مهارات "النقد الإعلامي" ضرورة لغير المتخصصين

فنون النقد الإعلامي أصبحت ضرورة لكل فرد في هذا العصر (غيتي)

أسندت لي جامعة الشارقة تدريس مقرر النقد الإعلامي خلال العامين الدراسيين 2007 و2009، وكانت تجربة جديدة ومثيرة، تفاعل معها الطلاب الذين أبدعوا في تقديم أوراق بحثية عن الوسائل الإعلامية، وأساليب تغطيتها للأحداث.

بعد أن عدت للقاهرة قررت تأليف كتاب عن النقد الإعلامي، لكن شغلتني الكثير من الأحداث عن تحقيق هذا الهدف، وأدركت بعد فترة أن حاجة كل مواطن لتطوير قدراته في النقد الإعلامي أكبر من حاجة طلاب الإعلام؛ فكل إنسان أصبح يواجه تحديا خطيرا، وعليه أن يختار بين أن يغرق في طوفان التسلية والمعلومات، فتضيع حياته، ويفقد مكانته الاجتماعية، أو يستخدم وسائل الإعلام ليحصل على المعرفة التي تمكنه من أن يصبح قائدا ومفكرا وفاعلا في بناء مستقبل أمته.

لذلك شعرت بأن الأمر أكبر من أن أقدم كتابا لا يقرؤه سوى مئات من المتخصصين، وتمنيت أن أجد وسيلة إعلامية تفتح لي المجال لتطوير قدرات الناس على نقد وسائل الإعلام، والمضمون الذي تقدمه.

ولأن هدفي الأساسي كان بناء القوة الاتصالية والإعلامية للأمة الإسلامية، واستثمار الثروة البشرية في إنتاج الأفكار وبناء مجتمع المعرفة؛ تطلعت لتطوير الثقافة الإعلامية لإعداد الناس لمرحلة جديدة من التاريخ يستطيعون فيها أن يسهموا في زيادة قوة أمتهم، عندما يمتلكون الوعي بحريتهم في اختيار الوسيلة الإعلامية، ويتمكنون من تقييم المضمون الذي تقدمه، ويقومون بدورهم كقادة رأي ينقلون المعرفة للآخرين، ويشكلون الرأي العام، ويشاركون في مناقشة حرة لقضايا العالم، ومشكلات المجتمع.

كل إنسان أصبح الآن محتاجا إلى الوعي بالبيئة الاتصالية والإعلامية، لكي يتمكن من الحياة، والحصول على الفرص التي يمكن أن توفرها له وتجعله يتمتع بحقه في المعلومات والمعرفة، الذي هو أساس كل حقوقه الإنسانية، وعندما يتمتع بهذا الحق يمكن أن يفرض إرادته، ويشارك في تقدم مجتمعه.

المعرفة ثروة عظيمة، ولكي تحصل عليها يجب أن تتعلم كيف تستخدم وسائل الإعلام، وتحدد أهدافك من التعرض لأية وسيلة إعلامية، وتتأكد من أن هذه الوسيلة تقدم لك الحقائق، وتطور قدراتك في نقد الرسائل، وفهم دلالاتها.

النقد ومعركة المستقبل

لأول مرة في التاريخ يتمتع الإنسان بحرية الوصول إلى كثير من وسائل الإعلام التقليدية والجديدة وحرية اختيار الوسيلة التي تشبع احتياجاته للمضمون. هذه مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، تتواكب مع تغيير كبير يتعرض له العالم؛ فالصراع مشتعل، والأحداث معقدة ومتشابكة، لكنها تشير إلى أن كثيرا من النظم المتسيدة في طريقها للتراجع، وأن المجال مفتوح أمام دول وحضارات لتصعد وتبني نهضة جديدة.

ومن لا يفهم دلالات الأحداث أو لا يحصل على المعلومات في وقتها المناسب ومن مصادرها الدقيقة، يمكن أن يفقد كثيرا من الفرص في ذلك المجال العام الافتراضي الذي فتحته ثورة الاتصال.

لكي تبني مستقبلك يجب أن تفكر جيدا في نوعية المعرفة التي تحصل عليها من وسائل الإعلام وجودتها، وفي صحة المعلومات ودقتها. معلومة واحدة صحيحة تحصل عليها في الوقت المناسب يمكن أن تفتح أمامك مجالا لتحقيق النجاح، ومعلومة واحدة زائفة يمكن أن تدفعك لاتخاذ قرار خاطئ تندم عليه طوال حياتك.

