هل يعود الإسلاميون إلى السلطة في السودان؟

ربما تفضي هذه الحالة إلى واقع سياسي جديد عنوانه عودة الإسلاميين وحلفاؤهم للسلطة مرة أخرى (وكالة الأناضول)

السؤال الأكثر إلحاحا اليوم في السودان مقرونا بتفاعلات الشأن السياسي يدور حول مدى احتمالية عودة الإسلاميين إلى السلطة مرة أخرى، في ظل تعقيدات الوضع الراهن وما يترتب عليه مع تعاظم الخشية من انهيار الدولة وضياع البلاد بعد فشل التركيبة الحاكمة من عسكريين ومدنيين منذ 11 أبريل 2019 في إدارة دفة الحكم، وعجزها عن وقف التدهور وإنهاء الصراعات أو اختتام الفترة الانتقالية الحالية بتراض وطني وقيام انتخابات عامة يختار فيها الشعب السوداني من يمثله ويحقق إرادته الحرة.

يضاف إلى فشل هذه التركيبة الحاكمة تنامي النفوذ الأجنبي الذي تعبث أياديه بالبلاد وتقودها إلى حافة الهاوية ثم إلى نهاية القاع.

لا يختلف اثنان في أن الحلول الممكنة للأزمة السياسية باتت بعيدة المنال، خاصة بعد حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة يوم 16 رمضان في حفل إفطار حضرته قيادات الحرية والتغيير-المجلس المركزي دعا فيه القيادات الحالية، عسكريين ومدنيين، بما فيهم هو للتنحي بعد اعترافه بالفشل في تحقيق التوافق الوطني وحل الأزمة الراهنة وقيادة الفترة الانتقالية بإجماع وسلام واتفاق.

العملية السياسية الجارية الآن لم تكتمل بعد، ولن تفلح في جمع الشمل الوطني وتلبية رغبات المواطنين، وبات ما يسمى بالاتفاق الإطاري أو حتى الإعلان السياسي النهائي المزمع توقيعه أكبر معول لهدم الوفاق السياسي، وأداة للإقصاء وتفريق القوى الحزبية والكيانات السياسية والعسكرية، فمع أنه لن ينجح في جلب الاستقرار وتجاوز أزمة الحكم وتحقيق الانتقال الديمقراطي، لا تبدو أطرافه قادرة على التقدم به خطوة إلى الأمام، بينما المناهضون لهذا الاتفاق يتزايدون ومؤيدوه يتناقصون بشكل مزر.

إذا كانت التسوية السياسية الحالية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من التفاهم من أجل توطيد دعائم الأمن والسلام في بلد يعاني من الصراعات السياسية والاحتراب المسلح منذ حوالي 70 عاما، فمن الضروري وفقا لطبيعة الشعب السوداني وتجربته، أن يتطلع إلى خيارات أخرى ويبحث عن طريق ثالث.

باتفاق الجميع، لم يمر السودان بأوضاع قاسية ومنذرة بالضياع كما هو شاخص وحادث الآن، تعصف به من كل جانب حالة التجاذب والصراع السياسي ونذر المواجهات العسكرية، ويُخيم عليه خطر الانقسام والتشطيب وتلاشي الدولة وانشطارها لعدة دويلات، متطابقا مع تصورات وآراء وخرائط مهندس سايكس بيكو الجديدة البريطاني الأميركي برنارد لويس وتنبؤاته بانقسام السودان لفتافيت من الدويلات القزمية المتناثرة.

