أدوار منصة "تبي" الرقمية التركية الجديدة

Koyu Beyaz
الملصق الدعائي للمسلسل التركي "أبيض داكن" للمخرج التركي بولنت إشبلين إنتاج عام 2023 (الجزيرة)

يصل الطالبان ألبير التركي وفرحان البريطاني من أصول باكستانية إلى إحدى المدن الأوروبية للالتحاق بالجامعة ويُمنِّيان أنفسهما بحياة لهو صاخبة. يبدآن في التعرف إلى الزملاء الجدد، وفجأة يقترب منهما أحد المسؤولين في الجامعة ليخبرهما بقرار الإدارة افتتاح مسجد جديد من أجلهما، لأنهما أول طالبين مسلمين يلتحقان بالجامعة.

ينظر الطالبان لبعضهما بعضا في ذهول، ويحاولان إفهام المسؤول أنهما غير معنيين بالأمر، لأنهما في الحقيقة أبعد ما يكونان عن التدين، لكنه يستطرد قائلا إن هذا جزء من سياسة الجامعة التي تشجع على التعددية الثقافية والترحيب بالطلاب من كافة الخلفيات. يجد ألبير وفرحان أنفسهما في ورطة بعد أن أعطاهما المسؤول مفاتيح المسجد الجديد، ليكونا مسؤولين عنه في المسلسل التركي "أبيض داكن" (Koyu Beyaz) للمخرج التركي بولنت إشبلين، إنتاج عام 2023.

المسلسل يعرض الآن على منصة "تبي" (Tabii) الرقمية التركية الجديدة وتعني "بالطبع" أو "طبعا"، والتي بدأت بثها مايو/أيار 2023. وهو باكورة الإنتاج الأصلي الذي تدخل به هذه المنصة التركية سوق منافسة المنصات التلفزيونية الشهيرة في العالم مثل "نتفليكس" (Netflix) و"آبل تي في بلس" (+Apple TV) وغيرهما.

يبدو أن الإعلان عن المنصة وانطلاقتها قد أتى لأغراض انتخابية قبيل الانتخابات مباشرة، لأن الدخول إليها ومشاهدتها لا يزال محصورا داخل تركيا فقط وباللغة التركية، بسبب عدم اكتمال التجهيزات الفنية والتقنية

الجديد في هذا المسلسل أنه يقدم حياة الطلاب المسلمين في أوروبا القادمين من خلفيات مختلفة وتفاعلهم مع بعضهم بعضا ومع المجتمع الغربي الذي يعيشون فيه، في قالب كوميدي مضحك. وهو يستهدف فئة الشباب بشكل خاص، وخاصة أولئك الذين لا يعني لهم التدين مسألة كبيرة، ليبين نظرة المجتمع الغربي لغير المتدينين من المسلمين. ولهذا جسد دور الطالب التركي النجم الشاب أتكان هوشغورين، في حين شاركه البطولة النجم الباكستاني الشاب أتابيك محسن.

ينقسم الحوار بين اللغتين التركية والإنجليزية، وهناك ترجمة تركية مكتوبة للحوار الإنجليزي، أي أن المسلسل ليس مسلسلا تركيا تقليديا تدور أحداثه في تركيا، ويمثل فيه ممثلون أتراك بشكل حصري، وإنما يمكن وصفه بالمسلسل المتعدد الهويات أو الجنسيات. ومن المنتظر أن تنشر ترجمة كاملة للمسلسل لعدة لغات، لأن منصة "تبي" تتيح موادها بـ5 لغات: التركية، والعربية، والإنجليزية، والأوردو، والإسبانية.

يبدو أن الإعلان عن المنصة وانطلاقتها قد أتى لأغراض انتخابية قبيل الانتخابات مباشرة، لأن الدخول إليها ومشاهدتها لا يزال محصورا داخل تركيا فقط وباللغة التركية، بسبب عدم اكتمال التجهيزات الفنية والتقنية المختلفة. فمن يدخل إليها من دولة أخرى، يمكنه فقط التسجيل عبر بريده الإلكتروني من دون التمكن من مشاهدة الأعمال. ولكن يمكن مشاهدة كثير من الترويجات والإعلانات باللغة العربية على القناة الخاصة بالمنصة على موقع "يوتيوب" (YouTube) التي اشترك فيها خلال أسابيع قليلة أكثر من مليوني متابع. وقد أتاحت القناة صفحة على اليوتيوب باسم "تبي ووتش" (tabii watch) تتيح عددا من مسلسلاتها مترجمة لعدة لغات بشكل مجاني، وعددا آخر مقابل اشتراك شهري على اليوتيوب.

