صربيا وكوسوفا اليوم.. لا سلم ولا حرب

جانب من القوة البولندية المشاركة في حفظ السلام في كوسوفو أثناء انتشارها في بريشتينا لمواجهة التوترات الأخيرة (الأوروبية)

أحدث التوتر الحدودي مؤخرا في مناطق تقطنها أغلبية صربية داخل كوسوفو مخاوف من اشتعال حرب جديدة في البلقان؛ المنطقة التي تتداخل فيها تعقيدات التاريخ والجغرافيا والعرقيات المختلفة مع إرث دموي ثقيل، وزاد تلك المخاوف أن هذا التوتر هو الثاني خلال أقل من 6 أشهر.

ولكن وفق معطيات عديدة، لا توفّر الحالة الديموغرافية الراهنة في المنطقة، ولا المشكلات الاقتصادية أو الظروف الدولية بيئة مواتية اليوم لنشوب حرب في وسط أوروبا، إذ لا أحد يتحمّل تداعيات صراع في المنطقة، وقد أكد بيان لحلف الناتو أن قوات حفظ السلام الدولية التابعة له في كوسوفو (كفور)، وتعدادها 3775 جنديا من 28 دولة، مستعدّة للتدخل في حال تعرّض الاستقرار هناك للخطر.

تصعيد التوتر وتحوله إلى صراع مباشر ومواجهة عسكرية، هو في ضوء المعطيات السابقة مستبعد "حاليا" بسبب المخاطر الكبيرة المتوقعة على جميع الأطراف الفاعلة والمتداخلة في علاقات مع دول المنطقة، وأبرزها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

وهناك العديد من العوامل التي لا تسهم في تبرير التصعيد المتوقع، أو الصراع المباشر، إذ لن تستفيد كوسوفو أو صربيا من بدء صراع مباشر؛ فالأولى تفتقر إلى قوة وطنية كبيرة لمواجهة الثانية في أي حرب، كما أنها لا تملك رفاهية بدء معركة لأنها ستقوض ثقة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فيها كدولة مستقلة، وستؤدي أيضا إلى نزع الشرعية عن الجهود الدبلوماسية الحالية من أجل حل سلمي للنزاع، وبالمثل ليس من مصلحة صربيا أن تشعل النزاع لأنها ستوقف محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والأهم من ذلك أنها ستتوقف عن جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفرص الأعمال.

وإجمالا، يمكن تلخيص العوامل التي قد تمنع استمرار التصعيد في:

الوضع السياسي

أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا عام 2008، ورغم أن 117 دولة تعترف بها، فإن صربيا لم تعترف بها بعد، كما لا يعترف صرب كوسوفو بسلطة بريشتينا ولا باستقلال كوسوفو، وحافظوا على ولائهم لبلغراد التي يعتمدون عليها ماليا، وهذا هو السبب الرئيسي للمشكلات والأزمات القائمة بينهما، والتوترات المستمرة.

وسعى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2011 إلى إدماج صرب كوسوفو في آليات الدولة ضمن إطار "عملية الحوار بين كوسوفو وصربيا"، ونتيجة لتلك الجهود بدأ البلدان محادثاتٍ رفيعة المستوى عام 2011، وتم التوقيع على اتفاقيات لحل بعض الخلافات، خاصة المتعلقة بالقضايا التقنية.

وتدرك بلغراد أن كل تطبيق تقني تنفّذه كوسوفو قد يؤدّي إلى فقدانها نفوذها على الصرب الذين يعيشون في كوسوفو، ويقرّبها أكثر من الاعتراف بكوسوفو، وسيزيد الضغط الدولي عليها من أجل الاعتراف بها.

الخسائر الاقتصادية

اقتصاد كوسوفو وقدرتها العسكرية على شن حرب ضد صربيا ضعيفان، ومنحت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كوسوفو الثقة لبناء دولة في أوائل عام 2000، وإذا بدأت كوسوفو أي نزاع مسلح أو أثارت اضطرابات مدنية، فهذا يعني أنها لا تحترم مؤيديها الرئيسيين، ولا يستبعد أن تجمد الولايات المتحدة كل الجهود لمساعدة بريشتينا، في الحصول على اعتراف من الدول التي لم تعترف بكوسوفو، وفي عملية الاندماج في المنظمات الدولية.

