تقسيم المسجد الأقصى وسؤال الاحتمالات

مصلون خارج قبة الصخرة في المسجد الأقصى (وكالات)

في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن مجرد طرح التساؤل عن مدى إمكانية تقسيم المسجد الأقصى المبارك يعتبر نذيراً لخطر كبير يحيط بالمسجد. فطرح الفكرة الآن على مسار التنفيذ والبحث في إمكانيات تنفيذها يعني بالضرورة أن القرار بتقسيم المسجد قد حُسِم واتخذ بالفعل لدى إسرائيل، وهذا محل الخطر الذي ينبغي أن يتنبّه له العالم العربي والإسلامي على حد سواء.

عندما يتعلق الأمر بفكرة اقتسام السيادة على المسجد الأقصى، باعتبارها مقدمة فقط للسيطرة الكاملة عليه، فإن جميع الأحداث والدلائل التي نراها منذ سنوات في القدس تشير إلى أنها فكرة تحظى بالإجماع في إسرائيل، ولا تختلف التيارات السياسية الإسرائيلية على ضرورة تنفيذها واعتبارها حقاً واجباً لدولة الاحتلال.

فإسرائيل تعتبر القدس عاصمتها الأبدية، لكن الرمز الأكبر والأهم في هذه "العاصمة" ما زال بلا شك المسجد الأقصى بقبتيه الذهبية والرصاصية، ومن غير المعقول أو المقبول بحسب الرؤية الإسرائيلية أن تستمر هذه الصورة المخالفة لفكرة الدولة نفسها في السيطرة على الفضاء البصري لمدينة القدس. إضافةً إلى ذلك، فإن جميع الأطراف الإسرائيلية تنظر إلى المسجد الأقصى باعتباره رمزاً للشعب الإسرائيلي، سواء على المستوى الديني كما هي الحال في التيارات المتدينة، أو على المستوى التاريخي الوطني كما هي الحال لدى التيارات العلمانية القومية.

لذلك، فإن فكرة كون المسجد الأقصى خارج سيادة دولة الاحتلال يعتبر مسألةً غير مقبولة لدى جميع تلك الأطراف والدوائر في إسرائيل.

السؤال الذي يطرح نفسه ضمن الحدود التي رسمتها أحداث الضفة الغربية والقدس في السنوات الأخيرة هنا هو: ما مدى إمكانية أن تقدم إسرائيل بالفعل على تلك الخطوة الأخطر والأكبر بمحاولة فرض تقسيمِ فعلي في المسجد الأقصى المبارك على أساس مكاني؟ وهل إسرائيل قادرة بالفعل على اتخاذ مثل هذه الخطوة دون أن تحسب حساب تبعاتها؟ لإجابة هذا السؤال ينبغي إجراء مراجعة عامة لموقع المسجد الأقصى لدى الدوائر الإسرائيلية ونوعية الأحداث وردات الفعل التي ميزت المنطقة كلما تعلق الأمر بالمسجد.

بمجرد مراجعة صغيرة لسير الأحداث في القدس على امتداد 106 سنوات منذ الاحتلال البريطاني عام 1917 حتى اليوم، يمكن لأي متابعٍ أن يلحظ نسقاً موحداً في الأحداث في المنطقة كلها كلما تعلق الأمر بالأقصى، بدءا من أحداث موسم النبي موسى عام 1920 مرورا بثورة البراق عام 1929 التي ميزت فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وفي عدة محطات مركزية خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، كإحراق الأقصى عام 1969، ومجزرة الأقصى عام 1992، وهبَّة النفق عام 1996، وانتفاضة الأقصى عام 2000، والأحداث الأخيرة في هبّات أعوام 2015 و2017 و2019 و2021، وأخيراً أحداث رمضان من هذا العام 2023.

هذه الأحداث المتتالية والمتسارعة مؤخراً كانت تمثل نسقاً موحداً في طريقة سيرها، يتمثل في كون المسجد الأقصى شرارة تنطلق منها اضطرابات قد تصل إلى قمة العنف والشدة، وهو الذي كان على الدوام يخلق رادعا إستراتيجيا ذاتيا لدى إسرائيل وتخوفا من المسّ بالمسجد نفسه.

