جيوش ونخب عسكرية وتعثر ديمقراطي مزمن

رئيس مجلس السيادة بالسودان عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي (الأناضول)

لا يُتصور وجود تجربة ديمقراطية ناجعة من دون تحييد دور العسكر في السياسة، فالحكم العسكري هو النافي للحكم الديمقراطي سواء بحكم التعريف أو التجربة، ولم تنجح تجارب الانتقال الديمقراطي في مختلف أنحاء العالم إلا بعد الاتفاق على خروج العسكر من السياسة بأي شكل؛ سواء من خلال التفاوض أو التنازل أو الإكراه. أما في بلاد العرب فالعكس هو الصحيح، فالعسكر -وغيرهم من النخب السلطوية- لا يتفاوضون، ولا يتنازلون، وإذا أُكرهوا على ترك السلطة يصبح شعارهم "إما أنا أو الفوضى". رأينا ذلك وعشناه في العراق ومصر وسوريا واليمن وليبيا والصومال، ونعيشه حاليا في السودان.

وهو ما أكدته أيضا تجربة "الربيع العربي" التي كشفت عن الدور الحيوي الذي تلعبه الجيوش في مسألة الثورات والانتفاضات، ومن ثم الانتقال الديمقراطي، وأنه لا يمكن لبلد ما أن ينجح في إقامة نظام ديمقراطي من دون خروج العسكر من السياسة، أو على الأقل التزامهم بقواعد اللعبة السياسية التي تؤطر دورهم في مجالات الأمن القومي والدفاع عن الأوطان وحدودها، بعيدا عن المجالين السياسي والمدني.

وإذا كانت الجيوش العربية لعبت دورا أساسيا في سياسات التحديث والتنمية عقب مرحلة الاستقلال من الاستعمار منتصف القرن الماضي، أو هكذا تم تصوير الأمر، فإنها توغلت وهيمنت على المجال المدني وجمّدت الحياة السياسية ودمرّت فرص نجاح أي تجربة ديمقراطية، وأصبح البقاء في السلطة هدفا أساسيا للنخب العسكرية التي استولت عليها بعد خروج المستعمر.

لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن أن نتخيل وجود جيوش عربية تلتزم بقواعد الديمقراطية؟ وهل هناك تجارب عالمية ناجحة في هذا الصدد؟ وما اشتراطات هذا النجاح؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشها كتاب "الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين"، للباحث الأميركي "زولتان باراني"، الذي ترجمه وأصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قبل عدة سنوات. وباراني هو أستاذ بجامعة تكساس متخصص في مسألة الجيوش ودور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وله كتاب شهير صدر عشية الربيع العربي حول كيفية استجابة الجيوش للثورات، ونشرت ترجمته "الشبكة العربية للأبحاث والنشر".

فرص بناء جيوش ديمقراطية تخضع لعملية معقدة من المفاوضات والمساومات التي قد تنجح وقد تفشل حسب ظروف كل دولة. وهذا  يطرح السؤال حول إمكانية تكرار الأمر في الحالة العربية، وهل يمكن أن نشهد جيوشا ديمقراطية ونخبا عسكرية لا تمارس السياسة ولا تسعى للسلطة؟

في كتابه "الجندي والدولة المتغيرة" يجادل باراني بأن ثمة 3 شروط لقيام جيوش ديمقراطية في بلد ما:

