تركيا بين قرنين | (2-1)

بعد فوزه في الجولة الثانية للاتخابات الرئاسية.. أردوغان يلقي خطاب النصر المصدر: شاشة الجزيرة
بعد فوزه بالجولة الثانية للانتخابات الرئاسية أردوغان يلقي خطاب النصر (الجزيرة)

قبل أن تعلن لجنة الانتخابات في تركيا عن نجاح زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان وفوزه بالانتخابات الرئاسية بعد منافسة مثيرة وحابسة للأنفاس، استطاعت تركيا نفسها أن تتربع على عرش الاهتمام الإعلامي الدولي لأسابيع. فتصدر أردوغان أغلفة أهم الصحف والمجلات الدولية، فضلا عن وسائل الإعلام المرئية. وقد اعتبرت مجلة "إيكونوميست" أن انتخابات تركيا أهم انتخابات في العالم خلال العام الجاري 2023.

وكان الاهتمام بالحدث التركي لدوافع وأبعاد مختلفة، اهتمام قليله كان تغطية للحدث البارز لدولة "قادمة من بعيد" لاعبا مهما على الصعيد الدولي، وكثيره كان بخلفية التأثير وترجيح كفة المعارضة التركية ومرشحها كمال كليجدار أوغلو على حساب أردوغان والعدالة والتنمية وحلفائه. وتبدو تركيا بهذا الصدد حالة قلق دائم لقوى الغرب الذي بقدر ما يرى تركيا حليفا ويراها خصما، وبقدر ما ينظر إليها قريبة، بقدر ما يريدها بعيدة. إنها دكتاتورية الجغرافيا والتاريخ أيضا، حيث الموقع الإستراتيجي الحيوي لتركيا بأبعاده الجيوسياسية شديدة الأهمية والحساسية.

وقد حسم أردوغان المعركة الانتخابية لحسابه، وخرج أقوى بكثير مما كان عليه قبيل الانتخابات، وخرجت تركيا نفسها أقوى، وهي التي تحولت إلى مركز اهتمام دولي لأيام طويلة، توجتها بانتخابات ديمقراطية، تعددية، عززت الجمهورية وعززت الديمقراطية، وبددت المخاوف من انقسامات مزعومة، كان يراد لها أن تتعمّق. هنّأت المعارضة أردوغان بفوزه، معترفة بفوز مرشح "تحالف الجمهور"، ومقرّة بحكم صناديق الاقتراع. بينما احتفل الأتراك وأصدقاؤهم بفوز أردوغان بشكل غير مسبوق.

أسرار الفوز

وقد أثيرت تساؤلات كثيرة عن سر هذا الفوز للعدالة والتنمية، بعد 20 عاما في الحكم، وعام صاخب بأحداث داخلية وإقليمية ودولية، مع زلزال مدمر هو الأعنف في تاريخ البلاد.

  • أولا: أبدى العدالة والتنمية بقيادة أردوغان قدرة لافتة على المرونة والتجدد وبراعة في إعادة تقديم نفسه، كقوة لا غنى عنها للاستمرار في الحكم، واستكمال البناء الوطني الذي انخرط فيه منذ العام 2002. فالحزب الذي أدار البلاد لأكثر من 20 عاما متتالية، أدرك أن شرطا من شروط استمراره في الحكم وكسب ثقة الأتراك هو الانتقال من إدارة الشأن العام عبر الحزبية إلى تدبيره عبر الائتلافية. فعقد تحالفات صلبة دشنها مع حزب الحركة القومية الذي يقوده دولت بهتشلي، ليتوج تحالفاته قبيل الانتخابات تحت اسم "تحالف الشعب" الذي بات يتكون من 8 أحزاب.
    وعزز تحالف "الشعب" قاعدته بإعلان زعيم "تحالف الأجداد" الانضمام رسميا للتحالف. تحالف بقيادة "العدالة والتنمية" فاز بالأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية، بحصوله على 323 مقعدا من أصل 600، رغم تراجع مقاعد الحزب.
  • ثانيا: نجح حزب العدالة والتنمية في التعاطي مع التحديات والصعوبات التي واجهتها البلاد بهدوء ورباطة جأش، واتخذ أردوغان قرارات جريئة ما كان ليقدم عليها أي زعيم آخر. فالأزمة الاقتصادية الحادة التي واجهتها تركيا لم تكن فيها بدعا، ولا خاصة بها. فكل اقتصاديات العالم دخلت بسبب وباء كورونا والإجراءات التي صاحبته مرحلة ركود حادة ولا تزال.
    وكان الأثر أبلغ على دول مثل تركيا التي كانت تستقطب أكثر من 40 مليون سائح سنويا، فإذا بها تجد نفسها مضطرة للإغلاق كجل دول العالم، في إطار الإجراءات الدولية المشتركة لاحتواء الوباء. وواجه "العدالة والتنمية" التعقيدات والتداعيات الاقتصادية لوباء كورونا بسياسات غير تقليدية، كان أبرزها الإبقاء على سعر الفائدة في حده الأدنى، ومحاولة السيطرة على المضاربات.

