انتخابات 2024 وكابوس تكرار معركة بايدن وترامب

بايدن (يمين) وترامب المرشحان الأكبران في التاريخ الأميركي وهو ما لا يلاقي قبولا بين أغلبية الأميركيين (الفرنسية)

يمثل سيناريو إعادة معركة انتخابات 2020 بين جو بايدن ودونالد ترامب كابوسا لأغلبية الأميركيين، فعند حلول موعد انتخابات 2024 سيبلغ بايدن من العمر 82 عاما وترامب 78 عاما، وعند انتهاء فترة الحكم تلك سيبلغ بايدن 86 عاما وترامب 82 عاما، بافتراض عدم اقتراب الموت منهما.

ويجعل ذلك بايدن وترامب المرشحين الأكبرين في التاريخ الأميركي، وهو ما لا يلاقي قبولا بين أغلبية الأميركيين الذين كانوا يأملون عدم ترشح الرجلين لشغل أكبر منصب في البلاد.

ويعد عمر المرشحين المرتفع في دولة متوسط عمر المواطن فيها 38 عاما عنصر إحباط لجيل كامل من القادة السياسيين الذين عليهم الانتظار سنوات أخرى قبل التعبير عن أي طموحات سياسية رئاسية.

وحين أجريت انتخابات 2020 الرئاسية كانت بين رجلين في السبعينيات من العمر، أحدهما الرئيس السابق ترامب (يبلغ اليوم 76 عاما) والآخر الرئيس الحالي بايدن (يبلغ اليوم 80 عاما)، ويبدو أن انتخابات 2024 ستُجرى بينهما في ضوء معطيات اليوم، وهكذا وكأن أميركا والعالم لا ينقصهما إلا تكرار مشاهد انتخابات 2020 مرة أخرى.

وفي وقت يبدو فيه ترامب المرشح الأوفر حظا حاليا في السباق التمهيدي الجمهوري تمثل قوة ترامب داخل الحزب الجمهوري الأساس المنطقي الأساسي لحملة بايدن التي أعلن عنها رسميا يوم الثلاثاء الماضي.

وكما كان الحال في انتخابات 2020 تؤمن مؤسسة الحزب الديمقراطي بأن بايدن هو أفضل رهان لدى الديمقراطيين لمنع سلفه من الفوز بولاية ثانية ستكون بالتأكيد أكثر تطرفا من الأولى.

بايدن لم يصبح أصغر سنا مقارنة بانتخابات 2020 حين كان الكثير من الناخبين يعبرون بالفعل عن قلقهم بشأن عمره وقدراته الذهنية، ومن المؤكد أن مرور 4 سنوات لم يجعل بايدن أكثر نشاطا وحيوية، كما أن تكرار ميله إلى الزلات والتلعثم لم يساعد على تحسن صورته.

ومن حسن حظ بايدن في انتخابات 2020 أن القضية الأولى لأغلب الناخبين كانت احتواء وباء "كوفيد-19" والتعافي منه، ولم يعد هذا هو الحال اليوم بالنسبة لمعظم الأميركيين الذين يهتمون الآن بالتضخم وارتفاع الأسعار والاقتصاد بصفة عامة.

وفي عام 2020 استغل بايدن فيروس "كوفيد-19" للتهرب من الظهور في مؤتمرات انتخابية حاشدة، وشن حملته الانتخابية عن طريق الظهور الافتراضي من منزله.

واستغل بايدن كذلك استجابة ترامب الفوضوية لانتشار الفيروس لتصوير نفسه على أنه رجل سياسة متوازن يتبع مشورة الخبراء.

وفي انتخابات 2024 سيحكم الناخبون على سجل حكم بايدن، وسيطالب الرأي العام الأميركي بظهور وتفاعل بايدن في حملته الانتخابية ومواجهة ترامب.

خسر ترامب انتخابات 2020 لكنه حصل على أصوات أكثر من 70 مليون أميركي، الكثير منهم جمهوريون تقليديون ومحافظون يصوتون للحزب المعادي للإجهاض، أو لا يحبذون زواج المثليين، وينتصرون لحق حمل السلاح، وللتشدد مع المهاجرين غير النظاميين، فليس كل الجمهوريين من أنصار ترامب من المتطرفين اليمينيين.