العالم يغرق الآن في طوفان المعلومات، وعليك أن تتعلم فن نقد تغطية وسائل الإعلام للأحداث، لتكتشف المخاطر التي يتعرض لها العالم، وتواجه التحديات بحلول تحول الأزمة إلى فرصة.

أدركت بعد فترة من تدريس مقرر "النقد الإعلامي" لطلاب كلية الإعلام أن حاجة كل مواطن لتطوير قدراته في هذا المجال أكبر من حاجة هؤلاء الطلاب

القيادة والنقد الإعلامي

وبذلك، فالنقد الإعلامي ضرورة لكل قائد رأي في المجتمع؛ فالقيادة القائمة على المعرفة هي التي تقوم بنشر المعلومات الصحيحة فتزيد ثقة الجماهير، وكل كلمة تقولها يستخدمها الناس في الحكم على مصداقيتك، وفي هذا العصر يمكن أن يظل كل ما تقوله مسجلا ومحفوظا عبر الإنترنت، ولا عذر لك في ترويج معلومات زائفة تحصل عليها من وسائل الإعلام أو الإنترنت.

الناس ستحاسبك أنت على نقل المعلومات الزائفة، وستفقد الثقة فيك أنت، وهذه الثقة من أهم الأسس التي يبني عليها القائد قوته ومكانته بين جمهوره؛ لذلك أصبح تطوير القدرات النقدية من أهم مؤهلات القيادة، حيث تزيد قدراتك على تشكيل رسائلك، وتحديد المعلومات التي يمكن لأن تتضمنها.

النقد وسط طوفان التسلية

والنقد الإعلامي لا يقتصر على تمييز الصحيح من الكاذب، بل يمتد لتمييز المفيد من الضار، والموجه من العفوي. وعليك قبل أن توجه الآخرين أن تتعلم الاستفادة من مخرجات ذلك النقد لتمنع نفسك من الانجراف مع طوفان محتوى التسلية ومخاطبة الغرائز الذي يغرق العالم عبر وسائل الإعلام.

الغرق وسط الطوفان أحد أبرز المخاطر الإعلامية المعاصرة. بعيدا عن أخطار الكذب أو الدعاية والتحديات الأخلاقية والقيمية، يمكن للإنسان أن يغرق إلى ما لا نهاية في محتوى لن يفيده؛ فتضيع فرصه في التعرض لما يفيد، سيل هذا النوع من المحتوى لا يزال يتدفق، والخوارزميات تعطيه مزيدا من الزخم والخطر، والوسيلة الوحيدة لمقاومته هي نقد ذلك المضمون، وتشجيع الآخرين على فعل مثل ذلك.

هذا لا يعني التقليل من أهمية الدراما والترفيه، فهناك الكثير من الأعمال الدرامية والترفيهية التي يمكن أن تعرض تجارب مهمة تزيد قدرتك على تحقيق أهداف عظيمة، كما أن (بعض) الترويح يفيد ولا يضر، ولكن الكثير منه يخدر ويزيف الوعي.

الحلول السلبية لا تفيد

هناك من يقدم حلا سهلا هو مقاطعة وسائل الإعلام، لكنه حل لم يعد ممكنا في هذا العصر، وهو يفقدك القدرة على الحياة، وبناء مكانتك الاجتماعية، فاحذر ذلك الحل السلبي، واعمل لتصبح مستخدما إيجابيا لوسائل الإعلام؛ تنقد مضمونها، وتطور قدراتك على تقييمه، وتصدر أحكاما صحيحة على صلاحيته، قبل أن تنقل منه ما يهم جمهورك ومحيطك، فتشارك في تبادل المعلومات والمعرفة، وتصبح قائدا للرأي.

ومع أهمية التعليم الذاتي في بناء القدرات النقدية، يجب على الدول أن تخطط لتعليم أبنائها ملكات النقد الإعلامي في الجامعات والمدارس لتمكينهم من الحياة في عصر ثورة الاتصال؛ فالقوة الإعلامية للدول تقاس في هذا الزمان بمقدار ما يملكه مواطنوها من وعي وقدرة على النقد.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.