النكبات الفلسطينية.. إلى متى؟

صورة 6 مشاركة لافتة للنشء الفلسطيني في مسيرات وفعاليات العودة للقرى والبلدات المهجرة بالداخل الفلسطيني.
مشاركة لافتة للنشء الفلسطيني في مسيرات وفعاليات العودة للقرى والبلدات المهجرة بالداخل الفلسطيني (الجزيرة)

جولة جديدة مكررة، لن تكون الأخيرة، من المواجهات غير المتكافئة بين فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وبين قوات الاحتلال الصهيوني، تأتي بالتزامن مع الذكرى الـ75 للنكبة الفلسطينية، نكبة احتلال فلسطين وتشريد أهلها في منافي الأرض وأصقاعها المترامية عام 1948.

هذه الذكرى الأليمة تدعونا هذه المرة لنتوقف عندها ليس كالمرات السابقة، لا لنبكي على الأطلال، ونترحم على أرواح الآباء والأجداد الذين جرفهم طوفان الأحداث المفجعة من كل حدب وصوب، وليقذفهم خارج حدود الوطن، فتلتقمهم حيتان الآلام والمعاناة والفاقة والحرمان والشوق الدفين، وإنما نتوقف لنستحضر بقية النكبات اللاحقة التي حلت على رؤوس الشعب الفلسطيني، وأطبقت على صدورهم، وباعدت بينهم وبين تحقيق آمالهم وتطلعاتهم، وزادت من معاناتهم، وجعلت من نكبة الهجرة واللجوء مجرد ذكرى أليمة في ملف شديد السواد، وأشدها سوادا وإيلاما، تلك النكبات التي صنعناها بأيدينا، وما زلنا نصر عليها ونعتبرها النصر المبين.

إلى متى سيبقى الرئيس أبو مازن في منصبه، وقد شل القيادة الفلسطينية والقرار الفلسطيني والحاضر الفلسطيني والمستقبل الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية والسلام الفلسطيني؟ وإلى متى يبقى الشعب الفلسطيني بنخبه وقواعده متقبلا لهذا الوضع؟

قبل المقدمة

يبدو أن قيادات الشعب الفلسطيني بحاجة إلى الكثير من المراجعات البنيوية التي تساعدها على تفكيك واقعها السياسي والفكري والتنظيمي، وإعادة تكوينه من جديد بصورة تسمح لها بتصحيح المسار، والتحرك بوعي أكبر وذكاء أوسع، نحو تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني وتطلعاته، وتقصير رحلة معاناته وآلامه. وإذا لم تقم القيادات الفلسطينية بذلك، فإنها ترتكب جرما تاريخيا كبيرا، يتسبب في إضاعة الوقت وإهدار الدماء والموارد والطاقات، وتقزيم القضية الفلسطينية في مجموعة من الشعارات الانفعالية العاجزة، وردود الفعل الطائشة، والمراهنات السياسية الإقليمية والدولية غير المتوازنة.

لقد انتهت جولة المواجهة الأخيرة بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وبين قوات الاحتلال الصهيوني، بعد 5 أيام، مخلفة 33 شهيدا و190 جريحا، من بينهم 11 قائدا وعنصرا من سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والمستهدف الرئيسي في هذه المواجهة. انتهت المواجهة دون أن تقترب قيراطا واحدا من تحقيق أهداف وتطلعات الشعب الفلسطيني، لتطرح من جديد الأسئلة التي لا يحب الجمهور الفلسطيني، ومن ورائه الجمهور العربي والإسلامي، الإجابة عليها، رغم أنها أسئلة قائمة وملحة، تهز وعي الشارع الفلسطيني وتقرع أدمغة العقلاء فيه بحثا عن الجدوى من مثل هذه المواجهات، ومدى توافر مقوماتها وأركانها السياسية والعسكرية، ومن يتحمل المسؤولية عنها، وغيرها من الأسئلة التي طرحناها في مقال سابق بعنوان (متى تتوقف التضحيات الفلسطينية المهدرة؟) والتي أرجو ممن يهمه الأمر، العودة إليها والبحث عن إجاباتها.

قائمة النكبات الفلسطينية

نستعرض فيما يأتي أبرز وأشد وأخطر النكبات التي حلت على الشعب الفلسطيني في العقود الأخيرة، على أيدي أبناء فلسطين، مما يزيد من وطأة معاناة الشعب الفلسطيني، وينسيهم مرارة ذكرى النكبة على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني، دون أن يسقط من حسابنا النكبات الصهيونية والإقليمية والدولية التي تنهال باستمرار على رأس الشعب الفلسطيني:

أولا: نكبة القيادة

أولى النكبات التي حلت على الشعب الفلسطيني، ويعاني يوميا من تبعاتها وويلاتها، هي نكبة القيادة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) الذي يوشك أن يتم 90 عاما. فمنذ فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2005، التي أعقبت رحيل الزعيم ياسر عرفات، وهو يبذل جهده في إدارة شؤون الرئاسة الفلسطينية والمنتفعين من ورائها، وتمثيلها في المحافل الإقليمية والدولية، ويتابع عن كثب تطورات القضية الفلسطينية كأنه أحد المراقبين الدوليين.

يمسك بإحدى يديه القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وبالأخرى يمسك وثائق اتفاقيات أوسلو، ليعيد على الأسماع من حين لآخر ما يؤكد به سلامة موقفه وتمسكه بالشرعية الدولية التي لم يخجل أن يطالبها في الذكرى الـ75 للنكبة بأن تحمي الشعب الفلسطيني كما تحمي الحيوانات.