وبعد عامين ونصف من حكم بايدن تُلقى المسؤولية كاملة على دونالد ترامب في استمرار اعتقاد نصف الناخبين الجمهوريين أن الانتخابات الرئاسية سرقت منه، وعلى الرغم من عدم توافر أي دلائل على ذلك فإن ترامب لا يزال يكرر هذه الادعاءات.

ومن المؤكد أن أغلبية الجمهوريين ليسوا من أنصار ترامب المتطرفين ممن دعموا وهللوا لاقتحام الكونغرس لتعطيل التصديق على نتائج انتخابات 2020، وعلينا تذكر أن الجمهوريين هم من أنقذوا الديمقراطية الأميركية بعد انتخابات عام 2020، فهم كانوا حكام بعض الولايات ومسؤولين عن الانتخابات، ورفضوا ضغوط وطلبات الرئيس ترامب بتغيير قوائم الناخبين أو تقديم نتائج مغايرة إلى المجمع الانتخابي.

كذلك لعب الكثير من القضاة الجمهوريين ممن عينهم ترامب أثناء رئاسته دورا مهما في الحفاظ على الديمقراطية الأميركية عن طريق التزامهم بسيادة القانون والأدلة في تقييم ادعاءات تزوير الانتخابات من جانب ترامب، وكان هؤلاء القضاة ممن عملوا داخل البيت الأبيض ووزارة العدل ودحضوا مزاعم الفريق القانوني لترامب بشأن الانتخابات.

وبعد ذلك كله لم تؤد محاولات مقاضاة ترامب بسبب دوره في محاولة الانقلاب السياسي في السادس من يناير/كانون الثاني 2021 إلى توجيه اتهامات جنائية له حتى الآن، كما أن نتائج التحقيق بشأن احتفاظه بوثائق سرية وسجلات حكومية في منزله بولاية فلوريدا لم تعلن بعد، كذلك الحال مع تحقيقات ولاية جورجيا في محاولات ترامب الضغط على المسؤولين المحليين لتغيير نتائج انتخابات 2020.

ولم يدفع توجيه ولاية نيويورك اتهامات جنائية إلى ترامب في بداية أبريل/نيسان الجاري إلا لرفع أسهمه ونسبة شعبيته بين الناخبين الجمهوريين.

ولطالما كان ترامب يعشق الجدل حوله، لكن مأزقه القانوني الحالي -والذي وضعه في قفص الاتهام الجنائي رسميا- هو لعبة كرة جديدة تماما، إذ يواجه اتهامات هيئة محلفين كبرى في مانهاتن بمدينة نيويورك بـ34 تهمة تتعلق بالاحتيال التجاري.

وعلى الرغم من الكثير من التقارير والدراسات التي نشرت مؤخرا والتي تشير إلى أن سيطرة ترامب على الحزب الجمهوري تتضاءل يشير استطلاع تلو الآخر إلى أنه يحظى بدعم أغلبية الناخبين الجمهوريين، ويدعم ثلثا ناخبي الحزب الجمهوري ترامب بقوة على الرغم من مشاكله القانونية.

تعتمد حملة إعادة انتخاب بايدن على سردية حماية الحريات والحفاظ على الدولة الأميركية من الوقوع تحت براثن الفاشية والتعصب، في حين تعتمد سردية إعادة انتخاب ترامب على إعادة الهيبة لأميركا وإعادتها إلى الشعب الأميركي بعيدا عن نفوذ النخب وجماعات المصالح.

ومن المعروف أن بايدن يكره ترامب، ومن الممكن أن يتمكن بايدن من هزيمة ترامب مرة أخرى، لكن في الوقت ذاته لا يمكن لبايدن التنافس في انتخابات 2024 إلا أمام ترامب معتمدا على شرعية انتصاره السابق عليه.

وإذا اختفى ترامب من المشهد السياسي أو قرر مفاجأة العالم بعدم ترشحه فسيضر ذلك بحظوظ بايدن في الترشح مرة ثانية، خاصة أن البطاقة الجمهورية لسباق 2024 قد تذهب إلى رون دي سانتيس حاكم ولاية فلوريدا، وهو في الأربعينيات من العمر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.