هل سيسيطر اليمين المتطرف على الحاخامية الرسمية لإسرائيل؟

الحاخام "مائير كاهانا" الذي أسس حركة "كاخ" وزرع بذور اليمين اليهودي المتطرف قبل عقود خَلَت وطوال مسيرته (غيتي)

رغم أن تأسيس إسرائيل عام 1948 كان على يد مجموعة تعتبر علمانية وغير متدينة عموما، فإن ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، حرص في ذلك الحين على الاعتراف بالحاخامية اليهودية الكبرى التي كانت موجودة منذ العهد العثماني، باعتبارها مرجعاً دينياً لليهود الغربيين (الأشكناز) والشرقيين (السفارديم).

اعتبر بن غوريون أن وجود حاخامية رسمية للدولة مسألة مهمة لإثبات الهوية الدينية للدولة، رغم أنه كان معروفا بكونه علمانيا غير متدين، وبذلك اعترف بالوضع القائم للحاخامية الكبرى، وثبت الشكل الرسمي للحاخامية الكبرى لتتكون من حاخامين اثنين: أحدهما يمثل التيار الأشكنازي الغربي، والثاني يمثل التيار السفاردي الشرقي، بحيث يتم انتخاب الحاخام الأكبر مرة واحدة كل 10 سنوات، كان آخرها عام 2013، حين انتخب الحاخام ديفيد لاو عن القسم الأشكنازي، والحاخام يتسحاق يوسيف عن القسم السفاردي.

ورغم كون الغالبية من الشعب الإسرائيلي عموما لا تعرِّف نفسها باعتبارها متدينة، فإن تأثير الحاخامية الرسمية الكبرى واضح في الحياة الاجتماعية واليومية في الدولة، حيث إن الحاخامية الكبرى تقرر الأحكام الدينية المتعلقة بشهادات الطعام وأيام العمل والإجازات الدينية التي تلتزم بها الحكومة الإسرائيلية، وقبول المتحولين إلى الديانة اليهودية وغيرها من الأحكام.

اليمين الإسرائيلي المتطرف لم يعد مجرد أفراد حالمين، بل أصبح مؤسسة تطمح لتنفيذ مشروع كبير ذي طابع ديني ولديه رؤية محددة يريد تطبيقها بغض النظر عن المعيقات

ولعل أهم ما يميز دور الحاخامية الكبرى لدولة الاحتلال فيما يتعلق بمدينة القدس والأماكن المقدسة فيها هو تمسكها بالحكم التقليدي لدى المرجعيات الدينية الشرقية والغربية عبر التاريخ بالإفتاء بتحريم دخول اليهود إلى داخل أسوار المسجد الأقصى المبارك، وذلك نظرا للاعتبار الديني المختص بغياب الطهارة حسب الرؤية الدينية للمرجعيات الحاخامية في العالم.

منذ الاحتلال الإسرائيلي لشرقي القدس عام 1967 حكمت الحاخامية الكبرى للدولة بحرمة دخول اليهود إلى المسجد الأقصى المبارك، مما كان له دور كبير في إعادة مفاتيح المسجد الأقصى للأوقاف الإسلامية باستثناء باب المغاربة، (هذا إضافة للتخوف من ردة الفعل العالمية والإسلامية لأي تغيير في المسجد الأقصى بالطبع). وفي ذلك الوقت نشأ خلاف على موضوع دخول المسجد الأقصى المبارك بين التيار الديني التقليدي الذي مثلته الحاخامية الرسمية الكبرى للدولة، وتيار الصهيونية الدينية الذي يمثل أقصى اليمين المتطرف، والذي كان يتشكل في ذلك الوقت من عدد محدود من المتطرفين على رأسهم غرشون سلمون والحاخام مائير كاهانا وغيرهما.

وقفت يومها الحكومة الإسرائيلية العلمانية على الحياد في هذا الخلاف، وذلك بالدرجة الأولى لاعتبارات سياسية وخوفاً من أن تحسب على أحد المعسكرين، وإن كانت أقرب إلى المؤسسة الحاخامية الرسمية. ولذلك عمل وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت موشيه دايان، وهو علماني غير متدين، على أن يسيطر على مفاتيح باب المغاربة ويفتحه لمن شاء من اليهود دخول المسجد الأقصى بحجة الزيارة السياحية لا الصلاة، وفي الوقت نفسه تثبيت لوحات بأمر من الحاخامية الرسمية الكبرى خارج باب المغاربة وباب السلسلة تقول بوضوح باللغتين: العبرية والإنجليزية، إن دخول هذه المنطقة محرم بحكم من الحاخامية الكبرى للدولة.