    كان الاهتمام بالحدث التركي لدوافع وأبعاد مختلفة؛ قليله كان تغطية للحدث البارز لدولة "قادمة من بعيد" أصبحت لاعبا مهما على الصعيد الدولي، وكثيره كان بخلفية التأثير وترجيح كفة المعارضة التركية ومرشحها

  • ثالثا: خلال عقدين من حكم العدالة والتنمية، لم تستطع أو تنجح أي قوة سياسية، في فرض نفسها بديلا عن الحزب الحاكم. ورغم أن مجال التداول والتغيير، كان ممكنا عبر صناديق الاقتراع، إلا أن الناخب التركي لا يزال يميل للثقة في العدالة والتنمية على حساب الأحزاب والقوى الأخرى. والحقيقة أن القوى الأخرى تعاني من قصور مزمن، لا يؤهلها فيما يبدو أن تكون البديل عن العدالة والتنمية.
    فبين حزب يعتبر الوريث الشرعي لإرث الكمالية (نسبة لكمال أتاتورك) تآكلت شرعيته، وورث مع الزمن سجلا فيه الكثير من المؤاخذات، جعله دوما ينظر إليه بارتياب من قبل الناخبين الأتراك، فضلا على أن رؤيته السلطوية، في مجال الحريات العامة، لم تتطور ولم تتأقلم بشكل يتماشى مع التغيرات والتحولات الطارئة على المجتمع التركي.
    بينما نجد في الضفة اليمينية حزب قومي يعاني من إعاقة واضحة بسبب رؤيته الشوفينية الضيقة، التي لا يمكن أن تستوعب حالة التنوع والانفتاح الذي يطبع المشهد التركي. وتبقى أحزاب اليسار تعاني كغيرها من فقدان بريقها وانكفائها داخل مقولات لا تستجيب لتطلعات الناخب التركي، ولا تتماشي مع استحقاقات الحكم، ولا يبتعد عنها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال، رافعة وطنية لطموحات الشعب التركي المتنوع والمتعدد، والمتجاوز للانتماءات القومية والعرقية الضيقة.
  • رابعا: نجح حزب العدالة والتنمية في احتواء وتحييد عامل أساسي في المعركة الانتخابية، وهو العامل الخارجي، أو التأثير الخارجي في الانتخابات. ففي وقت تحول فيه هذا العامل إلى عامل مؤثر وفاعل في مختلف الاستحقاقات الانتخابية التي تجرى في دول العالم. إذ لا تكاد توجد انتخابات في الدول الكبرى لم نسمع فيها عن تأثير التدخل الخارجي في تشكيل جزء كبير من وعي وتوجهات الناخب. فاتهمت روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية، واتهمت دول بالتأثير في استفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، واتهمت جهات عديدة بالتأثير في الانتخابات الفرنسية، وتعددت في ذلك أشكال التدخل وسبل تأثيره.