لا يمكن لأحد توقّع كيفية ردة فعل الشعب الفلسطيني على إقدام إسرائيل على تقسيم المسجد واقتطاع أجزاء منه لصالح اليمين الديني، وردة الفعل هذه لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تكون مماثلةً مثلاً لتقسيم المسجد الإبراهيمي في الخليل أو إحراق المسجد الأقصى، فالزمن غير الزمن، والظروف غير الظروف

لكن الحال تغيرت اليوم جذرياً، فالحكومة الحالية يقودها اليمين الديني المتطرف متمثلاً في تيار الصهيونية الدينية، وهو يمثل التيار الكاهاني الذي تقوم أفكاره على ضرورة الذهاب إلى الحد الأقصى في تنفيذ أجندته بالقوة دون النظر إلى خلفيات ومآلات هذه التصرفات، وهذا الأمر خلق ما يمكن أن نسميه تنافساً بين أقطاب التيار اليميني في تناول مسألة المسجد الأقصى، لنرى مثلاً عضو الكنيست عن حزب الليكود الحاكم "عميت هاليفي" يعلن رغبته في طرح مشروع على الكنيست لتقسيم المسجد الأقصى مكانياً بنسبة 70% لليهود و30% للمسلمين، متجاوزا بذلك رؤية تيار الصهيونية الدينية الأشد تطرفاً.

هذا التنافس بين اليمين الإسرائيلي يخيف المؤسسة الأمنية بشكل كبير، وهي معروفة بتوجهاتها القومية غير المحكومة بالرؤية الدينية التي يمثلها تيار الصهيونية الدينية وحلفاؤه. وهي التي كانت على الدوام تقف في وجه تهور اليمين الإسرائيلي الذي قد يؤدي -في نظرها- إلى اشتعال حربٍ دينيةٍ لا داعي لها ولا يمكن لإسرائيل أن تقف في وجهها، خاصةً إن فقدت إسرائيل السيطرة على الضفة الغربية بانطلاق انتفاضةٍ ثالثةٍ على سبيل المثال. وهذا الأمر كان أشد وضوحاً في هبة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية عام 2017 وفي أحداث عام 2021، عندما أجبرت المؤسسة الأمنيةُ الحكومةَ على التراجع خوفاً من تطور الأوضاع إلى انتفاضة ثالثة عاتية.

مشكلة المؤسسة الأمنية وتيار يسار الوسط الإسرائيلي في هذا الأمر هي أنه بالرغم من رغبته الأكيدة في تنفيذ رؤية إسرائيل في السيطرة على المسجد الأقصى وإنهاء السيادة الإسلامية عليه تماماً، فإن العقبة الأساسية أمامه هي تهور وتسرع اليمين المتطرف الذي يرى في الانتظار والتريث خطراً على المشروع باعتباره تأخر كثيراً عن التنفيذ لأكثر من 55 عاماً الآن! وهو ما يدعو اليمين المتطرف إلى محاولة الإسراع بتطبيق رؤيته في الأقصى بأقصى سرعة، بما يضمن له التقدم الدائم في نظر الناخب الإسرائيلي وعدم الإضرار بقوة مشروعه داخلياً أمام الشارع الإسرائيلي.

الثابت هنا أن إسرائيل بكل كيانها لا تستطيع تجاوز العقبة الأمنية، وذلك لأن طبيعتها الأمنية هي التي تميز كيانها من الأصل، وحقيقة علاقة الجيش والمؤسسة الأمنية بكافة مؤسسات الدولة -وعلى رأسها رئاسة الحكومة- لا تخفى على ناظرٍ.

لذلك، فإن المرجح هو أن يطغى الجانب الأمني على مسألة التعامل مع المسجد الأقصى المبارك، وتحاول المؤسسة الأمنية تنسيق جهودها مع تطلعات اليمين الحاكم لضمان سير المشروع الإسرائيلي بالكامل المتفق عليه في القدس. فيكسب الجميع بدلاً من أن يخسر الجميع. ولهذا نرى تغوّل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مؤخراً على الناشطين المقدسيين والشخصيات المقدسية الكبرى ومحاولة تغييبهم بقدر الإمكان، ونرى كيفية تعامل هذه المؤسسة مع باب الرحمة وتصرفاتها التي توحي بأنها تنوي تقديم شيء في هذه المنطقة لجماعات اليمين المتطرف.