رهان السودان اليوم يشهد تطورات بالغة الخطورة، أبرزها تفاقم حالة الاستقطاب الحادة والانقسام الأفقي والرأسي في المجتمع وتزايد التدخلات الخارجية السافرة ومحاولة اختطاف الدولة من قبل تحالفات سياسية عسكرية ترعاها أطراف دولية، أدي ذلك و بصورة مباشرة إلى ردود فعل في الاتجاه المعاكس تتزايد كل يوم، سيكون لها أثرها في تغيير الواقع والبيئة السياسية برمتها في مراكب الإسلاميين تملأ أشرعتها رياح المناهضة الشعبية الواسعة للعملية السياسية المعتدلة، وربما تفضي هذه الحالة إلى واقع سياسي جديد عنوانه عودتهم هم وحلفاؤهم للسلطة مرة أخرى، واستنقاذ السودان من براثن المؤامرة الخارجية التي نشبت مخالبها في جسده المنهك.

مرد هذا الحديث وهذه التوقعات تقف وراءه وتسنده عدة معطيات موضوعية إذا نظرنا إلى حقيقة الانقسام الداخلي للقوى السياسية التي تمثل خصوم الإسلاميين، وسفور الأجندة المدمرة للقوى الغربية وحلفائها الإقليميين بعد أن أُميط اللثام عن المطامع والتصورات الأميركية والأوروبية التي مررت في الاتفاق الإطاري واحتوتها النسخة غير الرسمية المسربة من مسودة الإعلان السياسي النهائي الذي تأجل توقيعه أكثر من مرة.

ليس هناك من جدل أن ما يجري ويتم الترتيب له استفز القطاعات الحية والكبرى من الشعب السوداني وفي مقدمتها التيار الإسلامي، وهو أكبر التيارات السياسية وأقواها وأكثرها تنظيما وأوثقها تحالفا وأوسعها انتشارا وتواصلا مع غيره من القوى الوطنية، فقد وجد إسلاميو السودان أنفسهم في مهب العاصفة، لا مفر من مواجهة خطر الأوضاع الحالية المعقدة في بلادهم ولا ينبغي الركون إليها والانحناء لإنهائها وعواصفها.

 فما مؤشرات هذه العودة المحتملة للإسلاميين إلى المشهد مرة أخرى؟

العودة المحتملة هذه أشارت إليها تقارير سياسية ودبلوماسية في العاصمة السودانية الخرطوم وتناولتها أحاديث وتصريحات جهات سياسية مختلفة، من بينها حديث رئيس البعثة الأممية فولكر بريتس لإحدى القنوات الفضائية العربية قبل أسبوعين قائلا "إن عودة الإسلاميين للمشهد السياسي واردة"، بينما نطق جون غودفري سفير الولايات المتحدة بالخرطوم محذرا قبل أسابيع من إجراء انتخابات في غضون عام أو عامين في نهاية الفترة الانتقالية لأنها ستأتي بالإسلاميين.

في السياق ذاته لم يغب الإسلاميون يوما عن أحاديث وهواجس قيادات المجلس المركزي للحرية والتغيير المتحالفين مع العسكر ويسعون معهم إلى تشكيل حكومة عقب توقيع الاتفاق النهائي، وأبدى هؤلاء القادة قلقا وخوفا من عودة الإسلاميين عبر الانتخابات إذا أجريت خلال عامين، بجانب شكوكهم المتزايدة في أن الإسلاميين وراء تعثر العملية السياسية، ولعل السبب في ذلك شعور هذه المجموعة السياسية المتحالفة مع العسكريين بعدم قدرتهم وجاهزيتهم للمنازلة السياسية أو الانتخابية وكسب جولاتها أمام خصومهم الإسلاميين الذين يبدون أكثر استعدادا و ثقة في خوضها.