الجمهور المستهدف والإنتاج الأصلي

ليس صعبا التكهن بالأدوار التي ستقوم بها المنصة التركية الجديدة، فاللغات التي تنطلق بها تستهدف دوائر ثقافية وجغرافية واسعة تمتد من الولايات المتحدة غربا وحتى الهند شرقا. فمن المعروف أن اللغة الإسبانية هي اللغة الثانية في الولايات المتحدة بعد اللغة الإنجليزية، وهي أيضا لغة أميركا اللاتينية، فضلا عن إسبانيا. كما أن هناك عشرات الملايين في العام يتحدثون لغة الأوردو موزعين بين الهند وباكستان ونيبال، فضلا عن الأقليات المهاجرة في الغرب، خاصة بريطانيا. هذا بالإضافة للغة العربية وجمهورها المعروف.

ليس هناك كم كبير من الإنتاج على المنصة يمكن الحكم من خلاله على مستوى ونوعية الإنتاج ومدى نجاعته في حصد المشاهدين وتحقيق منافسة مع نتفليكس وغيرها من المنصات. ولكن هناك بعض المؤشرات، منها مسلسل "أبيض داكن" المذكور، ومنها أيضا مسلسل "جلال الدين الرومي" الذي يقوم ببطولته النجم التركي بولنت إينال، الذي قام بدور السلطان عبد الحميد في المسلسل التاريخي الشهير.

ومن خلال هذين النموذجين، يمكن استشراف أن المنصة تنظر كثيرا إلى خارج حدود تركيا، وهي نظرة ربما تختلف عن نظرة الإنتاج الدرامي خلال السنوات الماضية، الذي تمحور حول الدراما التاريخية الصرفة، التي تجسد الداخل والتاريخ التركي والقديم والحديث. فقد جسدت هذه الدراما مرحلة الصراع مع الآخر، والغرب تحديدا، سواء في مسلسل "أرطغرل" أو في مسلسل "السلطان عبد الحميد".

أما النمط الجديد من هذا الإنتاج المذكور، فيركز على مرحلة الجسور والحوار مع الآخر والتفاعل الاجتماعي والعيش المشترك، مثل دور المسلمين في أوروبا في مسلسل "أبيض داكن" الذي حرص على تأكيد مسألة التعددية الثقافية في أوروبا، وخلا من التركيز على مشاكل أخرى مثل الإسلاموفوبيا. ومثل مسلسل "جلال الدين الرومي" عن الشخصية التي تحظى بإعجاب منقطع النظير لدى الشرق والغرب على السواء، فضلا عما تمثله من مركزية في التدين التركي المعاصر. وربما هذا هو المقصود من شعار "قصص تجمعنا" الذي أطلقته المنصة مع الإعلان عن انطلاقها.

وبالحديث مع بعض المنتجين الأتراك، أخبروني أنهم يستهدفون في المرحلة المقبلة الإنتاج المشترك مع دول أخرى، وأن يطل ممثلون عرب وباكستانيون وغيرهم على مشاهدي المنصة الجديدة.

هناك عدة أمور لا تزال غامضة لم تكشف عنها المنصة حتى الآن ولم تتسرب أي أنباء عنها، وهي أمور حاسمة في توجيه دفة الأعمال المعروضة ومستواها الفني، منها مثلا النمط الإنتاجي، فهل ستعتمد المنصة على الاشتراكات في الإنتاج، مثل معظم المنصات المنافسة، أم لا؟

لأن نمط الاشتراكات المسبقة يتيح للمنصة أريحية الإنتاج ذي التكلفة والجودة العالية، لكن طبيعة شبكة "تي آر تي" (TRT) الحكومية -التي تنضوي المنصة تحتها- هي خدمة مجانية بالأساس. وقد لاحظت وجود إعلانات في مسلسل "أبيض داكن"، فهل نموذج الاعتماد على الإعلانات مؤقت أم دائم؟ كما أنه من غير الواضح إلى الآن هل سيكون التركيز على شركات الإنتاج التركية -كما هي الحال في معظم الإنتاج التركي الدرامي الحالي- أم سيفتح الباب أمام شركات من دول وجنسيات مختلفة؟

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.