    لم يكتف العدالة والتنمية بالاعتزاز بنجاحات 20 عاما، فقد كشف أنه ممتلئ بمشروع مستقبلي لنهضة تركية شاملة تحت اسم  "قرن تركيا"

  • خامسا: خاض العدالة والتنمية معركته الانتخابية وهو ممتلئ بحزمة من الإنجازات والمكاسب، التي حققها خلال عقدين من وجوده في الحكم. إنجازات أحدث بها تحولات شاملة وعميقة وكبرى في تركيا. تحولات لمسها شاخصة للعيان كل الذين عرفوا تركيا قبل 2003، وعايشوا حقبة العقدين الماضيين: تحول في البنية التحتية للبلاد، مطارات وطرق سريعة، عمران، في الصناعات المدنية والعسكرية، التي عززت ووسعت الأهمية الإستراتيجية لتركيا ودورها الإقليمي والدولي.
    بيد أن العدالة والتنمية فضلا عن الاعتزاز بالمكاسب التي تحققت للبلاد خلال 20 عاما، كشف أنه ممتلئ بمشروع مستقبلي يريد أن يحقق به نهضة تركية شاملة. مشروع كشف عنه قبل عام تحت اسم "قرن تركيا" حدد من خلاله رؤيته الإستراتيجية للنهوض الشامل.
  • سادسا: قد يقلل كثيرون من دور البعد القيمي في معركة الانتخابات، وحاول كثيرون فعلا التعاطي مع الانتخابات في تركيا، كمعركة سياسية بحتة، أساسها البرامج الاقتصادية والاجتماعية، بيد أن الراصد لمزاج الناخب التركي أو قطاعات كبيرة منه، يدرك مدى حضور البعد الاجتماعي القيمي في تشكيل مزاج واتجاه الناخب التركي.
    إذ يهتم الأتراك كمجتمع مسلم بمنظومة القيم الدينية والثقافية التي يرون فيها شخصيتهم وهويتهم. بل لن نبالغ إذا اعتبرنا أن هذا الحرص وهذا الاعتزاز بالهوية الثقافية والقيمية الإسلامية، حفزه وزاد في تعزيزه ما يستشعرونه وما يعتقدون أنه من وجود تهديد خارجي وتآمر خفي على تركيا، ليس فقط على المستوى السياسي وإنما على مستوى انتماء تركيا وهويتها. كما أن الاعتزاز بالوطنية في وجه التحسس الغربي لا سيما أوروبا (المرتابة دوما من تركيا والرافضة لعضويتها في الاتحاد الأوروبي) جعل الأتراك يشكلون وعيا متمايزا بالعودة لمعقل هويتهم الصلب، المتمثل في هويتهم الثقافية الإسلامية. وتصدر العدالة والتنمية الدفاع عن هوية البلاد وقيمها، والتعهد بحماية الأسرة وتماسك المجتمع، كان له دور معتبر في الحفاظ على شعبية الحزب، وفي كسب تعاطف الفئات المحافظة.
  • سابعا: نستطيع القول إن عاملا من عوامل نجاح حزب العدالة والتنمية التركي هو أنه حسم التحول الإستراتيجي في العلاقة بـ "الإسلام السياسي" ليؤسس لتجربة سياسية وطنية، متحررة تماما من المقولات التقليدية للإسلام السياسي، ومتجاوزا لها. تجربة ترسخت مع الانفتاح الدائم للتعاطي مع إكراهات الواقع واستحقاقاته، دون الاشتباك معه أو مواجهته وإنما هضمه واحتوائه.
    ولا شك أن حالة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان تمثل اليوم حالة فريدة في تفكيك حالة الاشتباك والالتباس بين العناصر المكونة للهوية الوطنية التركية، لتجعل منها مكونات متصالحة، تتفاعل في إطار ديناميكية عملية، متشبعة ببراغماتية منضبطة، ترشدها بخطاب منضبط، وسياسات مناسبة لجميع المكونات الاجتماعية والثقافية للشعب التركي.
    ولقد نجحت هذه السياسات المركبة الجامعة بين المحافظة والانفتاح، بين الوطنية والحضارية، بين المبدئية والبراغماتية، في ترويض الدولة بمكوناتها الصلبة، وقواها المجتمعية، والاندراج في تركيا الجديدة، المستقبلة لقرن جديد، بروح واثقة، وعزم على التقدم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.