بناء على هذا الواقع تشكلت مجموعات اليمين المتطرف، أو تيار الصهيونية الدينية الذي مثله سابقاً غرشون سلمون وكاهانا، وأعلنت خروجها على فتاوى الحاخامية الكبرى فيما يتعلق بموضوع الدخول إلى المسجد الأقصى المبارك.

هذا التيار أصبح مع السنوات اللاحقة ينحصر أكثر فأكثر في مستوطني الضفة الغربية، ليصل هذا التيار إلى ذروة انفصاله عن الحاخامية الرسمية التقليدية في تسعينيات القرن الماضي، عندما اجتمع عدد من حاخامات مستوطنات الضفة الغربية وشكلوا مجلساً دينياً أعلى أطلقوا عليه اسم "مجلس السنهدرين الجديد" أي "مجلس الحاخامية الكبرى الجديد"، ليعتبر نفسه المرجعية الدينية لتيار الصهيونية الدينية، ويبدأ بالتعامل مع موضوع الأماكن المقدسة بفتاوى مختلفة تماماً عن رؤية الحاخامية الرسمية التقليدية للدولة.

بل وصل الأمر بأفرادهم العام الماضي إلى الإقدام على إزالة لوحة فتوى المنع من دخول الأقصى من منطقة باب المغاربة، وبقيت المنطقة فارغة من اللوحة حتى أصدرت الحاخامية الكبرى أمرها بإعادة تثبيت لوحة جديدة في المكان. وفي ذلك الوقت لوحظ أن أجهزة الشرطة الإسرائيلية، التي أصبح عدد لا بأس به من أفرادها وقياداتها من أتباع تيار الصهيونية الدينية، أعادت تثبيت اللوحة، ولكنها وضعتها بعد نقطة التفتيش الأخيرة قبل دخول الباب، بمعنى أن وجودها لم يعد رادعا لمن يريد من المستوطنين دخول المسجد الأقصى.

هذا الصراع الخفي بين المرجعيتين الدينيتين، مرجعية الحاخامية الرسمية التقليدية ومرجعية المستوطنين وتيار الصهيونية الدينية، قد انتقل أخيرا إلى مستوى جديد. حيث يشهد أواخر عام 2023 انتخابات الحاخام الأكبر للأشكناز والسفارديم في الحاخامية الكبرى للدولة، الذي سينتخب في نهاية السنة العبرية التي تحل قبيل منتصف سبتمبر/أيلول القادم.

ولأول مرة قد نشهد صعود شخصيات تميل في بعض أفكارها إلى تبني نسق متساهل مع بعض أفكار تيار الصهيونية الدينية إلى سباق الحاخامية الكبرى، وقد يكون هذا مدخلا لتحول رأي الحاخامية الكبرى في الفترة القادمة لو نجحت إحدى هذه الشخصيات. فعلى هذا الصعيد يبرز اسم الحاخام يهودا حايك مرشحا مطروحا على الساحة لمنصب الحاخام الأكبر، وهو من سكان مستوطنة كتسرين في هضبة الجولان المحتلة.

هذا الحاخام حصل مؤخراً على دعم إعلامي لترشحه لهذا المنصب من قبل الصحفي المتطرف أرنون سيجال عضو مجلس إدارة اتحاد منظمات المعبد، رغم عدم خروجه المبدئي عن رأي الحاخامية الكبرى الحالي بتحريم دخول اليهود إلى منطقة المسجد الأقصى المبارك. ويرجع هذا الدعم من سيجال إلى دعوة الحاخام حايك لمناقشة السماح بذبح القرابين الحيوانية داخل المسجد الأقصى وكيفية ذلك، وهو الأمر الذي تعتبره جماعات المعبد المتطرفة ذروة الطقوس التي تحاول تنفيذها سنوياً داخل المسجد الأقصى وفشلت فيه حتى اللحظة.

