريفات من ناحية خروجها عن متابعة نظام متحد في طريقة الاستنباط".
  3. التقسيم والتمثيل لكل قسم، وهذا نجده شائعا في كتاب الرسالة.
  4. الحوار الجدلي الذي يطفح به كتاب الرسالة الذي يفترض على طول الخط شخصا يجادله.

وبناء على هذه المظاهر الأربعة التي انطوى عليها نقاش عبد الرازق وجاءت منثورة في كلامه، يخلص إلى أن الشافعي اتجه بالدراسات الفقهية -في كتاب الرسالة- اتجاه "العقل العلمي الذي لا يكاد يُعنى بالجزئيات والفروع"، فحاول أن "يجمع أصول الاستنباط الفقهي وقواعدها علما ممتازا، وأن يجعل الفقه تطبيقا لقواعد هذا العلم"، فكان "أول من وضع مصنَّفا في العلوم الدينية على منهج علمي". ومن مجموع المظاهر الأربعة أيضا، يمكن أن نخلص إلى أن الشافعي يتردد -في نظر عبد الرازق- بين سمتين رئيستين:

  • السمة الأولى: أن الشافعي طمح إلى التوفيق بين أهل الحديث وأهل الرأي، من حيث إنه أكمل النقص بين المذهبين، ولكن عبد الرازق لم يوضح حقيقة هذا النقص من جهة المضمون المعرفي الذي أضافه الشافعي إلى الفريقين، وهل تجاوز مسألة التنظير؟ وماذا عن خلاصاته نفسها التي نظّر لها هل تلتقي مع أحد الفريقين أو أحدهما أو تتجاوزهما معا؟ إن نقاط الوفاق والافتراق يجب أن تكون محور عملية التصنيف هنا، كما أن تحديد المفاهيم والتدقيق فيها جزء أساسي من التفكير الفلسفي، وهو ما لم يقم به عبد الرازق هنا.
  • السمة الثانية: مظاهر التفكير الفلسفي التي توفرت في كتاب الرسالة للشافعي تحديدا، أو ما سماه عبد الرازق أيضا "التفكير العلمي" في الدراسات الفقهية الذي يُعنى بالأصول والكليات لا بالجزئيات. وغالب ظني أن هذا الذي قصده عبد الرازق بالنقص الذي كمّله الشافعي مما أسعف به المذهبين: أهل الرأي وأهل الحديث. ولكن الإشكال في كلام عبد الرازق يتمثل في أن هذه الإضافة لا تكفي -وحدها- لنقل الشافعي من أهل الحديث إلى أهل الرأي، دع عنك اعتباره من الفلاسفة.

المسألة الثالثة: البعد التنظيري في رسالة الشافعي

ثمة سمة أساسية تَسم كتاب الرسالة، وهي الكتابة المنهجية أو البعد التنظيري، وهذ النمط من التفكير مبكر جدّا، بالنظر إلى كتابات عصر الشافعي عامة، والكتابات الفقهية والحديثية خاصة. وهذه السمة هي التي جعلت عبد الرازق -كما سبق- يصنف الرسالة ضمن بدايات التفكير الفلسفي في الإسلام، رغم أنه لم يقدم أي بيان للإضافة التي جاء بها الشافعي أكثر من هذا البعد التنظيري والحجاجي في كلامه، وذلك لإثبات فكرته عن تطور التفكير الفلسفي في الإسلام. فعبد الرازق لم يكن معنيّا بمناقشة مضامين أفكار الشافعي، بل بمناقشة قوالبها فقط. وفي رأيي لم تكن المسألة -فقط- أن الشافعي كان أول من صنف في أصول الفقه (وهو الواقع بحسب ما بين أيدينا بعيدا عن دعاوى المذاهب الأخرى)، بل إنه أول من ضبط قواعد الاجتهاد الفقهي وحاجج لإثباتها حجاجا يسلك مسلك أهل الرأي من حيث الشكل، ومسلك أهل الحديث من حيث المضمون ومن حيث ترسيخ حجية الحديث وتقييد الاجتهاد الفقهي به.

وإذا كان المقال الثاني -من هذه السلسلة- قد وضح الإطار النظري الذي التقى فيه الشافعي -فعليّا- مع أهل الحديث، فإنني معني هنا ببيان القالب النظري الذي اتبعه لإثبات مذهب أهل الحديث في التفقه، وقد تجلى هذا في أمرين: الأول: وضع قانون كلي، والثاني: الكشف عن عدم اتساق باقي المذاهب الفقهية في عصره.