أهم المؤشرات التي تشير إلى التحول الكبير في المشهد السياسي السوداني:

  1. رمى الاسلاميون خلال الأشهر القليلة الماضية بثقلهم الجماهيري في ساحة النشاط السياسي العام، وبرزت تحركات وأنشطة سياسية واسعة للتنظيمات الوطنية والإسلامية (التيار الاسلامي العريض، قوى نداء السودان-المؤتمر الوطني، حركة المستقبل، التيارات والتحالف الوطنية المناهضة للاتفاق الإطاري)، ولا يوجد نشاط سياسي جماهيري يضاهي نشاطهم الحالي.
  2. خلال الفترة الراهنة لا سيما في شهر رمضان المكرم، ابتدر المؤتمر الوطني حملة سياسية ضخمة وسط قواعده وأعاد بناء هياكله في كل المستويات وعبر عن تحديه قرار حله الصادر في أبريل/نيسان 2019، وأعلن عن مواقف حيال القضايا الوطنية المطروحة، وجاب قادته ولايات البلاد المختلفة ويعقد مؤتمراته في الولايات وهيئة الشورى القومية، و يجتمع ممثلوه مع كل القوى السياسية ولم يستثن فيها المجلس المركزي للحرية والتغيير والأحزاب اليسارية، ومنها الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي بأجنحته المختلفة، ويلتقي ممثلي وسفراء الدول المقيمين في الخرطوم بجانب لقاءات مع قيادة الاتحاد الأفريقي.
  3. ظهور علي أحمد كرتي الأمين العام للحركة الاسلامية في نشاط علني بولاية الجزيرة قبيل حلول شهر رمضان، ومخاطبته لقاءات سياسية ومناسبات دينية. وهو أبرز خروج علني له منذ 2019 بجانب عقده لقاءات غير معلنة مع قيادات سياسية وعسكرية خلال الفترة الماضية.
  4. دفع المؤتمر الوطني بكوادره الفاعلة إلى المعترك السياسي عبر لقاءاته الحاشدة في عواصم 18 ولاية والعديد من المدن السودانية، وفي الخرطوم وحدها حشد عضويته في عدة مناطق بالعاصمة السودانية وتجمع عدة آلاف من شباب الإسلاميين خلال لقاءات وإفطارات رمضانية، وألقيت خطابات سياسية حماسية تعبوية تندد بالوضع الحالي وتنادي بالتغيير الحتمي، وتعد هذه التحركات أكبر حملة للتعبئة السياسية منذ سقوط نظام الإنقاذ في 11 أبريل/نيسان 2019.
  5. الظهور العلني للإسلاميين وطرح حزبهم (المؤتمر الوطني) رؤية شاملة لمعالجة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، ووقف التدهور المريع في مختلف مجالات الحياة وانتشال البلاد من هوة التمزق والاختلاف السياسي الحاد، ووقف تمدد القوى الخارجية ومواجهة الاتفاق الإطاري، ثم مد أياديهم للجميع من أجل الوفاق الوطني، صنع ذلك انطباعا جيدا في الشارع السياسي، وأظهر الإسلاميين أنهم رقم لا يمكن تجاوزه وقوة شعبية لا يمكن تجاهلها، وأنهم يملكون الكثير من مفاتيح الحل لأزمات السودان الحالية.
  6. مقابل ذلك تبدو القوى الأخرى، خاصة المجلس المركزي للحرية والتغيير والمكون العسكري، وهما طرفان متحالفان، في حالة العجز التام والشلل الكامل في التقدم بالعملية السياسية، ولا يستطيعان تجاوز خلافاتهما وإتمام الصفقة بينهما وتوقيع الاتفاق النهائي لتقاسم السلطة وتبادل الأدوار و قيادة الفترة الانتقالية.

يستخلص من كل هذا أن الإسلاميين استفادوا من أخطاء خصومهم في الحرية والتغيير-المجلس المركزي، وهي أخطاء فادحة لا يمكن إصلاحها، ونجح الإسلاميون في عزلهم عن الشارع وتعريتهم أمام الجماهير، وأصبحت المبادرة السياسية بيد التيار القادر على خلط أوراق الجميع وإنتاج حالة سياسية قد تعيد عقارب الساعة للوراء أو تجعلها تمضي للأمام بقوة دفع من صناعتهم واستثمارهم للفرص الضائعة من بين يدي خصومهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.