كما أن الحاخام حايك في كتاب نشره مؤخراً يقف فيه موقفاً محايداً من فتوى منع اليهود من دخول الأقصى، حيث يعلن أنه لا يستطيع القول بالمنع تماماً ولا بالسماح تماماً، بل يعلق المنع على سبب مهم يطرحه في كتاباته الدينية، وهو التخوف من رد فعل المسلمين (يسميهم الإسماعيليين) في المسجد الأقصى، والخوف من حدوث اضطرابات داخل هذا المكان المقدس قد تؤدي إلى "اضطرار" شرطة الاحتلال إلى الدخول إلى المنطقة الأكثر قداسة في نظره وهي ساحة الصخرة المشرفة، الأمر الذي تحرمه نصوص الشريعة اليهودية حسب ما يقوله الحاخام حايك.

ما تنبني عليه آراء الحاخام حايك ودعم جماعات المعبد المتطرفة له، وهي التي تشكل رأس الحربة في تيار الصهيونية الدينية في القدس، هو أمر ينذر بوجود تحولات قد تصيب رأس الحاخامية الدينية الكبرى لإسرائيل. فبعد أن تمكن تيار الصهيونية الدينية المتطرف من السيطرة على أهم مفاصل الحكومة الإسرائيلية، فإنه بهذا الترشيح والدعم بدأ يتطلع للسيطرة على المؤسسة الدينية للدولة، وتولي حاخام منفتح على مناقشة الفتاوى الراسخة للحاخامات على مدار قرون طويلة فيما يتعلق بموضوع المسجد الأقصى يشي بإمكانية فتح المجال أمام الحاخامية الكبرى لدولة الاحتلال لتغيير فتواها بتحريم دخول اليهود إلى المسجد الأقصى مستقبلاً، ولاحقاً ربما تبني فتاوى حاخامات المستوطنات.

هذا الأمر إن حدث يعني بالضرورة أن القوة المعنوية لهذه الجماعات الدينية المتطرفة ستتضاعف على الأرض، فرغم كل محاولات تيار الصهيونية الدينية حاليا، فإن الفتوى الرسمية للحاخامية التقليدية الكبرى للدولة ما زالت تعتبر عائقا أساسيا أمامه تمنعه من زيادة قوته وحشد المزيد من الأنصار والمتعاطفين مع رؤيته فيما يتعلق بالأماكن المقدسة. لكن انحياز مؤسسة رسمية بحجم الحاخامية الكبرى لهذا التيار يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في نظرة حوالي نصف المجتمع الإسرائيلي لطبيعة الصراع في القدس وأبعاده الدينية.

إن رصد طريقة عمل هذا التيار اليميني المتشدد في السنوات الأخيرة تشير إلى أنه نضج إلى حد كبير في أدواته وآليات تطبيقه لرؤيته وسعيه نحو إحكام السيطرة على أدوات ومؤسسات صناعة القرار كافة في إسرائيل.

فبعد أن سيطر هذا التيار على وزارات مركزية في الحكومة الإسرائيلية، أسس مؤخرا تجمعا (لوبي ضغط) داخل الكنيست الإسرائيلي باسم "لوبي الحرية اليهودية على جبل المعبد" لتحويل رؤيته إلى قوانين، وها هو الآن يمد عينه للمؤسسة الأكثر رسوخاً في التيارات الدينية في إسرائيل على اختلاف توجهاتها، وهي الحاخامية الكبرى، التي ما زالت إلى اليوم تعد امتدادا للآراء التقليدية للمرجعيات الدينية اليهودية عبر العصور.

ينبغي ألا نستغرب سعي هذه الجماعات للسيطرة على هذه المؤسسة الكبرى وتغيير آرائها وتوجهاتها، فقد سبق للمؤسسة الحاخامية التقليدية فعليا تغيير رؤيتها فيما يتعلق بإنشاء إسرائيل ابتداء منذ بداية القرن الماضي بعد أن كانت تحرم إنشاء دولة لليهود على مدار مئات السنين، ولا شيء في الحقيقة يمكن أن يمنع تغيير رؤيتها مرة أخرى فيما يتعلق بقضية بحجم وخطورة السيطرة على المسجد الأقصى حسب رؤية اليمين المتطرف في إسرائيل، فالجامع لكل هذه الحقائق هو أن اليمين الإسرائيلي المتطرف لم يعد مجرد أفراد حالمين، بل أصبح مؤسسة تطمح لتنفيذ مشروع كبير ذي طابع ديني ولديه رؤية محددة يريد تطبيقها بغض النظر عن المعيقات، وهذا يذكرنا برواد الحركة الصهيونية الذين كانت إسرائيل لديهم مجرد فكرة، والسعيد من تعلم من التاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.