بالمقابل، نرى اليمين المتطرف اليوم أشد جرأة في المطالبة بالتقدم خطوات ملموسةً نحو قلب الأوضاع في القدس واقتطاع أجزاء من المسجد الأقصى المبارك لصالح الجماعات الدينية المتطرفة، وعلى رأسها ما يسمى "اتحاد منظمات المعبد" وغيره من جماعات المعبد.

الأخطر في ذلك هو استعانة اليمين الديني بالمؤسسة الحريدية في سعيه لذلك، فقد قامت قائمة الإعلام الديني المتطرف في الأيام الماضي لخبر قرب إتمام بقرةٍ حمراء سنَّ العامين، وهي السن التي تعتقد هذه الجماعات أنها المناسبة دينياً لذبحها وتقديمها قرباناً بهدف "التطهير"، وهذه العملية يعدها أقطاب هذه الجماعات الدينية إشارةً إلهية لتأسيس المعبد الثالث على أرض المسجد الأقصى المبارك.

بذلك تجتمع الأسطورة الدينية مع الإرادة السياسية والرؤية الأمنية لتنفيذ رؤية إسرائيل في المسجد الأقصى، وهو ما يمكن أن يكون الخطوة الكبرى لإسرائيل في القدس منذ احتلال شرقيها عام 1967. كما أن تمكن جماعات المعبد المتطرفة من إقامة أغلب الطقوس الدينية المتعلقة في عقيدتها بالمعبد في قلب المسجد الأقصى (مثل السجود الملحمي بالانبطاح على الوجه وإدخال القرابين النباتية ونفخ البوق في رأس السنة العبرية) يعتبر بالنسبة لها تقدماً مهماً وتعزيزاً لرؤيتها للمسجد الأقصى باعتباره مقدساً دينياً مشتركاً على الأقل، وهذا ما قد يشجعها على المزيد من المحاولات في الفترة القادمة لفرض رؤيتها في الأقصى وابتزاز كافة الأطراف في إسرائيل لكسب المزيد، خاصة ونحن الآن على أعتاب موسم جديد من الاقتحامات المركزية في ذكرى خراب المعبد أواخر يوليو/تموز، وموسم رأس السنة العبرية والغفران والعرش في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول القادمين.

العقبة الكبرى التي ستواجه هذا المشروع في الفترة القادمة هي الحاجز النفسي بين إسرائيل والمسجد الأقصى، والذي تمثله القدس ومحيطها الأقرب، أي الضفة الغربية، التي تعيش غلياناً غير مسبوق في وجه إسرائيل. وما أحداث مخيم جنين والعمليات المختلفة في أنحاء الضفة الغربية إلا إشارةٌ لإسرائيل بما يمكن أن تتطور له الأمور في حال أقدمت على الخطوة الدراماتيكية التي تريد القيام بها.

لا يمكن لأحد توقع كيفية ردة فعل الشعب الفلسطيني على إقدام إسرائيل على تقسيم المسجد واقتطاع أجزاء منه لصالح اليمين الديني، وردة الفعل هذه لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تكون مماثلةً مثلاً لتقسيم المسجد الإبراهيمي في الخليل أو إحراق المسجد الأقصى، فالزمن غير الزمن، والظروف غير الظروف، وإسرائيل اليوم لم تعد إسرائيل أمس، والثابت الوحيد في هذه المعادلة بقي الردع الذي يمثله المسجد الأقصى المبارك. ولعل هذه تكون الفرصة الذهبية لفرض التراجع على إسرائيل في القدس والمسجد الأقصى كما حدث في عدة محطات سابقة على مدى السنوات الست الماضية، وهو تراجع ممكن بل متوقع، خاصةً عندما تتيقن إسرائيل أنها أمام خيارين لا يمكنها الجمع بينهما: المسجد الأقصى مقابل الدولة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.