ففي ما يخص وضع قانون كلي، أدرك بعض أصحاب الشافعي هذا، فهذا أبو الوليد موسى بن أبي الجارود من أصحابه يقول: "اجتمع للشافعي علمُ أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف واشتهر أمره". ولا أراه يعني -والله أعلم- إلا أن الشافعي استعار طريقة أهل الرأي في التنظير والحجاج، وحافظ على طريقة أصحاب الحديث في الفقه والاستنباط المقيد بالأخبار النبوية، وهو ما تشهد به أصول الشافعي وفروعه الفقهية، بالمقارنة مع مذاهب غيره. فقد رتّب الشافعي أبواب أصول الفقه، وميّز بعض أقسامه عن بعض، وشرح مراتبه في الضعف والقوة، "ووضع للخلق قانونا كليّا يُرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع"، حسبما قال فخر الدين الرازي. فحتى أهل الرأي لم يكن لهم -بحسب ابن تيمية على الأقل- "قواعد محررة لا في أصول دين ولا في أصول فقه".

وفي ما يخص الكشف عن عدم الاتساق في مذاهب الفقهاء الآخرين بمن فيهم أستاذه مالك، فإن الشافعي نفسه كان حريصا على الكشف عن افتقار فقهاء عصره -ممن خرجوا عن تتبع الأخبار النبوية بدرجات متفاوتة- إلى الاتساق. وهذا في رأيي معنى كلامه لتلميذه الربيع إنه سيأتي بما يشغل أهل مصر عن مذاهبهم، وهو معنى قوله كذلك: "قدمت مصر لا أعرف أن مالكا يخالف من أحاديثه إلا 16 حديثا، فنظرت فإذا يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل". أي أن أصول مالك كانت تفتقر إلى الاتساق المنهجي بحسب الشافعي، وهو ما تابعه فيه إمام الحرمين الجويني فيما بعد، فقال: "مالك أفرط في مراعاة المصالح المطلقة المرسلة غير المستندة إلى شواهد الشرع، وأبو حنيفة قصر نظره على الجزئيات والفروع والتفاصيل، من غير مراعاة القواعد والأصول، والشافعي رضي الله عنه جمع بين القواعد والفروع".

وعند التحقيق، سنجد تقاربا بين الشافعية والحنابلة لجهة الاستنباط الفقهي أو فروع الفقه، ومن ثم إن لم يجد الحنابلة نصا في مذهبهم على مسألة معينة أفتوا فيها بمذهب الشافعية، وقال ابن تيمية: إن الإمام أحمد موافق للشافعي في عامة أصول الفقه، وكان أحمد يقول عن الشافعي: "حديث صحيح ورأي صحيح". وفي المقابل، نجد تقاربا بين مذهبي الحنفية والمالكية، فإذا لم يجد المالكية نصا في مذهبهم على مسألة معينة أفتوا فيها بمذهب الحنفية. وهذا يبرهن -عمليّا- على تقارب الأصول بين كل مذهبين على حدة.

فالشافعية والحنابلة يُعْلون من حجية الحديث المعين أو الجزئي ولا يؤولون النص الجزئي في ضوء القانون الكلي إلا قليلا كما هو مذهب الشافعية، أو نادرا كما هو مذهب الحنابلة، لأنهم -جميعا- يعتبرون الحديث الخاص أو المعين أصلا بنفسه، وله سلطة أعلى من سلطة النص العام. أما المالكية والحنفية فيُحكّمون القانون الكلي في النص الجزئي غالبا، ولذلك ترك الحنفية والمالكية العمل بأحاديث صحيحة، لأنها خالفت قانونا كليّا يتصل بالعمل المتوارث أو مخالفة القياس أو عموم النص القرآني، أو غير ذلك، بل إن ابن قتيبة وضع مالك بن أنس ضمن قائمة أصحاب الرأي إلى جانب أبي حنيفة وتلامذته، في حين أن أحمد -في ما أذكر- كان يتهيب أن يعد مالكا من أهل الرأي، لأنه يتتبع الآثار، وكان يقول عن مالك: "حديث صحيح ورأي صحيح" كالشافعي، مع ما في أصول فقهه من نوع اضطراب بحسب ابن تيمية. ويمكن مراجعة معايير رد الحديث من جهة المتن واختلاف الأصوليين فيه من مختلف المذاهب في كتابي: "رد الحديث من جهة المتن: دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين".

وما عددته ميزة أو إضافة للشافعي هنا هو نفسه ما جعل الشافعي محط هجوم المستشرقين ومن تابعهم من العرب، باعتباره أساس المشكلة التي حبست -بزعمهم- الفكر الإسلامي ضمن التقليد وسلطة الحديث ومنعته من التوسع في التفلسف واجتهاد الرأي. والله أعلم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.