لم يقدم الرئيس أبو مازن للقضية الفلسطينية شيئا يذكره به الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما لم يستطع قيادة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وحل مشكلاته وتنظيم صفوفه كقوة تفاوضية في وجه الاحتلال الصهيوني حتى اليوم. ولا يزال أبو مازن قابعا في كرسي الرئاسة منذ 18 عاما دون أي جدوى، رغم انتهاء فترته الرئاسية عام 2009.

18 عاما من عمر القضية الفلسطينية ذهبت سدى، قدم فيها الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى، واتسعت فيها رقعة الأراضي المستباحة على أيدي الاحتلال، وبلغت فيها المعاناة الفلسطينية في الداخل والخارج حدا تجاوز بكثير ما كانت عليه أيام النكبة. فإلى متى سيبقى أبو مازن في منصبه، وقد شل القيادة الفلسطينية والقرار الفلسطيني والحاضر الفلسطيني والمستقبل الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية والسلام الفلسطيني؟ وإلى متى يبقى الشعب الفلسطيني بنخبه وقواعده متقبلا لهذا الوضع؟

صمت النخبة هو الذي يطيل في عمر بقاء أبو مازن في الرئاسة، ويطيل في عمر شرخ الانقسام وغياب وحدة الموقف والقرار والمشروع والمقاومة، وهو الذي يطيل في معاناة الشعب الفلسطيني

ثانيا: نكبة الانقسام

النكبة الثانية التي حلت على رأس الشعب الفلسطيني هي نكبة الانقسام، نكبة الشرخ العمودي الشامل الذي أصاب القضية الفلسطينية من رأسها إلى أخمص قدميها، بسبب السياسات العوجاء والممارسات الهوجاء التي سادت الساحة الفلسطينية بعد أوسلو، والتي دفعت حركة حماس إلى الانقضاض على السلطة في قطاع غزة عام 2007، واستلام قيادتها حتى اليوم.

هذا الشرخ السياسي والجغرافي والعسكري والاجتماعي والفكري، أصاب القضية الفلسطينية في مقتل، ولم تستطع أن تبرأ منه حتى اليوم، وهو ما ضاعف من وطأة نكبة الرئيس عباس، الذي لم يستطع أن يفعل شيئا حتى الآن لتوحيد الموقف الفلسطيني والقرار الفلسطيني والحراك الفلسطيني والصمود الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية. إن الآثار السلبية المترتبة على الانقسام، والثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني بسببه أكبر بكثير مما تظنه الفصائل والقيادات والنخب المستفيدة من حالة الانقسام. فإلى متى سيستمر الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يدفع هذا الثمن؟ وما المقابل الذي سيحصل عليه من ورائه.

ثالثا: نكبة التشظي

يعاني الواقع الفلسطيني بسبب الرئيس أبو مازن وشرخ الانقسام، من تشظي مطبق على كل المستويات، وخاصة السياسي والعسكري والفكري، فمن تشظي الموقف السياسي وغياب القيادة الموحدة والرؤية المشتركة والمشروع السياسي المتفق عليه والملزم لجميع القوى والفصائل، إلى تشظي الموقف العسكري، واستقلال كل فصيل بموقفه وتحالفاته ورؤيته وتحديد معاركه والشروع فيها دونما اعتبار لنتائجها النهائية والثمن الذي سيدفعه الشعب الفلسطيني فيها، مما يجعل الفعل المقاوم مجرد ردود فعل طارئة واستجابات غير مدروسة لتدافعات السياسة الإقليمية، على حساب دماء الشعب الفلسطيني واستقراره وآماله بالعودة والتحرر. وليس بعيدا عن ذلك المواجهة الأخيرة التي وقعت الأسبوع الماضي بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وبين قوات الاحتلال الصهيوني، بسبب ردود فعل غير محسوبة قامت بها سرايا القدس.

أما التشظي الفكري فقد بلغ مداه في تناقض التصورات الأيديولوجية وما ينبثق عنها من رؤى سياسية لحل القضية الفلسطينية وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.

رابعا: نكبة الصمت

نعني به على وجه الخصوص، صمت النخبة الفلسطينية الحزبية منها والمستقلة، من كوادر وأكاديميين ومثقفين وإعلاميين ونقابيين، الذين يعايشون هذا التشظي، ولا يقيمون له حراكا، بسبب هيمنة الانتماء الحزبي والمصالح الشخصية والاعتبارات الذاتية.

إن هذا الصمت هو الذي يطيل في عمر بقاء أبو مازن في الرئاسة، وانسداد المشهد السياسي، وهو الذي يطيل في عمر شرخ الانقسام وغياب وحدة الموقف والقرار والمشروع والمقاومة، وهو الذي يطيل في معاناة الشعب الفلسطيني، ويطيل المسافة التي تفصل بينه وبين تحقيق آماله وتطلعاته، وهو الذي يطيل حالة الانفعال المفرطة التي تهيمن على الشارع الفلسطيني.

فإلى متى ستستمر النخبة الفلسطينية في صمتها تاركة العنان للزمان أن يمضي دون أن يحدث فرقا في المشهد الفلسطيني، وللمعاناة أن تستمر دون أدنى أمل بالانفراج؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.