خلقت صربيا ظروفًا مواتية للنمو الاقتصادي في العقد الماضي، وتم إدراج عضوية الاتحاد الأوروبي على جدول أعمالها منذ عام 2009، وفي عام 2012 حصلت على وضع مرشح الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2020، تلقت 2.9 مليار دولار مساعدات إنمائية لمحادثات الانضمام مع الاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه اجتذب النظام الاقتصادي لصربيا المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وفي عام 2017 حققت زيادة بنسبة 22.9% (ما يصل إلى 2.89 مليار دولار) عن عام 2016.

وفي 2019، زاد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 4.27 مليارات دولار، تلاه انخفاض طفيف في 2020 إلى 3.49 مليارات دولار، وهي بهذا تتصدر النمو الاقتصادي في دول غرب البلقان. وفي ضوء هذه الفرص الاقتصادية، من غير المرجح أن تبدأ صربيا أي عدوان على كوسوفو، إذ ستفقد المبادرة الاقتصادية التي تمكنت من تحقيقها.

تصعيد التوتر وتحوله إلى صراع مباشر ومواجهة عسكرية مستبعد "حاليا"؛ بسبب المخاطر الكبيرة المتوقعة على جميع الأطراف الفاعلة والمتداخلة في علاقات مع دول المنطقة

انعدام التوازن العسكري

وفي حال مواجهة عسكرية، تواجه كوسوفو عقبة كبيرة؛ فقوة النيران الصربية تفوق قوتها، بل تفوق حتى قوة الناتو في كوسوفو (كفور)، ومع ذلك فقد خاضت صربيا بالفعل مواجهة مع الناتو في 1999، ومن ثم فمن غير المرجح أن تفعل ذلك مرة أخرى، وبهذا فلا الجيش الصربي ولا قوة كوسوفو على استعداد لخوض المواجهة.

الحسابات الأوروبية الأميركية

قد يكون نشوب صراع جديد محتمل في البلقان بمثابة فشل للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لأن كوسوفو لا تزال محمية دولية بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 1244، ولا أحد من هاتين القوتين يتمتع برفاهية السماح بنشوب حرب جديدة في "ساحتهما الخلفية"، تضعفهما في المواجهة المستمرة مع روسيا. فروسيا ستستغل صراعا كهذا لتطوير تحركاتها في أوكرانيا، وبالتالي فمن مصلحة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الحفاظ على السلام في كوسوفو وعدم خسارة المبادرة الإستراتيجية في الحرب في أوكرانيا.

وقد حذرت رئيسة كوسوفا فيوسا عثماني قبل أشهر من أن "بوتين يمكن أن يستخدم كوسوفو لتوسيع الصراع الحالي في أوكرانيا وزيادة زعزعة استقرار أوروبا".

الحسابات الروسية

معروفٌ أن صربيا وروسيا حليفتان تقليديا، ورفضت صربيا الانضمام إلى نظام العقوبات الغربية على روسيا بعد اشتعال الأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا والصين هما السبب الوحيد وراء عدم اعتراف الأمم المتحدة بكوسوفو كدولة مستقلة، وهذا الدعم المتبادل يبقي الباب مفتوحًا أمام بعض الخبراء لتوقع أن السيناريو الأسوأ لنزاع كوسوفو سيكون عملًا منسقًا بين صربيا وروسيا، ولكن من غير المرجح أن تشتت موسكو تركيزها عن الحرب في أوكرانيا، لا سيما أن الصراع الجديد في كوسوفو لن يوفر أية مزية إستراتيجية لروسيا، التي تواجه تحديات على عدة مستويات في أوكرانيا، فعسكريا تواجه مقاومة شرسة على الأرض كشفت عن العديد من الأخطاء العملياتية، واقتصاديا تشكل العقوبات تحديا للاقتصاد الروسي، وهذا يمنعها من تقديم مساعدة إستراتيجية لصربيا، كما أن دعم صربيا ضد كوسوفو في أي صراع مباشر لن يحظى بشعبية عربية وإسلامية، وروسيا اليوم لا تريد خسارة مواقف في العالمين العربي والإسلامي في ظل مواجهتها مع الغرب.

يبقى القول إن كوسوفو تريد أن ينتهي الحوار مع صربيا بالاعتراف المتبادل، في حين تسعى صربيا إلى حل وسط، وتقول إنها لن تعترف أبدًا بإقليمها السابق، وبذلك فإن ما كان يفترض أن يكون حلا لحرب كوسوفو تحول إلى صراع مجمّد منذ عام 1999، ونواجه اليوم خطر أن يتحول ذلك النزاع المجمّد إلى حرب في غمضة عين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.