  • أولها أنه لا يمكن قيام ديمقراطيات راسخة من دون نخب عسكرية ملتزمة بالحوكمة الديمقراطية.
  • وثانيها أنه لا بد من وجود ما يسميه باراني "لحظة تكوينية" أو "مفاصل حرجة" يُصار معها إلى تأسيس مؤسسات جديدة في الدولة، ومنها المؤسسة العسكرية.
  • وثالثها طبيعة السياقات التي تجري بها عملية الانتقال الديمقراطي. وهنا تحديدا يشير باراني إلى 3 سياقات مختلفة قد تسهم في بناء الجيوش الديمقراطية، وهي:
  • أولا- سياق الحرب سواء أكانت حربا كبرى تُهزم فيها الدولة هزيمة ساحقة، ومن ثم يُعاد بناؤها من جديد، خاصة بناء المؤسسة العسكرية على أسس احترافية لا تتدخل في السياسة وتلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية. ويحدث ذلك في الأغلب بمشاركة فاعلين أجانب، وذلك على غرار ما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أو بعد حرب أهلية مدمرة تدفع القوى المتحاربة لتوقيع اتفاقات سلام وتهدئة واتفاق على قواعد للعبة السياسية لا يُحتكم فيها للسلاح، وذلك على نحو ما حدث في البوسنة والهرسك والسلفادور ولبنان.
  • السياق الثاني هو سياق سقوط الحكم العسكري وفشله، ومن ثم البحث عن نظام جديد أكثر كفاءة وقدرة على إدارة شؤون الدولة، وذلك على غرار ما حدث مع الموجة الثالثة للديمقراطية كما في إسبانيا والبرتغال واليونان في السبعينيات، وفي أميركا اللاتينية منتصف الثمانينيات.
  • أما السياق الثالث فهو تحول الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار ووجود نخب سياسية واعية بأهمية تأسيس نظام ديمقراطي، وذلك كما حدث في بعض البلدان الأفريقية مثل غانا وتنزانيا وبوتسوانا.

ومن خلال تقصي هذه الاشتراطات والسياقات السابقة، يصل باراني إلى نتيجة مهمة مفادها أن فرص بناء جيوش ديمقراطية تخضع لعملية معقدة من المفاوضات والمساومات التي قد تنجح وقد تفشل حسب ظروف كل دولة. ولعل هذا ما يطرح السؤال حول إمكانية تكرار الأمر في الحالة العربية، وهل يمكن أن نشهد جيوشا ديمقراطية ونخبا عسكرية لا تمارس السياسة ولا تسعى للسلطة؟

باعتقادي أن الأمر صعب، وإن لم يكن مستحيلا، وهو يتطلب -فضلا عن الاشتراطات الثلاثة السابقة- شرطين آخرين، هما:

  1. اقتناع قطاع واسع من النخب المدنية بضرورة خروج العسكر من السياسة، وأنها قادرة على حل خلافاتها من دون الهرولة للعسكر كي يتدخل إذا وقع خلاف بينها. وهو شرط مهم وضروري في السياق العربي الذي شهد التحالف بين المدنيين والعسكر مرارا وتكرارا في أكثر من حالة عربية؛ كالسودان، والعراق، وسوريا، وغيرها. فمعظم الانقلابات العربية لم تحدث فقط نتيجة سعي العسكر للاستيلاء على السلطة، وإنما أيضا بسبب فشل النخب المدنية في حل مشاكلها بعيدا عن استدعاء العسكر، وأحيانا تحريض بعضها على البعض الآخر.
  2. أما الشرط الثاني فهو توقف القوى الخارجية عن دعم النخب العسكرية وتحريضها على البقاء في السلطة؛ ففي حالات كثيرة دعمت أميركا وأوروبا وكذلك قوى إقليمية استيلاء العسكر على السلطة في أكثر من بلد عربي، كان آخرها في السودان عام 2021، ومن قبلهما في موريتانيا. وللولايات المتحدة تحديدا سجل أسود وتاريخ طويل في دعم الانقلابات العسكرية، سواء في إيران أو في أميركا اللاتينية أو في أفريقيا. في حين أنها صمتت وتواطأت مع النخب العسكرية التي قامت بالانقلابات الأخيرة في العالم العربي. كما أن دولة مثل إسرائيل من مصلحتها استيلاء العسكر على السلطة وبقاؤهم فيها، وذلك لقناعتها بأن أي ديمقراطية في العالم العربي قد تمثل تهديدا وجوديا لها؛ ولذلك حاربت الربيع العربي وحرّضت عليه حلفاءها الإقليميين والدوليين، وتسعى جاهدة كي تبقى الأوضاع الراهنة على ما هي عليه.

لذلك، فإن معركة التغيير الديمقراطي في العالم العربي لن تكون سهلة، وهي بحاجة إلى فهم طبيعة الخصوم التي تواجهها، سواء كانوا محليين أو إقليميين أو دوليين، وقبل كل ذلك التزام النخب السياسية بالقيم الديمقراطية، وهي مسألة بحاجة لوقت وجهد كبير.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.